حزام بغداد حرام على سنة العراق حلال على الميليشيات الشيعية

13:37

2014-12-19

الشروق العربيبغداد – تخوض الميليشيات الشيعية وقوات الأمن العراقية حربا مصيرية ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية المتشدّد الذي يفرض قبضته على الأراضي الزراعية في مناطق سنية حول بغداد، يصفها ضباط عسكريون بـ«مناطق القتل». وتسبب هذا الصراع في تهجير الكثير من أهالي المنطقة وسط مخاوف وتحذيرات من مخطط يهدف إلى إفراغ حزام بغداد من أغلبيته السنية.

تنتشر مناطق القتل على امتداد ما يعرف بحزام بغداد على مدى 200 كيلومتر. ومنذ يناير الماضي هجر نحو 83 ألفا من السكان غالبيتهم العظمى من السنّة بيوتهم في المنطقة الريفية حول العاصمة وفقا لتقديرات لجنة الإنقاذ الدولية. ومن المحتمل أن يكون الرقم أعلى لكن من المستحيل تأكيده بسبب هشاشة الوضع الأمني.

وقال العقيد حيدر محمد حاتم، نائب قائد القوات العسكرية المنتشرة حول أبو غريب الواقعة غربي العاصمة مباشرة، “في هذه المناطق لا يوجد مدنيون. كل من يوجد في مناطق القتل هذه نعتبره من الدولة الإسلامية”.

وحوّل هذا النزوح الأراضي الزراعية، التي عاش فيها الشيعة والسنّة فيما مضى جنبا إلى جنب، إلى أرض حرام تسيطر عليها الميليشيات التي تدعمها الحكومة والجيش الذي يهيمن عليه الشيعة.

وسعى رئيس الوزراء حيدر العبادي، الشيعي المعتدل، الذي تولى منصبه في سبتمبر إلى الحد من العنف الذي كان منتشرا في عهد سلفه نوري المالكي. وكان من أول قرارات العبادي حظر إطلاق النار العشوائي على مقاتلي الدولة الإسلامية في المناطق التي يوجد فيها مدنيون.

لكن أغلب المواطنين العاديين من السنّة فرّوا من المناطق الريفية في حزام بغداد، إما إلى العاصمة أو مدن كبرى أخرى وتركوا رجال الجيش والميليشيات يدكون المناطق التي يعتبرونها معاقل للجهاديين.

وإحدى مناطق القتل هذه منطقة جرف الصخر السنّية التي تم إخلاؤها في أواخر أكتوبر. وحينها كان المدنيون قد فروا بعد شهور من الاشتباكات والقصف بقذائف المورتر والقصف الجوي. وقد منع الجيش سكان المنطقة الواقعة قرب معقل داعش في محافظة الأنبار الغربية من العودة إليها.

وشاهد مراسل لوكالة رويترز رجال ميليشيا شيعية وهم يشعلون النار في بيوت خلال الهجوم الذي شنوه في أكتوبر. وراح بعض مقاتلي الميليشيا يركلون ثلاثة من المشتبه في انتمائهم للدولة الإسلامية ويضربونهم ثم أعدموهم بإطلاق الرصاص على رؤوسهم.

شبح التقسيم يخيّم على العراق

 

ستساهم المعركة على حزام بغداد في تحديد مستقبل العراق، وتحديدا ما إذا كان سيتعرض للتقسيم في نهاية الأمر.

وإذا فاز تنظيم الدولة الإسلامية بالسيطرة على الحزام سيصبح باستطاعته شن هجوم على العاصمة ومحاولة إسقاط الحكومة.

وقد نفذ التنظيم بالفعل تفجيرات في بغداد والمناطق الشيعية إلى الجنوب، وقصف بالمورتر تجمعات سكنية شيعية ونصب كمائن لجنود الجيش ومقاتلي الميليشيات. كما عمد إلى قتل السنّة المعتدلين ممن يرفضون التنظيم أو قام بطردهم من المنطقة.

أما إذا انتصرت الميليشيات الشيعية وقوات الأمن فإن الأساليب التي استخدمتها تمثل مجازفة بتطهير المنطقة حول بغداد ومناطق من محافظة ديالى. وسيخلق ذلك منطقة يصبح الشيعة فيها أغلبية في مناطق سنّية أصلا.

