نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس لا يحجب النقائص والصعوبات المحتملة

04:47

2014-12-22

الشروق العربيتونس - الخطوة الأخيرة في مسار الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه تونس منذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، شارفت على نهايتها بإقبال التونسيين على الاقتراع، يوم أمس الأحد، في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية والأخيرة. مسار وإن بدا متّسما بالنجاح في نظر العديد من المراقبين إلاّ أنّ ذلك لا يحجب عددا من النقائص التي شابته والتي ستلقي بظلالها على المراحل القادمة، وفق بعض الخبراء والسياسيين.

تكاد سنة 2014 تبوح بكل أسرارها في الساحة السياسية التونسية. سنةٌ مثقلة بالحسابات والنتائج، يعتبرها محللون ومتابعون للشأن السياسي استكمالا لمسار الانتقال الديمقراطي في تونس. ويُجمع أغلبهم على أن نجاح المسار الانتخابي والمصادقة على الدستور – رغم نقائصه – علامتان فارقتان تفتحان آفاقا أرحب لسنة 2015 بالنسبة للتونسيين، لكنّهما تطرحان أيضا أسئلة كبرى حول مصير ملفات حارقة أهمها الاقتصاد التونسي المتعثر وتوقف قاطرة التنمية.

 

نجاح ترافقه بعض الصعوبات

 

كشف المؤرخ والباحث التونسي خالد عبيد، في تصريح لـ”العرب”، أنّ أهم الأحداث التي ميزت سنة 2014 هي المصادقة على الدستور الذي كان توافقيّا ومقبولا في ظل الظروف الّتي أحاطت به، ويُمكن اعتباره أفضل ما يمكن التوصّل إليه في تلك المرحلة.

كما يعتبر عبيد خطوة تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية بعد الضغط الذي مارسه الشّارع التونسي، كانت أهمّ إنجاز يُحسب للتّونسيّين سنة 2014، حيث مكّنت تلك الخطوة مجمل التونسيين من معاينة جديّة التّصدي للخطر الإرهابي واتّخاذ الإجراءات الممكنة لذلك والابتعاد عن الارتجال في القرارات الهامّة. وفي ذات السياق، أضاف عبيد “إنّه يمكن التأكيد بكل ثقة، وبعيدا عن الغوغائية وعن أيّ توظيف أو تبرير سياسي، أنّ المرحلة الّتي تولّت فيها حكومة الكفاءات تسيير شؤون البلاد، كانت مرحلــة مهمّة جدّا واتّسمت باسترجاع التّونسي لثقتـه في الأمن.
 

كما أفاد الباحث في التاريخ السياسي بأنّ التونسيين اليوم، وهم على مشارف سنة 2015، يُعاينُون تجسيما لما أصبح يُعرف بالاستثناء التّونسي في النموذج الديمقراطي، بينما تُعاني دُول ما سمّي بـ”الربيع العربي” الأخرى محرقة تلظّت بها شعوبها ولا يعلم أحد مآلها أو إلى ما ستؤدّي.

 

لكن ذلك، وفق رأيه، “لا يُخفي بعض السلبيات التي يعايشها التونسيّون والتي تتمثل خاصّة في غلاء المعيشة وانعكاساتها على المواطن، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الطبقات المتوسطة الّتي تراجعت نحو الأسفل، وأيضا الطبقات الفقيرة التي ازدادت فقرا” على حد تعبيره.

 

مقارنة بسنة 2013

 

من جهته، وفي ما يتعلق بالتحول الديمقراطي الذي تشهده تونس، اعتبر القيادي في نداء تونس، خميس قسيلة، أنّ السّنة الجارية، تميّزت بانتصار القوى الديمقراطية وعقلية التوافق على محاولات الهيمنة السياسية، مشيرا إلى أنّ فوز حزب حركة نداء تونس بأغلبية المقاعد البرلمانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يعدّ انتصارا لإرادة الشعب التونسي في الحفاظ على مكتسباته الحضارية. كما أكّد أنّ النجاح انطلق منذ أن انطلقت عملية الحوار الوطني الّتي أشرفت عليها المنظمات الوطنية الأربع التي تحملت مسؤوليتها في لحظة فارقة من تاريخ تونس الحديث.

وفي ذات السياق، اعتبر أستاذ القانون والمحلل السياسي سليم اللغماني، أنّه لا يمكن الحكم على المسار الانتخابي والنتائج التي تمّ تحصيلها سنة 2014، دون المقارنة بما مرّت به البلاد سنة 2013، الّتي تعتبر سنة الأزمات والاغتيالات السياسية.

وبناء على تلك المقارنة، أشار اللغماني إلى أنّ الانفراج الذي شهدته الساحة السياسية هذا العام ملخصه المصادقة على دستور جديد وتعيين حكومة كفاءات وإجراء الانتخابات التّشريعية الّتي مرّت في أحسن الظّروف، وأشاد بها طيف واسع من المجتمع الدولي، بالإضافة إلى أنّها نالت رضا أغلب الأطراف التُونسيّة.

