قانون الانتخابات والأقباط.. لا فرق بين مصري وآخر إلا بالعمل

11:45

2014-12-21

الشروق العربيالقاهرة - تمثل الانتخابات البرلمانية المصرية، المنتظر إجراؤها قبل نهاية شهر مارس المقبل، أهم عودة سياسية لمسيحيي مصر، بعد سنوات تعالت فيها شكواهم من التهميش السياسي. وتجلّت هذه العودة بمنحهم أربع قوائم انتخابية على مستوى الجمهورية، في انتخابات برلمان مصر القادم.

وتعدّ انتخابات مجلس النواب المصري المقبل بمثابة اختبار سياسي حقيقي لجميع القوى السياسية والدينية، وخاصّة الكتلة المسيحية، التي قال مراقبون إن قانون تقسيم الدوائر “أنصفها”، بأن ضمنت تواجد 24 نائبا مصريا (مسيحيا) تحت قبة البرلمان، بخلاف من يمكن أن يأتي بالتعيين أو الانتخاب في الدوائر الفردية.

منح النص الانتقالي في الدستور المصري ست فئات وزنا نسبيا، في القوائم الانتخابية، وخصصت التشريعات المكمّلة بقانون مباشرة الحقوق السياسية عدد كل منها في مجلس النواب المقبل، في مقدمتهم المسيحيون من المواطنين، وهو ما فتح نافذة أمل جديدة، لفئات تردد أنها عانت من التهميش في عهود سابقة، ليغزل القانون بذلك خيوط تماسك مجتمعي مطلوب، لمواجهة مساعي قوى تسعى دوما لإثارة الفتن، عبر قناة الأقباط.

ويمثّل أقباط مصر أولى الفئات الرابحة في هذا التمييز، حيث ضمن الدستور عودتهم للبرلمان بأعداد مقبولة، بعد أن عانوا في دورات سابقة من غياب شبه تام، مع أنهم تواجدوا بقوة في النصف الأول من القرن الماضي، من ذلك أن ويصا واصف، أحد سياسيي مصر المسيحيين، تقلد سنة 1928 منصب رئاسة البرلمان. لكنّ تراجع تواجد الأقباط في البرلمان، هو ما أشعرهم بالعجز عن طرح قضاياهم، ودفع عددا من المتربّحين من العمل في المنظمات الحقوقية لمحاولة إثارة الفتن بالبلاد بزعم تعرضهم لاضطهاد سياسي .

جاء الدستور المصري المعدل في 2014، ليقطع الطريق على محاولات الكيد السياسي لمصر، وعالج ثغرات الماضي بصياغة نص انتقالي يؤكّد أن “الدولة المصرية تعمل على تمثيل الشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين في الخارج، تمثيلا ملائما في أول مجلس للنواب يُنتخب بعد إقرار هذا الدستور، وذلك على النحو الذي يحدده القانون”. وقد ضمن القانون المكمّل للدستور، 24 مقعدا للمسيحيين في مصر، عبر أربع قوائم على مستوى الجمهورية، بخلاف ما يمكن أن يحصل عليه غيرهم من مقاعد عبر الترشح على المقاعد الفردية، المقدرة بـ420 مقعدا على مستوى الجمهورية، ومن يمكن أن يعينهم رئيس الجمهورية في البرلمان ضمن 5 بالمئة من إجمالي عدد نواب الشعب يحق له تعيينهم، بذلك فإن الدستور ضمن حدا أدنى للمسيحيين بنسبة 2.4 بالمئة من إجمالي 567 مقعدا.

 

تمييز إيجابي مؤقت

 

أكد مراقبون أن الدورة البرلمانية، ومدّتها خمس سنوات تبدأ من تاريخ أول اجتماع لأعضاء البرلمان، كافية لأن يثبت المنتخبون، وفي مقدّمتهم الأقباط، نجاحهم وإقناع الجماهير بانتخابهم في الدورات البرلمانية التي تليها على أساس الكفاءة. لكنّ آخرين، ومن بينهم المفكّر القبطي إكرام لمعي، ذهبوا إلى أن “التمييز الايجابي لدورة واحدة غير كاف، ويتطلب مده لثلاث دورات كما هو معمول به في أغلب الديمقراطيات الناشئة”.