وتـقول شخصيات قـيادية من العـشائر الشـيعية والسنّية وكـذلك مـسؤولون أمنـيون عراقيون إن الميـليشيات قررت تخليص المناطق الخلفية المحيطة بالعاصمة من الأغلـبية السنّية التي كانت تسكنها إلى الأبـد.

وقال مسؤول رفيع بوزارة الدفاع العراقية “الميليشيات… تحاول تغيير الطبيعة السكانية. فهي تقوم بأعمال انتقامية وأصبحت خارج نطاق السيطرة. ولم يعد في مقدور الجيش كبح جماحها”.

ويدافع نواب في البرلمان ومسؤولون حكوميون عن الأساليب التي تلجأ إليها الميليشيات. ويقول البعض إن نزوح آلاف السنّة شر لابد منه. وقال حنين القدو، نائب رئيس اللجنة المختصة بشؤون النازحين في البرلمان العراقي، وعضو الكتلة السياسية التي ينتمي إليها رئيس الوزراء العبادي “ليس من الممكن السماح لكل هذه الأسر بالعودة إلى بيوتها حتى إذا تم إخراج الدولة الإسلامية وتوقفت الاشتباكات… لماذا؟ لأن أغلب هذه الأسر في حزام بغداد كانت توفر ملاذا آمنا للدولة الإسلامية”.

ونشرت الحكومة الميليشيات لتأمين المداخل الرئيسية للعاصمة وحماية الطرق والنقاط الساخنة حول الحزام. وفي منطقة الطارمية الزراعية السنّية إلى الشمال من العاصمة وغير بعيد عن عدد من المدن الشيعية دمرت الميليشيات والدولة الإسلامية البيوت. وقد أقام الجيش سواتر ترابية حول القرى لمحاولة الإيقاع بمقاتلي الدولة الإسلامية الذين يحسبون أن المنطقة معقل حصين.

وفي الأسبوع الماضي وبعد هجوم انتحاري على المقر الأمني، هجرت 250 عائلة على الأقل بيوتها بعد أن نشب قتال بين الدولة الإسلامية من ناحية والجيش والميليشيات من ناحية أخرى وفقا لما قاله زعيم العشيرة. وقال شيخ العشيرة، الذي فرّ من مزرعته إلى وسط الطارمية في يوليو الماضي متحدثا مع رويترز “أنا ماكث في البيت أدعو الله أن يعيننا”.

 

تصفية طائفية

 

اختفى مئات من السكان السنّة في الأشهر الأخيرة واكتنف الغموض مصائرهم. وتعتقد قيادات شيعية وسنّية أن كثيرين منهم اعتقلوا أو ربما قتلتهم الميليشيات، في حين أعدم تنظيم الدولة الإسلامية آخرين. وتشكو القيادات من عدم محاسبة أي أحد عن اختفاء هؤلاء. وأكد عدد من مقاتلي الميليشيات الذين أجرت وكالة رويترز مقابلات معهم أن الميليشيات الشيعية نفذت عمليات خطف وقتل وسرقة.

وفي مناسبتين مختلفتين الأولى في يوليو والثانية في أكتوبر تمّ الكشف عن مقابر جماعية تضم جثث عشرات القتلى شمالي محافظة بابل التي تعتبر جسرا يربط بين بغداد وقلب المراكز الشيعية في الجنوب. وفي الاكتشاف الذي تحقق في أكتوبر الماضي عثر على 35 جثة في خزان للصرف الصحي بقاعدة تابعة للجيش العراقي بجوار قضاء المحاويل. واتهمت قيادات عشائرية من الشيعة والسنّة الميليشيات بارتكاب عمليات القتل. وقال مسؤول بوزارة الدفاع لرويترز إن تحقيقا يجري حول هذا الاكتشاف.

وفي 15 ديسمبر عثر على جثة رئيس بلدية مدينة خان بني سعد السنّية الواقعة إلى الشمال الشرقي من بغداد وقد مزقتها طلقات الرصاص بعد أن خطفه رجال يرتدون زي الجيش من طريق رئيسي. كما أثر العنف على إنتاج الغذاء. وقال جميل إبراهيم المسؤول بوزارة الزراعة “أكثر من 75 في المئة من المناطق الزراعية أصبحت غير مستغلة بعد أن أصبحت مناطق حرب. وأصبحت المزارع في تلك المناطق مزارع أشباح”.

