الإرهاب لا يعيق تقدم المسار الديمقراطي في تونس

11:47

2014-12-21

الشروق العربيتونس- أربعة أعوام من أجواء الثورة المشحونة بالأزمات السياسية والعمليات الإرهابية والتراجع الأمني والاجتماعي، لم تمنع تونس، الدولة الصغيرة في شمال أفريقيا، من أن تصبح منارة للتغيير الديمقراطي في المنطقة مع إقرار دستور تقدمي جديد وإجراء أول انتخابات برلمانية ورئاسية حرة في البلاد.

يعود التونسيون اليوم إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية، بعد حوالي شهر واحد من تصويتهم في الدور الأول، الذي حسم السباق فيه بين السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي، والرئيس الانتقالي محمد المنصف المرزوقي. وقد سبقت الرئاسيات، الانتخابات البرلمانية التي جرت في أجواء أشاد بها المراقبون المحليون والدوليون على نطاق واسع.

لثالث مرة، في غضون ثلاثة أشهر، يكون التونسيون على موعد مع الخلوة والحبر الانتخابي وصناديق الاقتراع، لكن، وبخلاف المرتين السابقتين، فإن مشاركتهم اليوم ستكون الأكثر حسما ووقعا، لأنها ستعكس بشكل كبير طبيعة المجتمع التونسي وميولات أغلبيّته، التي لم تعد تفكّر في عودة النظام القديم بقدر ما تهتم للوضع الأمني وحماية البلاد من الإرهاب وعودة الاستقرار الاجتماعي والمادي.

فهل ستنجح تونس في الوصول إلى برّ الأمان بعد مخاض أربع سنوات، واجه فيها التونسيون تحديات عديدة جعلت البعض يحن إلى أيام النظام الذي أطاح به، والبعض الآخر يعيد النظر في الثورة التي شارك فيها، فيما قرر الجزء الأكبر من التونسيين متابعة المشوار وتحدّي المعوقات، وطيّ صفحة المرحلة الانتقالية الأولى، بكل محاسنها ومساوئها، ليفتح اليوم صفحة أمل جديدة ويدخل مرحلة تحديات سيقودها الرئيس الذي ستختاره أغلبية الشعب.

 

أربع سنوات عجاف

 

دخلت تونس، في سنة 2011 مرحلة جديدة في تاريخها، بعد الإطاحة بنظام بن علي، ثم انتخابات المجلس التأسيسي في أواخر العام ذاته. ومع بداية 2012، استفاق التونسيون على واقع آخر أكثر صعوبة ودخلت البلاد مرحلة جديدة من فوضى ما بعد الثورة كان الخطر الأبرز فيها التهديدات الإرهابية، التي تصاعدت وتيرتها في سنة 2013، إثر اغتيال المعارضين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أعقبته عمليات إرهابية وحشية طالت العشرات من عناصر الجيش والشرطة في هجمات نسبت إلى إسلاميين متطرفين.

على إثر ذلك، وبالتزامن مع تصاعد الأزمة الاجتماعية نتيجة لتواتر الإضرابات وغلاء المعيشة اليومية، بسبب الزيادة في أسعار المواد التي كانت مدعّمة من قبل الحكومة من جهة، ونتيجة التدفق الهائل لليبيين الفارين من الأزمة في بلادهم، دخلت البلاد في احتقان سياسي كبير انتهى في مرحلة أولى باستقالة رئيس الحكومة، الأمين العام السابق لحركة النهضة، حمادي الجبالي، ثم في مرحلة ثانية حلّ حكومة القيادي الثاني في حركة النهضة، علي العريض، وانتهت بتخلّي حركة النهضة عن السلطة في مطلع 2014 لحكومة غير حزبية تقود تونس حتى إجراء الانتخابات العامة.

على مدى هذه الفترة، مثّل الإرهاب مصدر القلق الرئيسي عند التونسيين، إلا أنه لم يمنعهم من مواصلة مسارهم في عملية التحوّل الديمقراطي للبلاد، ولم تثنهم التهديدات عن المضيّ في طريقهم، فكانوا حاضرين بكثافة خلال الانتخابات التشريعية، التي جرت في 26 أكتوبر 2014، لانتخاب نواب البرلمان، وأيضا في 23 نوفمبر 2014، لانتخاب رئيس بلادهم، في عملية ديمقراطية عكست مبدأ التعددية في أفضل أشكاله وأفضت إلى دور ثان حاسم.

