مصر وإثيوبيا وأزمة سد النهضة ليونة في العلن واستفزاز في الخفاء

04:43

2014-12-22

الشروق العربيالقاهرة – بالرغم من محاولات التهدئة التي تتبناها مصر مع إثيوبيا بخصوص أزمة سد النهضة إلا أن ذلك لن يحلّ المشكلة وفق خبراء المياه الذين يؤكّدون أن مستقبل مصر المائي في خطر في ظلّ طموحات أديس أبابا. وأكّد الخبراء أن المبادرات الدبلوماسية بين البلدين ليست سوى مسكنات نتائجها ستكون خطيرة على الأمن القومي المصري إذا واصلت القاهرة غض الطرف عن هذا الملف الاستراتيجي.

الظاهر على السطح أن العلاقات المصرية – الإثيوبية قطعت شوطا مهما، لتقريب المسافات بين البلدين، وأن مشكلة سد النهضة أصبحت على وشك الذوبان، وسط عبارات الغزل الصادرة عن القاهرة أو الواردة من أديس أبابا، لكن الجزء الأعمق في القضية يحمل معاني ودلالات سلبية، ويشي بأن أصل المشكلة لا يزال مستمرا، وأن الجهود الدبلوماسية والشعبية، فشلت حتى الآن في طي الصفحة الماضية القاتمة.

النتيجة السابقة، جعلت كثرا في مصر لا يستبعدون انفجار المشكلة على نطاق واسع، لأن المرونة في العبارات الإثيوبية، لم تصاحبها مرونة مماثلة على مستوى الفعل، الذي بدا مجمدا، حتى إشعار آخر، وكل الضجيج الذي سمعته القاهرة من أديس أبابا وعواصم مقرّبة منها، لم يؤدّ إلى طحين حقيقي، وكل ما أفضى إليه إنما هو مسكنات سياسية، بلعتها مصر خلال الفترة الماضية بإرادتها، لكن ملامح تململ بدأت تدور في الكواليس، الأمر الذي وضع مصر أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن تقبل “الطعم” الإثيوبي، وتتعامل مع سد النهضة كحقيقة واقعة لا مناص منها، وتسعى للبناء عليه سياسيا واقتصاديا، وإما أن تكشر عن أنيابها، وتستعد لسيناريوهات غامضة، لا تريد عمليا الانجرار إليها.

مصدر في وزارة الري المصرية، قريب من ملف سد النهضة الإثيوبي، فتح صدره  ونقل الهواجس التي عبّر عنها بعض المراقبين إلى واقع، وأشار إلى أن هناك عوامل واعتبارات عدة، يتمّ الحديث بشأنها مع الجانب الإثيوبي، بخصوص ضبط التأثيرات السلبية المتوقعة على مصر، جراء سد النهضة، مؤكدا أن “سنوات ملء الخزان” تعتبر أهم العوامل التي من الممكن أن تحسم الموضوع، لافتا إلى أن مدة سنوات الملء، كلما طالت فترتها الزمنية، سوف تجنب مصر الكثير من المشاكل.

واستطرد المصدر، قائلا: “المفاوضات تجري في هذا الإطار، حيث تسعى القاهرة إلى إقناع الجانب الإثيوبي بأن يزيد مدة ملء الخزان، علاوة على إعادة النظر في أسلوب وطريقة تشغيل وإدارة السد، وأن الحديث الآن يدور حول إشراك القاهرة في إدارة سد النهضة، وفي هذه الحالة سيكون هناك توافق في وجهات النظر، يمكن أن يجنب الطرفين الكثير من المشاكل.

كانت تقارير إعلامية تحدثت عن إنجاز إثيوبيا أكثر من 42 بالمئة من بناء سد النهضة، الأمر الذي أثار عاصفة من علامات استفهام حول مدى جدّية أديس أبابا في التوصل إلى رؤية توافقية مع القاهرة، تجنّبها وغيرها من دول حوض النيل التعرّض لحزمة من التأثيرات السلبية، متوقّع أن تنجم عقب الانتهاء من بناء سد النهضة.

خالد وصيف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الري المصرية، قال إنه يجب إعطاء الفرصة، للمكاتب الاستشارية في ما يخصّ عمل حتى تكون هناك دقة في العمل، لأن المكتب الاستشاري هو المسؤول عن تحديد التوقيت الذي يسلم فيه عروضه، وليس الجانب المصري أو الإثيوبي.

وأوضح وصيف، في تصريحات خاصة  أن “التقارير التي تتحدث عن الانتهاء من 42 بالمئة من بناء سد النهضة، تقارير مبالغ فيها، لكن لا تنفي جدية التعامل مع الوضع”، لافتا إلى أنه خلال شهر فبراير القادم سوف تكون هناك رؤية مصرية أفضل بالنسبة إلى عمل المكاتب الاستشارية، ولم يفصح عن تفاصيل هذه الرؤية.