تدمير كامل

 

في حي الدورة، الذي يغلب عليه السنّة في جنوب غرب بغداد، وقبل عدة أسابيع جلس مشتاق الشمري عضو المجلس المحلي في مكتب مزدحم يقع خلف لفة من الأسلاك الشائكة، يرحب بعشرات الأسر التي وصلت إلى بغداد وكانت تريد الحصول على التعويضات التي قررت الحكومة تقديمها للنازحين وتبلغ مليون دينار.

وقال الشمري “العوائل محصورة بين نارين الدولة الإسلامية التي تطلب البيعة من ناحية وقوات الأمن والميليشيات من ناحية أخرى. وإذا شعروا بالأمان والأمن سيعودون إلى بيوتهم. وإذا ظلت الميليشيات وقوات الأمن مسيطرة على الوضع فلن يعودوا”.

أبو حسين، مزارع سنّي عمره 45 عاما من قرية قراغول الواقعة على مسافة 32 كيلومترا جنوبي بغداد، وقد كان يعيش في هذه القرية أكثر من ألف أسرة في بيوت تنتشر بين أشجار النخيل على امتداد نهر الفرات. أما الآن فقد أصبحت القرية مهجورة، وقال أبو حسين إن الشبان يخافون مغادرة المكان لأن قوات الأمن قد تعتقلهم وتتهمهم بالإرهاب.

بدأ انزلاق قراغول نحو الخطر في الشتاء الماضي عندما تفجّرت الحرب بين رئيس الوزراء الشيعي السابق نوري المالكي والعشائر السنّية في الأنبار. وعندما صعد تنظيم الدولة الإسلامية نشاطه في حزام بغداد استدعى المالكي الميليشيات الشيعية في خطوة تؤكد أنها أكثر فاعلية من الجيش. وفي أعقاب ذلك بدأت العائلات السنّية تتحدث عن اغتيالات على أيدي الميليشيات.

وفي يونيو الماضي انهار الجيش العراقي في شمال البلاد واستولى تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات كبيرة من الأرض على امتداد نهر الفرات بما فيها قراغول. وبدأ الجيش والميليشيات قصف القرية بقذائف المورتر والمدفعية والبراميل المتفجرة. وقرر أهل القرية الرحيل عنها في أواخر يوليو في نهاية شهر رمضان. وقال أبو حسين إن القصف كان عنيفا في ذلك الوقت. وجرح رجل بشظية إحدى القذائف وظل ينزف حتى فارق الحياة في الليلة التي سبقت خروج مئات من أهل القرية بمن فيهم النساء والأطفال سيرا على الأقدام. وتركت العائلات في هروبها جراراتها وحيوانات مزارعها ولم تأخذ معها سوى كيس من الملابس في أفضل الأحوال.

وسارت العائلات في الطرق الخلفية وخاضت في مياه القنوات خشية أن تقابل مقاتلي الدولة الاسلامية أو القوات الحكومية. وبعد أن أمضت العائلات الليل في قرية مهجورة التقى أهلها بأقاربهم من الدورة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى العاصمة. وحمل أبو حسين رجلا مسنا إلى بغداد غير أنه توفي بعد نحو أسبوع.

وعادت إحدى جارات أبو حسين، وهي إمرأة مسنّة تنام الآن على أرض مطبخ في الدورة إلى قراغول، لبضع ساعات في أكتوبر ومعها رسالة من قيادة قوات الأمن العراقية تسمح لها بزيارة القرية. وقالت إنها شاهدت دوريات الجيش والميليشيات ومجموعة من البيوت المحروقة. وأضافت “لم تبق أي حيوانات، دمار كامل وبيوت محترقة”.

ويقول رافد جبوري، المتحدث باسم العبادي، إن رئيس الوزراء الجديد يعمل بكل جهده لحماية المدنيين السنة والسيطرة على الميليشيات. وأضاف أن العبادي يرفض أي محاولات سواء من جانب السنة أو الشيعة لتطهير مناطق من طائفة أو أخرى.

