الحرب على غزة ومستقبل المشروع الوطني ..

12:54

2014-12-18

ابراهيم ابراش

(الحرب على غزة كأحد آليات صناعة دولة غزة )   مقدمة انشدت الأنظار في السنوات القليلة الماضية إلى ما يشهده قطاع غزة من احداث وخصوصا العمليات العسكرية الإسرائيلية التي وصلت أوجها في العدوان الاخير في يوليو 2014 ،  بحيث بات مصطلح الحرب أو العدوان على قطاع غزة الأكثر ترددا على ألسنة المواطنين والمحللين السياسيين ، كما غطت أحداث غزة على القضية الوطنية برمتها وخصوصا ، ما يجري في الضفة والقدس من عمليات استيطان وتهويد . بحيث لا يتم الحديث عن حرب وعدوان إلا إذا كان موجها لغزة ، وكأن غزة كيان مستقل قائم بذاته ، وكأن الضفة  تعيش استقرارا وهدوء وتربطها بإسرائيل علاقات سلام ومحبة ؟ !.  الاحتلال بحد ذاته عدوان وحرب على الشعب بكامله ، والاستيطان والتهويد حرب وعدوان ، كما أن الحصار على غزة عدوان وحرب ، فلماذا لا تُستعمل كلمة حرب وعدوان إلا إذا أقتصر الأمر على قطاع غزة ؟. لأن المفاهيم والمصطلحات في السياسة ليست بريئة ، ، لذا فإن خدعة لفضية تخفي أهدافا سياسية تجري من خلال استعمال مصطلح الحرب أو العدوان على غزة ، فتخصيص غزة بالحرب والعدوان يوحي وكأنه لا توجد حرب وعدوان متواصل على كل الشعب الفلسطيني ، وهي محاولة لدفع قطاع غزة نحو التموضع كحالة ذات خصوصية منفصلة عن الحالة الوطنية ، وبالتالي إيجاد حل لـ (مشكلة غزة ) بمعزل عن مجريات ومرتكزات المشروع الوطني .  في الوقت الذي فيه الجميع منشغلون بمأزق المشروع الوطني والتسوية والمفاوضات والبحث عن بدائل لفشل المفاوضات ، وبالمصالحة الوطنية وكيفية إنجاح لقاء مخيم الشاطئ بهذا الشأن ، في هذا الوقت قامت إسرائيل بعملية عسكرية كبيرة على قطاع غزة اوقعت أكثر من الفين ومائتي شهيد وعشرة آلاف جريح بالإضافة إلى تدمير ما يزيد عن ثلاثين الف بيتا وبرجا سكنيا .

[1]  الحرب على غزة جزء من صناعة دولة غزة في الحروب والصراعات الدولية لا تكشف الدول والكيانات السياسية عن كامل أهدافها واستراتيجياتها ، فهناك أهداف معلنة وأهداف خفية ، والحروب العدوانية الإسرائيلية الثلاثة على قطاع غزة لا تخرج عن هذا السياق ، فالخفي من هذه الحروب قد يكون أكثر خطورة على القضية الوطنية من الأهداف المعلنة منها ، وضجيج الصواريخ ودماء الشهداء وحالة الدمار قد تكون غطاء لتمرير مخططات كبيرة عجزت السياسة والمواجهات الصغيرة عن تمريرها ، فالحرب سياسة ولكن بوسائل عنيفة أو أداة لفتح مغاليق السياسة. لا شك أن صواريخ ومقذوفات كانت تنطلق من القطاع إلى إسرائيل حتى وإن كانت في غالبيتها لا تُوقع إصابات أو أضرار بالإسرائيليين ، ولا شك أن فصائل المقاومة كانت تزيد من تسلحها ، ومن المؤكد أن انفاقا تم حفرها ، وقد نجح مقاتلون بالتسلل عبرها والاشتباك المباشر مع جيش الاحتلال ، ومع ذلك لا نعتقد أن هذا فقط سبب التصعيد الإسرائيلي على القطاع . صحيح أن الحكومة الإسرائيلية تراقب التسلح في القطاع وتتعرض لضغوطات من سكان جنوب إسرائيل المتخوفين من صواريخ المقاومة وإنفاقها ، إلا أن الحرب أو الحروب الثلاثة على غزة جزء من استراتيجية محكمة لصناعة دولة غزة ، استراتيجية تعتمد على أربع ميكانزمات :