أزمة المكاتب الاستشارية

 

يذكر أن خلافات بين مصر وإثيوبيا، نشبت حول الفترة الزمنية المحدّدة للمكاتب الاستشارية العالمية لتنفيذ الدراسات الفنية الخاصة بسد النهضة، حيث تتمسّك مصر والسودان بـ 6 أشهر كفترة زمنية كافية لتنفيذ الدراسات، التزاما بخارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها في اجتماع الخرطوم في شهر أكتوبر الماضي، بينما ترى إثيوبيا أنه من الضروري منح المكاتب الاستشارية المهلة الكافية التي تحتاجها لتنفيذ الدراسات، مقدرة إياها بعام ونصف العام.

أماني الطويل، الخبيرة ورئيسة برنامج السودان ووادي النيل في مركز دراسات الأهرام، قالت  إن دبلوماسية الوفود الشعبية المتبادلة جيدة، لكنها ليست كافية لتذليل عقبات عميقة، مثل ملف سد النهضة، فالصيغة الحاكمة للعلاقات بين البلدين يجب أن تقوم على قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، بمعنى أنه من غير المقبول أن يتضرر طرف شريك في حوض النيل، وتؤثر مياه النيل في حياته ومستقبله، ولا يؤخذ ذلك في الاعتبار، بالتالي فأي خطوة شعبية، من الواجب أن تكون في إطار شامل من الاتفاق والتفاهم السياسي، بشأن منظومة العلاقات الثنائية، خصوصا ما يتعلق منها بسد النهضة.

كانت مصر قد استقبلت قبل أيام وفدا شعبيا، ضم ممثلين عن الكنيسة الإثيوبية ورجال أعمال وكتابا ومثقفين ودبلوماسيين، ولقي حفاوة بالغة من القاهرة، وبعث برسائل إيجابية حول المنحنى الذي دخلته العلاقات بين البلدين، وأعطى انطباعات بأن الأمور تسير بشكل جيد، في حين لا تزال هناك جملة من العقبات تعتري طريق التفاهم بصورة حاسمة.

في هذا السياق، قالت الطويل  “حتى الآن لا نستطيع أن نلـمح وجود اتفاق يرضي الرأي العام المصري، ويوحي له بالاطمئنان على مصالحه المائية”، مشيرة إلى أن التصريحات الإثيوبية طيبة بالتأكيد ومقدرة، لكنها مصرة على القول إن المكتب الفنّي المزمع أن يأخذ موقفا فنيا بشأن سد النهضة استشاري وليس نهائيا، وأن هذا المكتب المتفق عليه يرى “ليس التحكيم بين أطراف وغير ملزم وهو ما يراه الشعب المصري موقفا خطيرا ويضر بأمنه المائي الذي هو سبب الحياة في مصر”.

وطالبت الطويل الحكومة المصرية بأن تسارع بتدشين شكل من أشكال التفاوض السياسي المباشر بشأن سد النهضة، بعد توافر رأي المكتب الفني، ولابدّ من مراعاة المواقيت المطروحة حتى هذه اللحظة وهي بطيئة، وتخدم إثيوبيا من حيث تحويل السدّ بأسرع وقت إلى أمر واقع، يضرّ بمصلحة مصر، ويجعل التفاوض بشأنه مستقبلا عملية صعبة، مؤكدة أن بناء السد بالمواصفات المقدمة من أديس أبابا سوف يسبب ضررا شاملا لمصر.

خبراء المياه، الذين لهم علاقة مباشرة بالملف، لديهم اقتناع بأن أديس أبابا غير جادة حتى الآن في مراعاة المصالح المصرية، وتحاول استنزاف جهود القاهرة في قضايا فرعية، وتبعدها عن جوهر الأزمة الخاصة بحصص المياه، وحجم التأثير السلبي عليها، وهي النقطة المهمّة التي تحتاج إلى مناقشات واضحة ومستفيضة، حتى لا تتحوّل المعارك الكلامية إلى تراشقات حقيقية بسبب المياه، تكون لها تداعيات أخرى وعرة على المنطقة.

أحمد فوزي دياب، خبير المياه بالأمم المتحدة وأستاذ الموارد المائية بمركز بحوث الصحراء، أكد  أن إثيوبيا لن تتراجع عن بناء السد، إلا حين تتغير السياسة المصرية في التعامل معها، وما يحدث من لقاءات مضيعة للوقت، ويجب أن يحال ملف قضية “سد النهضة” إلى جهات “الأمن القومي المصري” لبحث تفاصيل الصراع، واتخاذ إجراءات فاعلة لوقف بناء هذا السد على وجه السرعة، لأن التصورات السياسية الحالية لم تؤد إلى حل الأزمة، إنما أدخلتها في دروب ودهاليز جديدة.