وأضاف متابعون لـ”العرب” في ذات السياق، أن انتخاب الأقباط في الدورات التالية، بلا تمييز إيجابي (“كوتة”) مرهون بمدى نضوج التجربة الحزبية في مصر وقدرة الأحزاب على الوصول للجماهير، ليختار المواطن مرشّحي الحزب، اقتناعا ببرنامجه والثقة في قدرة المرشح الساعي لتحقيقه، وليس لأسباب قبلية أو على أسس دينية، وكذلك بقدرة المسيحيين أنفسهم على الاندماج في الحياة السياسية والعمل الحزبي.

معروف أن نسبة تواجد الأقباط تحت قبة البرلمان، مرتبط بمدى نضوج التجربة الحزبية، وشهد البرلمان المصري أداء متميزا لقامات سياسية، فمنذ نشأة البرلمان في مصر عام 1866، حيث كان يسمي بمجلس شورى النواب، والمسيحيون متواجدون، وفي انتخابات عام 1879، نصّ القانون على انتخاب نائب قبطي ضمن نواب كل مديرية، لتمثل ثورة 1919 الفترة الذهبية لمشاركة الأقباط في الحياة السياسية، بمشاركتهم القوية في الثورة التي رفعت شعار الهلال والصليب، وخطب فيها شيوخ بالكنيسة وقساوسة بالمساجد، في تجسيد حقيقي للوحدة الوطنية وكفاح المواطنة، الأمر الذي انعكس على نسب الفائزين من المسيحيين في الانتخابات البرلمانية التالية، خاصة أن عددا من الساسة الأقباط انخرطوا بقوة في العمل الحزبي، ضمن صفوف حزب الوفد، الأكثر شعبية في ذلك الوقت، ففاز ويصا واصف في دائرة بالصعيد.

مثّل برلمان 1928 الفترة الذهبية، حيث بلغ عدد النواب المسيحيين به 16 نائبا، من إجمالي الأعضاء البالغ عددهم 214، وبدأ العدد في التزايد ليصل إلى 27 مقعدا من إجمالي 264 مقعدا في برلمان 1942، ثم تناقص بعد ثورة يوليو 1952 إلى أدنى مستوى، وخلا برلمان عام 1957 نهائيا من أي نائب مسيحي سواء كان عن طريق التعيين والانتخاب، وفي العام 1964 انتخب نائب واحد، وعيّن 8 آخرون، حيث سعى الرئيس جمال عبدالناصر إلى إنهاء عزلتهم السياسية، بنص دستوري سمح لرئيس الجمهورية بتعيين 10 نواب.

وفي عهد الرئيس أنور السادات وصل عددهم إلى 12 نائبا مثلا في برلمان 1971 بينهم 3 فقط منتخبون و9 معينون، وزاد العدد إلى 14 نائبا في برلمان 1979 بينهم 4 منتخبون.

نسب وصول المسيحيين للبرلمان في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بدت متذبذبة، فلم تتجاوز في عهده 2 بالمئة من إجمالي عدد النواب، وفي برلمان 1990 خلا البرلمان من أي عضو منتخب، إلا أن مبارك آنذاك، عين 6 من الأقباط في تلك الدورة، وفي آخر برلمان قبل ثورة يناير 2011، بلغ عددهم 10 نواب فقط، بينهم ثلاثة منتخبون .

وحيد عبدالمجيد المتخصص في شؤون الأحزاب المصرية، قال لـ”العرب” إن طريقة تمثيل الأقباط التي نصّ عليها قانون مباشرة الحقوق السياسية، لا يمكن أن تجعل منهم ممثلين للمسيحيين، بل ممثلين لأنفسهم، كون اختيارهم بالقوائم يتمّ وفق حسابات ومصالح شخصية.

وأشار إلى أن أبشع طريقة لاختيار ممثل الأقباط في القوائم لجوء الأحزاب للكنيسة لتزكية عدد من الأسماء، لأنها بذلك تكرّس عزلة الأقباط المجتمعية، لحساب سطوة المؤسسة الدينية.