وعلى غرار الموعدين الانتخابيين السابقين، تضاف إليهما التجربة الانتخابية الأولى في تونس التي جرت في 23 أكتوبر 2011، حاولت جهات محسوبة على التيارات الإسلامية والجهادية ترهيب التونسيين وإحباطهم لإفشال الانتخابات. لكن، في كل مرة يؤكّد التونسيون أنهم ماضون قدما في بناء بلادهم وإنجاح مسارهم الديمقراطي.

وفي أحدث محاولة في هذا السياق، تبنى جهاديون انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية، في شريط فيديو، عمليتي اغتيال بلعيد والبراهمي مهددين بتنفيذ اغتيالات أخرى.

واعتبرت الحكومة التونسية في بيان أن “هذه تهديدات لن تثني الناخب التونسي عن الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع”، مؤكدة أنها اتخذت كل “الاستعدادات الماديّة واللوجستيّة لتأمين الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة” مع نشر عشرات الآلاف من رجال الشرطة والجيش.

ومع انتهاء هذه الفترة، تقف تونس على أعتاب ما يمكن تسميته بـ”الجمهورية الثانية” بالنظر إلى أن نظام الحكم في “الجمهورية الأولى” في عهدي الراحل الحبيب بورقيبة وزين العادين بن علي، كان أحادي الطابع خلافا للتعددية السياسية التي تم إقرارها بعد ثورة 2011.

ودعي إلى الانتخابات نحو 5.3 مليون تونسي من المسجلة أسماؤهم على قوائم الاقتراع لاختيار أحد المرشّحيْن. ويمكن أن تعرف النتائج اعتبارا من يوم غد الاثنين كما قالت الهيئة المكلفة تنظيم الانتخابات التي لديها حتى الرابع والعشرين من ديسمبر لإعلان اسم رئيس تونس المقبل.

 

من يدعم من

 

وفقا للقانون الانتخابي المعتمد في مايو 2014 من الجمعية التأسيسية، فإنه يلزم للفائز الحصول على الأقل على 50 بالمئة+1 من الأصوات، وإن تساوى المترشحان في عدد الأصوات يعتمد مباشرة الأكبر سنا ويعلن رئيسا للجمهورية، وسيكون في هذه الحالة الأخيرة السبسي هو الفائز (88 عاما) وليس المرزوقي (69 عاما).

وأيا تكن نتيجة الدورة الثانية، سيُكلّف حزب نداء تونس، الذي يقوده المرشح الأوفر حظّا، قائد السبسي والفائز في الانتخابات التشريعية، تشكيل الحكومة وسيكون عليه فور انتهاء الانتخابات العمل على تشكيل ائتلاف مستقر لقيادة البلاد.

وكانت بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي أشادت بـ”شفافية” و”نزاهة” الانتخابات التشريعية التونسية والدورة الأولى للانتخابات الرئاسية. لكن الحملة في الدورة الثانية شهدت تبادل اتهامات بين المرشحين وأججت التوتر في البلاد التي شهدت منذ ثورة يناير انتقالا في الفوضى لكنه لم يتّسم بالعنف أو القمع كما حدث في دول عربية أخرى. وقال المراقبون إن الأمر الأساسي يبقى قبول كلا المرشحين بالنتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع.

وانطلقت الحملة الانتخابية للرئاسيات يوم الثلاثاء الماضي 9 ديسمبر، وانتهت يوم الجمعة، وقد خيّمت عليها أجواء من التوتر مع بدء تصريحات حادة أطلقها المرشح المستقل المنصف المرزوقي ينبه فيها من “عمليات تزوير” قد تطال جولة الإعادة وهو ما اعتبره حزب منافسه قائد السبسي “تهديدا للأمن والسلم الاجتماعيين” ومحاولة مسبقة للتأثير على النتائج.