وأضاف دياب أن ما يحدث “مناورة” من الجانب الإثيوبي يجب في ظل هذه المماطلة أن يتم الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم الدولي، وأن تتوقف إثيوبيا تماما عن استكمال بناء السد خلال فترة التحكيم، لكن أديس أبابا لم تتوقف عن البناء، ومعنى هذا الأمر أنها مصرة على الوصول إلى نقطة النهاية، وإدارة الصراع عن طريق استهلاك الوقت، وفرض الأمر الواقع على الأرض، وسيكون على مصر القبول به دون شرط أو قيد.

خبير المياه في الأمم المتحدة، شدد على أن هناك أضرارا على مصر حتى لو تم التخزين بمقدار 14.5 مليار متر مكعب فقط، أما إذا تم التنفيذ بمقدار 74 مليار متر مكعب، فسوف يكون الوضع كارثيا، فمصر في حاجة إلى كل نقطة مياه للشرب والزراعة والري.

اقترح فوزي دياب، لتقليل الأضرار، مشاركة مصر في إدارة مياه السد، الخاصة بعمليات التخزين وتوليد الكهرباء، بحيث لا تزيد سعة السد عن 14.5 مليار متر مكعب، وأن تزيد مدة التخزين إلى 14 عاما، ورغم ذلك سوف تكون هناك تأثيرات سلبية على مصر، لكنها أخف وطأة.

 

رمال متحركة

 

تؤاخذ النخبة المصرية المهتمّة بملف المياه، على بعض المسؤولين عن ملف سد النهضة، المبالغة في التصريحات الوردية، والتي صورت الأمور كأنها حلت تماما، أو في سبيلها إلى الحل، وهو ما يعيد إلى الأذهان سياسات سابقة كانت تحرص على تهدئة خواطر المواطنين، من خلال بيانات مغلوطة، لمجرد تخفيف حدة الاحتقان في الشارع، والآن يعيب كثير من المصريين على الدكتور حسام مغازي وزير الري، تصريحه الذي أدلى به مؤخرا، وقال فيه: “تم حل أكثر من 85 بالمئة من المشكلة، وإننا حصلنا على أكثر مما نتوقع”.

هاني رسلان، الخبير في شؤون مياه النيل، قال لـ “العرب” إن هذه النوعية من التصريحات تندرج في باب المبالغات ونوع من العمل الدعائي المنفصل عن الواقع وغير مفهوم الأسباب والدوافع، والذي لا يخدم أحدا، ولا يساعد سوى إثيوبيا على المضي قدما في مشروعها.

وأضاف رسلان أنه من الضروري فهم استراتيجية إثيوبيا في إدارة الأزمة، التي هي نسخة طبق الأصل من استراتيجيات التفاوض الإسرائيلية، التي لا تصلح معها أي سيولة لفظية، تبني قصورا من الرمال المتحركة، وخفة الانتقال من موقف إلى آخر، وكأن ما يتم قوله في الليل يمحوه النهار.

وأشار الخبير في شؤون مياه النيل أيضا إلى الموقف السوداني الذي يتبنى تفسيرات تبدو مغرضة ومتواطئة مع أديس أبابا، في عملية توظيف متبادل مكشوفة بين الطرفين ضد مصالح مصر وأمنها.

ودعا رسلان إلى تحديد عامل الوقت الذي تتلاعب به إثيوبيا عبر التوجه المباشر إلى مفاوضات سياسية (وليست فنية) للوصول إلى تفاهمات مقبولة للأطراف، فإن لم ينجح هذا الطريق، ينبغي العدول عنه، وتبني إستراتيجية أخرى تعتمد على إلغاء التفاهمات السابقة، بشأن أي تعاملات مع الكهرباء الناجمة عن السد بأي صورة من الصور، والتأسيس إقليميا ودوليا لرفض مصري قاطع قانونيا ودبلوماسيا وسياسيا، لمحاولات إثيوبيا تكريس مبدأ السيادة المنفردة على موارد النيل الأزرق.

الكثير من الخبراء في شؤون مياه النيل، ضجوا من المناورات الإثيوبية، وأصبحوا على اقتناع بالاستعداد لتقديم شكوى لمجلس الأمن الدولي، وتسجيل الموقف المصري بكل حيثياته، وجعل الموقف من هذه الأزمة أحد المحددات الرئيسية في سياسة مصر الخارجية في مجمل حركتها الإقليمية والدولية، والعمل في الوقت نفسه باستراتيجية موازية على مدى السنوات العشر القادمة، تهدف إلى ردع التهديدات الإستراتيجية الناتجة عن استكمال سد النهضة دون وجود توافق، عبر شل قدرة إثيوبيا على استخدامه، كأداة ضغط أو إملاء أو ابتزاز، أو بناء سدود أخرى من خلفه، لذلك فالأيام المقبلة قد تكون حبلى بكثير من المفاجآت، وعلى ضوء نتائجها سوف يتحدد الاتجاه الذي تسير فيه العلاقات.