صراع التطرف والإصلاح داخل جماعة الإخوان ينتظر لحظة الانفجار

13:29

2014-12-19

الشروق العربي - القاهرة- طرحت التطورات السياسية في مصر في المدة الأخيرة على جماعة الإخوان المسلمين، جملة من التحديات داخل بنيتها الفكرية والتنظيمية، فبعد سقوط تجربة الحكم الإخوانية اتجه البعض داخل الجماعة إلى طرح أسئلة نقدية نادرا ما تطرح في تنظيمات عقائدية من قبيل الإخوان المسلمين، ومن تلك الأسئلة “كيف يمكن أن نصلح الجماعة من الداخل؟”.

وقد مثل التغيير والتطوير أداة الصراع الذي نشب داخل الأطر التنظيمية للجماعة بين جناح متشدد لا زال يصر على المواجهة، وجناح اختار “الانحناء حتى تمر العاصفة”

تعد جماعة الإخوان المسلمين من الجماعات التنظيمية المعقدة التي تعتمد أسلوبا صارما في الإدارة، يقوم على السمع والطاعة وتنفيذ التعليمات دون مناقشة وإقصاء المخالفين، وهذا الأسلوب يرتقي إلى درجة التقديس الديني لدى بعض القياديين.

وفي رأي محللين، فإن هذه الطريقة في التنظيم أثرت على كفاءة الأداء التنظيمي والسياسي للجماعة، وقُدرتها على مواكبة التحوّلات داخل بنيتها القاعدية.

ويشار إلى أن الصراع بين التيار المحافظ والفكر الإصلاحي حول هذا الأسلوب بدأ مع ظهور أفكار سيد قطب، التي تمثل الوعاء الفكري والرافد الرئيسي للفكر المحافظ والجهادي.

فالفكرة القطبية (نسبة إلى سيد قطب) تقوم على التمسك بالثوابت الأيديولوجية للتنظيم (والتي يتراءى لبعض الإخوان أنها دينية)، وتبني اتجاه المواجهة والجهاد ضد الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية، وهذا ما جعل كتب سيد قطب تعد أحد مراجع التنظيمات الجهادية والفكر الانقلابي الإسلامي.

فالمسائل الخلافية الرئيسية بين التيارين الجهادي والسياسي أو المتشدد والإصلاحي، تتمثل في قضية الهوية وتقديم الانتماء الديني على الانتماء الوطني، والمرونة في التعامُل مع الثوابت الأيديولوجية في إطار التعاطي مع المتغيرات، وفق آليات الظرف الزمني ومجريات المشهد السياسي، كذلك الانفتاح على الاتجاهات المختلفة والدخول في شراكة حقيقية مع الأطراف الأخرى على أساس المصلحة الوطنية، بالإضافة إلى قضية المواطنة والشراكة الوطنية مع أصحاب الديانات الأخرى وخاصةً المسيحيين.

وكل هذه الأسس الأولى والمبدئية للعمل السياسي خاصة في مصر لم تتوفر في جماعة الإخوان المسلمين كما أثبتت تجربة حكمهم.

ويشير صبحي عسيلة الباحث في مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية إلى أن الصراع بين الجناحين داخل الجماعة أزمة مُتعددة الأبعاد، حيث ينظر التيار المحافظ إلى الإصلاحيين على أنهم يخرجون عن الثوابت ويستهدفون وحدة الجماعة.

 

في المقابل يرفض الإصلاحيون الفكر القطبي ويرونه اتجاها متشددا يقود إلى التطرف، ولا يتعاطى مع مُتغيرات الواقع، وأضاف: “هناك مشكلة رئيسية تعتبر أحد العيوب الهيكلية لجماعة الإخوان، والتي تتمثل في حساسيتها المفرطة في التعاطي مع مسائل الخلاف الداخلي، وهذا ما أثبتته التجارب، ورغم قُدرة الجماعة على ضبط وإدارة الاختلافات والتوجهات الفكرية بين أجنحتها المختلفة، إلا أنها لا تحتمل إمكانية وجود خلافات تنظيمية بين قياداتها، وغالبا ما يكون مصير المخالفين إما الانشقاق وإما الفصل”.

وتؤكد عديد النصوص البحثية المتعلقة بالمسألة التنظيمية للجماعة، أن ديناميات إدارة الاختلافات داخل جماعة الإخوان بمختلف فروعها تتميز بملامح أساسية تجعلها مختلفة عن غيرها من الفصائل والتنظيمات الإسلامية والسياسية الأخرى، والتي من أهمها انخفاض درجة مرونة الجماعة في التعاطي مع مخالفيها، حيث يعتبر الصراع بين أجنحة الحركة “صراعا صفريا”، حسب تعبير الباحث في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد، والذي دائما ما ينتهي لصالح الحرس القديم (القطبيين)، بالإضافة إلى ضعف دور القيادة في حسم الخلافات الداخلية.

كذلك تلجأ الجماعة بشكل دائم إلى إستراتيجية ترحيل الأزمات في ما يخص مشاكلها الداخلية، في ظل عدم وجود وزن مؤثر للقواعد الشبابية داخل معادلة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين.

فانشقاق “تيار الحمائم” في إخوان الأردن، والانقسامات داخل حركة مجتمع السلم في الجزائر (حمس)، بالإضافة إلى ما يحدث داخل الجماعة الأم في مصر، يعكس عمق الخلل في التركيبة البنيوية والسياسية للجماعة بشكل عام.

وفي هذا السياق يقول سامح عيد إن التيار المحافظ داخل جماعة الإخوان عمل جاهدا من خلال هيمنته على مفاصل الجماعة، على ألا يتولى الإصلاحيون أي مناصب تنفيذية أو قيادية عليا تمكّنهم من إعادة توجيه السياسات الكلية للتنظيم ورسمها.

وأكد سامح عيد أن الجماعة فشلت في الاستفادة من التنوّع الفكري والأيديولوجي للتيارات المختلفة داخلها مما أفقدها رصيدا سياسيا هي في أشد الحاجة إليه في مواجهة خصومها، وتابع: “الأزمة الحالية أكبر من أن يتم التعاطي معها بالطريقة المعتادة، نظرا إلى أن الخلاف تجاوز مستواه القاعدي، ووصل الهرم القيادي في الجماعة”.

وللتوضيح، فإن التصريحات المتضاربة التي تخرج من القيادات حول رفض الاعتراف بالأمر الواقع والاستمرار في المواجهة، ثم خروج دعوة للمصالحة على لسان أحد رموز الإصلاحيين، تعكس حالة الصراع التي تعيشها الجماعة، وتضارب الرؤى بين الجناحين.

وفي سياق الوقوف على حدة الصراع داخل جماعة الإخوان، فإن البحث في عدد من العناصر التي أقصيت أو انشقت نتيجة تشدد الجناح المتطرف، يمكن من استيضاح الأمور بشكل أدق.

فقد شكلت المجموعة الشبابية التي انشقت عن الإخوان تنسيقية سميت بـ”تحالف شباب الإخوان المنشقين” وهم من معتنقي التوجه الإصلاحي الرافض لأسلوب العنف والإرهاب ومواجهة الدولة والمدنيين.

وقد أكد هذا التحالف أن “إقصاءهم كان تصفية للتوجه العقلاني داخل الجماعة وقتلا لصوت الرشد والحكمة وتفضيلا لسياسة التصادم والدموية التي تتبناها الجماعة إلى حد الآن”. وذلك حسب تصريح عمرو عمارة منسق تحالف شباب الإخوان المنشقين.