1) الانسحاب احدي الجانب من القطاع

2) الانقسام وسيطرة حماس على القطاع

3) الحصار

4) إبقاء القطاع في حالة حرب. إسرائيل تعرف أن معركتها الأساسية ليس في قطاع غزة بل في الضفة الغربية والقدس ، إسرائيل تُصعِد عسكريا في القطاع ولكن معركتها تجري في الضفة والقدس ، إنها معركة الاستيطان والتهويد ، وبالتالي فهي تُصَعد عسكريا في القطاع لتُبعد الأنظار عما يجري في الضفة من استيطان وتهويد ولتبعد الأنظار عن فشل المفاوضات ولتتهرب من الاتفاقات الموقعة ، تريد أن تلهينا وتلهي العالم بغزة والحرب على غزة ، وخلف كل ذلك يوجد توجه أو قرار إسرائيلي بفصل غزة عن بقية مناطق السلطة وإيجاد حل لها كحالة سياسية وجغرافية قائمة بذاتها . لم تخرج الحروب على غزة – 2008 ، 2012 ، 2014 - عن سياق صناعة دولة غزة وتكريس فصل غزة عن الضفة ، حيث نلاحظ ان كل هذه الحروب كانت تجري بين قطاع غزة وإسرائيل ، أما الضفة فكانت دورها محدودا في التأثير في مجريات الحرب . إسرائيل ودول العالم بما فيها مصر التي رعت اتفاقات الهدنة تعرف أن الحرب تدور بين إسرائيل وحركة حماس ومعها بالتبعية فصائل مسلحة اخرى في القطاع ، وأن منظمة التحرير والسلطة الوطنية وحكومة التوافق والدولة الوليدة خارج إطار معادلة الحرب ، حتى عندما تم تشكيل وفد موحد للتفاوض على الهدنة في القاهرة كان الجميع يعرف أن المفاوض الرئيس هو حركة حماس ، وأن الهدف من المفاوضات ليس حل القضية الفلسطينية بل إيجاد حل لمشكلة غزة الخاضعة فعليا لحركة حماس. [2] لأن قرار الحرب لم يكن وطنيا فلسطينيا

[3]، ولأنه جاء في ظروف فلسطينية وعربية غير مواتية ، ولأن نتائجها كانت محصلة لموازين القوى حيث تتفوق إسرائيل ، فإننا نخشى أن تكون تداعيات الحرب على المشروع الوطني كارثية من عدة جوانب ، بل يمكن القول بأن معركة غزة لها أبعاد استراتيجية ترمي لإعادة رسم الخريطة السياسية في فلسطين .  الحرب الاخيرة على قطاع غزة ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة ، ولكنها الأولى التي تأتي في سياق متغيرات وطنية وإقليمية : سقوط حكم الإخوان في مصر وانكشاف ما يسمى بالربيع العربي ، أزمة حركة وحكومة حماس ، وقف المفاوضات وفشل عملية التسوية الأمريكية ، الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة ، وتأتي اخيرا بعد التوقيع على تفاهمات مخيم الشاطئ وتشكيل حكومة توافق وطني . بالرجوع إلى كل حالات العدوان السابقة على قطاع غزة سنجد ان إسرائيل تختار الوقت المناسب للعدوان ، ودائما يكون مصاحبا إما لتحريك ملف المصالحة الفلسطينية او لتحريك ملف المفاوضات أو في حالة وجود تحركات دولية ضاغطة على إسرائيل ، فتأتي الحرب لتخلط الاوراق وتُعيد ترتيب الأولويات ليصبح الأمن سابقا على الملفات الأخرى . وفي جميع الحروب كان الطرفان – إسرائيل وحركة حماس - يخرجان منتصرين كما يزعمان ، فيما الانقسام يُكرس ومعاناة اهل غزة تتزايد ، والمشروع الوطني يتراجع . لو تفحصنا توقيت العدوان الإسرائيلي الأخير – صيف 2014 - على أراضي الدولة الفلسطينية وخصوصا على المحافظات الجنوبية ، سنجده جاء في وقت تحتاج فيه الحكومة اليمينية لنتنياهو لحالة حرب أو حالة أمنية ، لتهرب من مآزقها المتعددة ولتحقيق الأهداف المُشَار إليها . إسرائيل هي التي تحدثت عن اختفاء أو اختطاف ثلاثة مستوطنين ، وهي التي قالت إن حماس قامت باختطافهم بينما لم تعلن آنذاك حركة حماس أو أي جهة فلسطينية مسؤوليتها رسميا عن العملية ، وإسرائيل هي التي قالت إنها وجدت جثث المستوطنين المختفين ، وإسرائيل هي التي قامت ( بردة فعل) كانت مُعَدة مُسبقا على عملية الخطف المفترضة ، سواء تعلق الأمر بإعادة اعتقال أسرى محررين ونواب تشريعي وقيادات من حماس ، أو بمداهمة البيوت في الخليل وشعفاط والقدس ، أو بتشجيع إسرائيليين لخطف وقتل وإحراق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير .

[4] عندما تقوم إسرائيل بكل ذلك كانت تعرف أن الشعب الفلسطيني في القطاع لن يسكت عما يجري في الضفة ، وأن بعض فصائل المقاومة سترد على ممارسات إسرائيل في الضفة ، أو ستوظف ما يجري في الضفة لتحقق بدورها أهدافا خاصة بها في قطاع غزة ، وإسرائيل تعرف أنه ستتشكل حالة وطنية متأججة ستدفع كل الفصائل للرد على ما تقوم به . هذا ما جرى حيث شاركت كل فصائل المقاومة بما فيها فصائل منتمية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، بإطلاق صواريخ على إسرائيل ومحاولات اقتحام لمواقع إسرائيلية ، لتقوم إسرائيل بالتصعيد بدورها. هناك شبه بين هذه الحرب وحرب تموز في لبنان 2006 بين حزب الله وإسرائيل . فبعد قيام حزب الله بعملية خطف لجنود إسرائيليين والرد القاسي والمدمر الذي قام به الجيش الإسرائيلي الذي طال قوات حزب الله ومدن وقرى الجنوب والضاحية الجنوبية للبنان ، وهي الحرب التي أدت لإخراج حزب الله من جنوب لبنان ومرابطة قوات دولية والجيش اللبناني على الحدود ،  آنذاك قال حسن نصر الله لو كان يعرف أن الرد الإسرائيلي كان بهذه القوة لفكر قبل القيام بعملية الخطف . في الحالة الفلسطينية يبدو أن حركة حماس وخصوصا كتائب القسام كانت تريد حربا مع إسرائيل ، حيث كانت تعتقد أن مواجهة محدودة يمكنها ان تعيد الاعتبار لحركة حماس كحركة مقاومة وتخرجها من مآزقها المالية والسياسية والإستراتيجية ، وقد تُعطل حكومة التوافق الوطني او على الاقل تجبرها لدفع رواتب لموظفي حماس ، بالإضافة إلى تحقيق مطالب الاجندة الخارجية التي تريد توظيف التصعيد العسكري في قطاع غزة لإحراج مصر . إلا أن قوة رد فعل إسرائيل كانت غير متوقعة وخصوصا بالنسبة للفصائل التي شاركت حماس حربها . إلا أن حركة حماس وبقية الفصائل لا تمتلك فضيلة النقد الذاتي لتراجع حساباتها وتبحث عن مواطن الخلل التي ادت لوقوع هذا القدر الكبير من الدمار والقتلى والجرحى . مع كامل التقدير للمقاومة وبطولات وتضحيات أهلنا في غزة ، وللتعاطف والتأييد الكبير لأهلنا في الضفة والشتات مع أهل غزة ، إلا أن الحرب الفعلية كانت تدور بين ( قطاع غزة ) وإسرائيل ، وحركة حماس هي من أتخذ قرار خوض المعركة وهي من قاد المعركة ، وكانت وما تزال تتحكم بقطاع غزة ومستقبله ، بمعزل عن أي مرجعية وطنية أخرى . حتى الدول العربية والأجنبية وإسرائيل باتوا يتعاملون بطريقة غير مباشرة ، ومباشرة احيانا ، مع حركة حماس في كل صغيرة وكبيرة فيما يخص الحرب والتهدئة . أما منظمة التحرير والسلطة والرئيس أبو مازن والوفد المشترك الذي يفاوض في القاهرة فدورهم شكلي وغير حاسم . قد يكون لهم دور في الاتفاق على وقف إطلاق النار ، إلا أن التوصل لهدنة أو إنهاء لحالة الحرب فسيكون لحركة حماس وأطراف إقليمية ودولية الدور الرئيس .