وقال جبوري “في يونيو الماضي ظننا جميعا عندما نشب هذا الصراع… أنه ستكون هناك عملية تطهير طائفي كبيرة في بغداد… ولم يحدث ذلك. وما حدث أن العراقيين تمكنوا من تشكيل حكومة وحدة وطنية تتبع أجندة إصلاح”. غير أن بعض المسؤولين الشيعة والغربيين يسلمون في لقاءات خاصة بأن العبادي يواجه مهمة صعبة في ضوء الضعف الشديد للجيش.

وقال دبلوماسي أجنبي يقيم في بغداد “هذا بلد يشهد حربا أهلية وحشية. وأنا على ثقة أن العبادي يود السيطرة على الميليشيات. لكن كيف يفعل ذلك وهي تدافع عن بغداد في مواجهة الدولة الإسلامية”.

 

قتل الأبرياء

 

ذات يوم من شهر أكتوبر المنقضي وقف إثنان من أبناء العمومة السنّة في بلدة اللطيفية على مسافة 38 كيلومترا تقريبا إلى الجنوب من بغداد على مقربة من مزارات شيعية لها مكانة كبيرة وراحا يصفان كيف دخل تنظيم الدولة الإسلامية.

وترددت في الأفق أصداء القصف المدفعي لمدينة جرف الصخر القريبة بمعدل انفجار كل خمس دقائق تقريبا. وروى الإثنان كيف وصل مقاتلو الدولة الإسلامية إلى حيهما في الربيع. فقد ظهروا ليلا وسيروا الدوريات في القرية. وقال أحد الرجلين وهو يتذكر الأحداث “كان حديثهم براقا”.

وفي الليلة التي أعقبت استيلاء الدولة الإسلامية على مدينة الموصل الشمالية نظمت الجماعة استعراضا وذبحت خرافا لكسب السكان المحليين. وقال المقاتلون للشباب إن بغداد ستسقط قريبا ووزعوا على رجال القرية عباءات داكنة اللون كما نسفوا عشرة بيوت كتحذير للمزارعين المحليين. وشعر السكان أنه لا خيار أمامهم سوى التعاون مع القادمين أو المجازفة بدخول السجن أو حتى بالإعدام. وفي يوليو بدأت القوات الحكومية والميليشيات تستهدف مزارع المنطقة بقذائف المورتر والمدفعية.

وبحلول الأسبوع الثاني من يوليو كان أغلب الناس قد رحلوا. وقال أحد الرجلين “أخذنا العوائل، وأغلقنا بيوتنا وتركنا الأبقار والغنم وانطلقنا”.

ويقول الجيش الآن إن بمقدور الناس العودة لبيوتهم. لكن أغلب البيوت لحقت بها أضرار وسويت أشجار النخيل بالأرض، كما أن الناس يخشون الميليشيات التي قالت إنها تشتبه أن بعض أهل القرية على صلة بالدولة الإسلامية. وفي الأسبوع الماضي نسف مقاتلو الميليشيات 35 بيتا في قريتين في منطقة قريبة.

وفي الظروف العادية يلجأ الناس لقياداتهم التقليدية طلبا للحماية. لكن زعماء العشائر السنية في الحزام كانوا هم أنفسهم مستهدفين. ومن هذه القيادات مؤيد العلواني وهو شخصية فارعة الطول ممتلئة الجسم. في يونيو بدا عليه الخوف وهو يصف كيف نسف رجال الدولة الإسلامية بيوت السنّة الذين لم يؤيدوا التنظيم وقتلوا المعتدلين الذين تحدثوا عن المصالحة.

وقال إن قوات الأمن الحكومية والميليشيات كانت تعمل أيضا في المنطقة وإنها مسؤولة عن اعتداءات وحشية. وقال العلواني “البلد يمتلئ بالعصابات. والمجرمون الذين يقتلون الناس وهم مئات الجماعات والفئات المختلفة كلهم على نفس الشاكلة. فكلهم يقتلون الأبرياء”.

وبعد أسبوعين من التحدث مع رويترز اختفى العلواني في منطقة الحزام جنوبي بغداد وهو يقود سيارته على طريق تسيطر عليه الميليشيات وقوات الأمن. ووصفته شخصيات عشائرية شيعية تعرفه بأنه من المعتدلين. وتعتقد هذه الشخصيات أن مقاتلي الميليشيات هم الذين خطفوه وليس المتطرفون السنة، كما أنها لا تعتقد أنه على قيد الحياة.