ودعا عبدالمجيد القوى السياسية إلى إبعاد هذه المؤسسة عن العمل السياسي، وأن يأتي اختيار مرشحي القوائم وفق التفاعل مع المجتمع والمشاركة والكفاءة، داعيا الساسة الأقباط للانخراط في العمل السياسي والحزبي وتقديم أنفسهم وفق كفاءتهم كمصريين أولا وأخيرا.

اختبار حقيقي

 

مارغريت عازر، السياسية وعضو البرلمان السابق، قالت  إن “الكنيسة لا علاقة لها باختيار مرشّحي القوائم، والبابا (تواضروس الثاني) أعلن ذلك بشكل صريح، لافتة إلى أن التمييز الذي منحه الدستور للأقباط وغيرهم من الفئات المهمّشة ولدورة واحدة له جانب إيجابي، حيث يمكّن تلك الفئات من الوصول للبرلمان، وسط بيئة سلبية تعيق وصولهم في الظروف الطبيعية، وهنا يبرز جانب سلبي للتمييز، إذا جاء أداء تلك الفئات أقل من المستوى المطلوب”.

وأضافت عازر: “لذلك فإن تلك الفئات التي ستتمكن من الوصول للبرلمان عبر التمثيل الإيجابي، أمام اختبار حقيقي، يستوجب معه، أن تقدم أداء برلمانيا، عالي الحرفية، تثبت فيه أنها ممثلة لجموع الشعب، ونواب عنه، وليست ممثلة لمعتنقي ديانة بعينها، أو فئة كالمرأة أو غير ذلك، حتى تكسب هذه الفئات ثقة الشعب في الانتخابات التالية، والتي ستكون خالية من أي تمييز إيجابي وفقا للدستور”.

وأشارت إلى أن نجاح المسيحيين في الوصول للبرلمان الآن أكبر بكثير مما كان عليه الحال قبل ثورة 1952، لوجود حياة حزبية حقيقية، مرجعة التهميش السابق إلى غياب الإرادة السياسية، وانعزال الأقباط وابتعادهم عن المشاركة وضعف الأحزاب نفسها، مؤكدة أن المسؤولية مشتركة. يوحنا قلتة نائب بطريرك الكاثوليك في مصر، وعضو لجنة الخمسين لتعديلات دستور 2014، قال لـ”العرب”: “إن الرأي السائد بين أقباط مصر، أننا نرفض الكوتة فلسنا جالية ولا غرباء ولا وافدين، نحن جزء من المجتمع المصري، نتمنى أن يتقدم المرشحون بشكل طبيعي دون تمييز إيجابي أو كوتة، ويعتمدون على قدراتهم وبرامجهم وأصوات كل الناس، وليس على أصوات كتل نوعية”، مقرا بوجود أغلبية ترفض منح أصواتها لمرشح مسيحي.

وأضاف بوحنا قلتة: “يجب أن ينخرط الساسة الأقباط في نسيج المجتمع المصري ويمارسوا العمل السياسي ويخاطبوا الجماهير ويقدمون إليهم الخدمات، ليكونوا بذلك خيوطا تغزل في النسيج المجتمعي، وهذا يتطلب ألا يكون تواصل المرشح مع الجماهير قاصرا على موسم الانتخابات فقط، بل يحب أن يخدم السياسي الإنسان المصري، فهو مواطن طيب يريد من يأخذ بيده يبني له مستشفى أو مدرسة أو مسجدا أو كنيسة، ويساعده في القضاء على أزماته المتعددة”.

وأوضح نائب بطريرك الكاثوليك، أن مشكلة المرشح المصري (مسلما كان أم مسيحيا) أنه يدخل المنافسة الانتخابية بوعود، بينما يحدث في الغرب أن المرشح يدخل بقائمة خدمات سابقة، أي يعمل ويقدم حدا أدنى من العمل للجماهير قبل الترشح وتقديم وعود بالمزيد.

لذلك طالب قلتة أي مرشح مسيحي أو مسلم، أن يراجع نفسه ويسألها، ماذا قدم من أجل الترشح لتمثيل الشعب؟ وأن يقتصر الترشح على من قدم شيئا محددا، ولديه ما يقدمه في المستقبل، عندها لن ينظر الناخب إلى ديانة المرشح أو سنّه، بل سيحكم عليه بكفاءته وعمله.