[5] لأن إسرائيل لم تقل إنها ستنهي سلطة حماس في غزة ، ولأن اطرافا عديدة بالإضافة إلى إسرائيل مستعدة للتعامل مع قطاع غزة تحت سلطة حماس مقابل ضمانات بتجريد القطاع من الصواريخ والأسلحة الثقيلة وإنهاء ظاهرة الأنفاق على الحدود بين القطاع وإسرائيل  ... فإن هدف الحرب هو فرض تهدئة إستراتيجية وترسيم حدود نهائية بين غزة وإسرائيل ، أو هي حرب من أجل توقيع صفقة شاملة ما بين حركة حماس وإسرائيل برعاية وضمانات عربية وتركية وأوروبية وربما أمريكية . صفقة تتضمن التزام من حماس بوقف إطلاق الصواريخ أو حفر الانفاق من القطاع سواء من جهتها أو من أي طرف فلسطيني آخر ، وعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية المرابطة على حدود القطاع ، ونعتقد أن حماس لا تمانع في ذلك مقابل ممر مائي يربط القطاع بالعالم الخارجي ، أو فتح معبر رفح البري بشكل كامل لتصبح الحدود المصرية مع غزة حدود دولة بدولة ، وتعهد إسرائيلي بعدم استهداف قيادات حماس والمقاومين أو قصف غزة ، وإن تمت الأمور بهذا الشكل لن يكون هناك مبررا لاستمرار عمل الأنفاق سواء بين القطاع ومصر او بينه وبين إسرائيل ، حيث يتم ردمها أو وقف العمل بها بتوافق مع كل الأطراف.

[6] النصر والهزيمة بين الحسابات الحزبية والحسابات الوطنية   في آتون الحرب ، ومنظر البيوت التي تهدم على رؤوس أصحابها ، ومنظر أشلاء الاطفال والنساء والشباب والشيوخ ، ومع وضوح التآمر الغربي والعجز العربي  ... ، لا يسع المرء إلا أن يتكلم بلغة العاطفة ويمجد ويُعظِّم كل أفعال مقاوم الجيش الإسرائيلي ، بل تمنينا لو أن جبهات عربية أخرى تم فتحها على العدو ، من جنوب لبنان وسوريا والأردن وسيناء ، ولِمَ لا يكون من إيران والعراق . ولكن هذه الـ (لو) لا مكان لها في عالم عربي لا يفكر إلا بمصالحه ، كما أن الحروب لا تُخاض بناء على ما يجب أن يكون بل اعتمادا على موازين القوى الراهنة والمتاحة . لكن بعد أن تصمت المدافع يجب إعمال العقل ، ليس فقط بما جرى أثناء الحرب ، وكيف جرت ؟ ولماذا انزلقت فصائل المقاومة لها ؟ ولكن أهم من ذلك التفكير بعقلانية ، بعيدا عن أي حسابات حزبية ومصلحية ضيقة ، في كيفية مواجهة ما يُحاك لفلسطين من مؤامرات ، لأن الدم الذي سال دم كل الفلسطينيين ، والدمار الذي جرى مس كل الفلسطينيين في القطاع ولم يقتصر على حزب دون غيره .   حسابات النصر والهزيمة لا تكون أثناء المعركة ولكن بعد أن تصمت المدافع . لا شك أنه في حالة حرب أو مواجهة بين جيش احتلال وشعب خاضع للاحتلال ، كما هو حال حرب غزة ، يتم تقييم النصر والهزيمة بحسابات غير حسابات الحروب بين الدول ، ولكن لا قيمة لنصر إن كان نصرا لحزب وكان ثمنه تكريس الانقسام ونزع سلاح المقاومة مقابل سلطة هزيلة في قطاع غزة بحماية وضمانة أطراف مؤتمر باريس المشئوم . كما جرى في كل الحروب السابقة ، تحدثت إسرائيل عن تحقيق (انتصارات) وإعادة قوة الردع والهيبة للجيش الإسرائيلي نتيجة الدمار والخراب الذي الحقته بقطاع غزة وأهله وخصوصا المدنيين والأطفال ، وتحدثت حركة حماس وفصائل المقاومة عن انتصارها على العدو ، وعن عدد الصواريخ التي أطلقتها ومداها وبطولة مقاتليها الخ . ولكن بعد صمت المدافع والصواريخ ، وبعد خطاب الانتصار من الطرفين ، بعد كل ذلك سنجد أمامنا ضفة غربية أكثر استباحة من طرف المستوطنين والجيش الإسرائيلي ، وحالة تباعد ما بين السلطة الفلسطينية والشعب في الضفة الغربية ، وتباعد بل ونقمة من الشعب على حركة حماس والفصائل في قطاع غزة ، وسنجد قطاع غزة في حالة يرثى لها من الدمار والخراب ، وسنسمع عن مزيد من عائلات الشهداء ومن الأيتام والأرامل والجرحى الخ ، و فوق كل ذلك والأخطر من ذلك سيعود الانقسام أكثر ترسخا والعداء الداخلي أكثر استفحالا . فكيف يُعقل أن يتحدث حزب أو أحزاب عن انتصارات على أشلاء وطن ومعاناة شعب ؟ كيف تنتصر أحزاب وينهزم الوطن ؟.  ما سيحدد مقاييس النصر والهزيمة ، إن لم تكن النتائج المادية المُشاهدة للحرب مقنعة ، هي بنود الهدنة القادمة وقدرة الجانب الفلسطيني على توظيف معاناة اهل غزة ، إن لم يكن لتحقيق انجازات ، فعلى الأقل عدم تقديم مزيد من التنازلات والخسائر السياسية . الانتصارات والهزائم لا تنبني على مفاهيم الحق والباطل ، ولا على الشعارات والعواطف ، بل على النتائج المادية على الأرض . حتى وإن كانت حرب غزة حربا بين الخير والحق الفلسطيني والشر والظلم الإسرائيلي ، فالخير والحق لا ينتصران إلا إذا توفرت شروط موضوعية للنصر.