واختار قائد السبسي اختتام الحملة الانتخابية في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي وسط العاصمة حيث التقى تجمعا من أنصاره في حين نظم المرزوقي تجمعا بعيدا عن وسط العاصمة. وقال السبسي “على شعبنا أن يختار بين الرجوع إلى الترويكا (حزب النهضة الاسلامي وحليفاه التكتل والمؤتمر) التي خربت البلاد خلال ثلاث سنوات أو أناس آخرين يريدون مستقبلا أفضل لتونس”.

وفي ضوء فوز حزبه، نداء تونس، بأكثرية المقاعد في التشريعيات الأخيرة، (86 مقعدا بنسبة حوالي 40 بالمئة من مقاعد البرلمان الـ217)، حرص السبسي أكثر من مرة في حملته الانتخابية الجارية على التأكيد على أن حزبه لا يسعى لاحتكار السلطة بالجمع بين الحكومة والرئاسة، وأنه لن يحكم منفردا.

أما المرزوقي فلم يجد من وسيلة لجلب الناخبين، بعد تدهور صورته خلال السنوات الثلاث التي قضاها رئيسا مؤقتا للبلاد، سوى استحضار الماضي والترهيب من عودة النظام القديم.

ويعتبر المرزوقي أن قائد السبسي وحزب نداء تونس، الذي يضم يساريين ونقابيين وأيضا منتمين سابقين لحزب “التجمع” الحاكم في عهد بن علي، يمثلان “خطرا على الثورة” لأنهما امتداد لمنظومة الحكم “السابقة” في تونس.

ويعتبر المرزوقي أن فوز السبسي، الذي شغل عدة مناصب وزارية وسياسية هامة في عهدي بورقيبة وبن علي، سيعيد تونس إلى “نقطة الصفر”، وسيلغي مكاسب الثورة ويعيد “النظام القديم” للحكم.

لكن، يبدو أن جزءا كبيرا من التونسيين لا يؤيّدونه، وتبين نتائج سبر الآراء الأولية أن الباجي قائد السبسي هو الأوفر حظّا لرئاسة تونس حيث يرى فيه التونسيون امتداد للزمن البورقيبي الذي انطلقت منه مسيرة تونس الحداثة.

وقال مراقبون إن حظوظ السبسي تبدو وافرة بقوة لنيل منصب رئيس الجمهورية في ظل حالة النفور والاستهجان التي قوبل بها منافسه المرزوقي في أغلب المناطق التي زارها في إطار حملته الانتخابية.

وعزا خبراء هذا النفور إلى الخطاب المزدوج الذي يمارسه المرزوقي واستماتته الكبيرة في الدفاع عن مشروع الإسلام السياسي وتعريض مصالح تونس الخارجية إلى الخطر، بالإضافة إلى اهتزاز صورة الرئاسة التونسية في عهده.

ورسميا، تقول حركة النهضة، ثاني أكبر كتلة في البرلمان المنتخب (69 مقعدا)، إنها تقف على الحياد بين السبسي والمرزوقي. لكنّ المراقبين يؤكدون أنها تدعم سرّا المرزوقي، في محاولة للانتقام من الباجي قائد السبسي الذي كان قد أسس في 2011 حزب نداء تونس ليعيق التغول الإسلامي.

ويبدي مسؤولو حزب نداء تونس وحلفاؤهم مثل “الجبهة الشعبية” قناعة بأن مناصري النهضة يؤيدون المرزوقي، وهو ما يتجلى بالفعل في التعليقات التي ينشرها شباب الحركة على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تحمل، منذ الدور الأول للرئاسيات، دعوات صريحة لانتخابه.

لكن، الخبراء يؤكّون أن حسابات رئيس الحركة راشد الغنوشي ستعصف بحظوظ المرزوقي في التنافس عقب معرفته بقوة السبسي في الفوز بالرئاسة وميوله إلى عدم خسارة القوة البرلمانية الأولى ومحاولة البحث عن ممر عبر تغزله برئيس حركة نداء تونس.

لم يبق أمام مرشحيْ الرئاسة: الباجي قائد السبسي، عن حركة نداء تونس، والمستقل محمد المنصف المرزوقي، سوى ساعات تفصلهم عن معرفة نتيجة الجولة الحاسمة من الانتخابات، في انتظار الكلمة الفصل التي ستبدأ ملامحها بالتشكل مساء اليوم الأحد مع انطلاق عملية فرز صناديق الاقتراع.