وبناء على ما سبق، أشار اللغماني إلى أنّ سنة 2014 كانت واعدة رغم أنها لم تف بوعود الثورة؛ فهي وإن أوفت بمطلب الحريّة الذي تحقق من خلال التداول السلمي على السلطة، فإنّها لم تحقق بقية مطالب الثورة التي ما تزال تنتظر التحقق.

 

المسار الانتخابي

 

بالنسبة إلى نبيل بفّون، الناطق الرسمي باسم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، فإنّ المسار الانتخابي كانت له شعارات واضحة وصريحة وهي “انتخابات حرة ونزيهة، شفافة وديمقراطية”، وهي شعارات حرص أعضاء الهيئة المستقلة للانتخابات على تحققها خلال تنظيم كل الاستحقاقات الماضية، ممّا حقّق هدفا مهمّا؛ ألا وهو القطع مع تدخّل الإدارة في المسألة الانتخابيّة.

وقد حرصت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في هذا المسار الانتخابي على تطبيقها للقانون، خاصّة التأكد من حضور كلّ المقاييس المتعلقة بضمان مبادئ الشفافية والنزاهة، ومكنت بمقتضى ذلك المجتمع المدني من المشاركة والمراقبة لإضفاء المصداقية على العملية الانتخابية برمّتها.

وكنتيجة لذلك، لاحظ الجميع القبول بنتائج الانتخابات من طرف كلّ الفرقاء السياسيين، حيث شهدت الانتخابات التشريعية مشاركة 1300 قائمة لم يتقدم طعن واحد جديّ بخصوصها للمحكمة الإدارية (التي رفضت كل الطعــون وهي ليســت كثيرة).

ونفس الأمر ينطبق على الانتخابات الرئاسية، حيث تقدّم 27 مترشحا في الدور الأول منها، ولم يطعن في النتائج سوى المترشح محمد المنصف المرزوقي بـ 8 طعون فقط، وقد تمّ رفضها من طرف المحكمة الإداريّة كذلك.

كما أضاف الناطق الرسمي باسم الهيئة أنّ المسار الانتخابي قدّم نموذجا عصريا ومواكبا لتجربة الانتقال الديمقراطي المميّزة التي تعيشها تونس، وهو ما سيسمح باستمرار هذه التجربة في السنة القادمة مع الاستعداد للانتخابات البلدية.

دستور حقبة سابقة

 

في سياق آخر، وفي ما يتعلّق بالنواقص التي اتسمت بها المرحلة الانتقالية التي تكاد تشارف على نهايتها، بالإعلان عن نتائج الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الذي صوّت خلاله التونسيون يوم أمس الأحد لاختيار رئيسهم المقبل، يقول أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد إنّ وضع دستور لتونس هو من أهم الأحداث التي شهدتها البلاد، غير أنّه دستور تمّت صياغته بنفس الفكر السياسي السابق، وتمّ وضعه بناء على توازنات انتخابات أكتوبر 2011، وقد تمّ تقديمه على أنه دستور جديد ويحمل تاريخا جديدا، لكنّه في الأصل دستور يعود إلى حقب سابقة؟

وفي ذات الإطار، بيّن أستاذ القانون الدستوري أنّ من بين النّقاط، التي أثارت كثيرا من الجدل، هي المصادقة على أعضاء الهيئة العليا للانتخابات بعد شدّ وجذب ومدّ وجزر، ثم المصادقة على القانون الانتخابي، الذي جاء بدوره على مقاس التوازنات التي حكمت البلاد بعد سنة 2011، ثم تمّ إقرار الاقتراع على القائمات في دوائر واسعة، وهي طريقة “تؤدي إلى سيطرة الأحزاب الكبرى على المشهد السياسي بالضرورة” وقد اعتبر سعيّد أن ذلك لا يمكن اعتباره صدفة لأنّ قانون 2011 تمّ تفصيله بنفس الطريقة.

وأضاف أن وسائل الدعاية تحركت في كل الاتجاهات فتم “صنع” ناخبين وتوجيههم إلى مكاتب الاقتراع على أنّهم أحرار وعلى أنّ الانتخابات حرّة، وكنتيجة لذلك ظل عدد الناخبين يتقلص كلما تم إجراء انتخابات ما؛ حيث تقلّص عدد الناخبين بقرابة مليون شخص مقارنة بـ 2011 ثمّ تقلص عدد الناخبين في الدور الأول من الرئاسية مقارنة بالتشريعية. وهي رسائل من الشباب التونسي لكلّ من يهمّه الأمر من الأحزاب مفادها أنّ خطاباتهم وصراعاتهم لا تعني الشباب. كما شدّد، في هذا الإطار، على أنّ المحطات الانتخابية وإن كانت ناجحة، فهي تطرح أسئلة عدّة حول صحّتها وسلامة الطريق الذي ستقود إليه.