[7] بما أن الأهداف الإسرائيلية من الحرب معروفة ، وهي أهداف غير مقتصرة على غزة وصواريخها ، بل تمس مجمل القضية الوطنية ، ففي الإمكان مواجهة الحرب الإسرائيلية وما ترمي إليه ، من خلال إعادة الحوار الوطني ، للتوصل لتفاهمات على مواجهة المخططات السياسية لإسرائيل وربط العدوان على غزة بمجمل القضية الوطنية ، والتأكيد على أن المواجة والصراع ليس بين إسرائيل وحماس في غزة ، بل بين إسرائيل وكل الشعب الفلسطيني .

هذا يتطلب استمرار التمسك بالمصالحة واستكمال بقية بنودها وعدم توظيف الحرب كذريعة للتهرب من المصالحة ، ومنع إسرائيل من الاستفراد بحركة حماس وبقية فصائل المقاومة ، سواء في الحرب أو في مرحلة التوصل لاتفاق أو تفاهمات هدنة جديدة . يجب أن تؤسَس أية تفاهمات حول الهدنة على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية ، وليس على واقع الانقسام ، وخصوصا أن التفاعل الشعبي ما بين الضفة وغزة أكد على وحدة الشعب ، وهذا يتطلب أن تستمر المفاوضات حول الهدنة تحت إشراف الرئيس أبو مازن بصفته رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة وهو الجهة الرسمية التي تستطيع مخاطبة العالم والمنظمات الدولية والعربية والإسلامية ، ومع الرئيس يجب أن تكون حركة حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة للتأكيد على وحدة الموقف الفلسطيني من العدوان . بهذا يتم إفشال المخطط الإسرائيلي لتكريس الانقسام من خلال سعيه لهدنة مع حركة حماس فقط .

إذا أصرت حركة حماس على استبعاد الرئيس ومنظمة التحرير عن مفاوضات الهدنة وعن إعمار غزة ، فهذا معناه أنها تريد تكريس الانقسام ، وإذا نأى أبو مازن بنفسه عن الهدنة وعن الإعمار، فهذا معناه التخلي عن مسؤوليته عن قطاع غزة ، ولا مشروع وطني ولا دولة بدون قطاع غزة . إذا ما تم توقيع اتفاقية هدنة بين إسرائيل وحركة حماس فقط ، بوساطة أمريكية أو مصرية أو غيرها ، فهذا معناه توجيه ضربة قاصمة للمصالحة الوطنية وللدولة الفلسطينية الموعودة ، وهذا معناه أن إسرائيل نجحت في تحقيق هدف مهم من أهداف الحرب . حتى في هذه الحالة فستكون حربا بلا نصر كامل ونهائي لأي من الطرفين ، والهدنة لن تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بل ستؤجله فقط ، وسيكون لغزة جولات جديدة من العدوان والحرب والدمار . بعد وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه بعد (حرب الأبراج) [8] أصبحت كل اطراف الصراع والوسطاء والمراقبون والمحللون منشغلون بشكل وشروط الهدنة التي يمكن التوصل لها بين المقاومة في غزة وإسرائيل ، وخصوصا أن إعادة إعمار غزة بات مرتبطا بالهدنة ، حيث تشترط إسرائيل تجريد غزة من السلاح مقابل إعادة إعمارها . هدنة يتعدد فيها الوسطاء وتتعدد المحاور ، وتتضارب المواقف وتتباعد ليس فقط ما بين شروط المقاومة وشروط إسرائيل ، بل ايضا ما بين الاطراف الفلسطينية نفسها ، وما بين الوسطاء أنفسهم ، بحيث بات الأمر يحتاج لهدن أو تفاهمات متعددة ما قبل الهدنة بين المقاومة وإسرائيل . هدنة وتفاهمات ما بين فصائل المقاومة ومنظمة التحرير ، وهدنة وتفاهمات ما بين مصر ومحورها من جانب والمحور القطري التركي الإخواني من جانب آخر ، وتفاهمات مصرية امريكية ، وتفاهمات داخل مجلس الأمن  ... بعد ذلك يمكن التوصل لصيغة اتفاق هدنة يتم التفاوض عليه مع إسرائيل . هذا لا يعني استحالة التوصل إلى هدنة ، لكن كل هذه الاختلاطات والتداخلات يجعلنا أمام صفقة هدنة سياسية وأمنية وعسكرية وليس مجرد إطلاق نار ، مما قد يأخذ وقتا طويلا ، ونتمنى التوصل لهدنة مشرفة تحافظ على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية. مع عدم استبعاد أن تتوصل إسرائيل وحركة حماس لتفاهمات أو أتفاق بينهما متجاوزين كل الاختلاطات والتعقيدات السالفة . نتمنى من القيادات الفلسطينية أن تكون حسبت حسابا لكل الاحتمالات وخصوصا أن لديها دراية وتجربة ومعرفة بالخبث والدهاء الصهيوني .

في السياسة ، والحرب سياسة بوسائل عنيفة ، على القادة أن يفكروا بكل الاحتمالات حتى الأكثر سوءا ، ويجب أن يعمل الجميع على الحفاظ على وحدة الشعب التي تحققت في الحرب ، لأن هدف العدو من شروطه للهدنة هو تكريس فصل غزة عن الضفة وخلق فتنة داخلية ، ونقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني ، ونخشى أن تكون معاناة غزة من فتنة ما بعد الحرب أقصى من معاناتهم من الحرب ذاتها.   المحور الثاني تداعيات الحرب على المشروع الوطني   إن كان العدوان على غزة يستهدف ماديا ومباشرة قطاع غزة ، إلا أنه استراتيجيا يستهدف كل الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني . وبالتالي وكما سبقت الإشارة فإن مفاهيم النصر والهزيمة لا تؤَسَس على الحسابات الحزبية ، وحتى لا تؤَسَس على ما قد يتحقق من إنجازات صغيرة لقطاع غزة وأهله ، كتوسيع مجال الصيد البحري ، تخفيف الحصار أو رفعه ، وإعادة إعمار غزة ، الخ ،  بل تؤَسَس على ما تحقق لمجمل القضية الوطنية وللمشروع الوطني .

  تراجع استقلالية القرار الوطني لصالح الأجندة والمشاريع الخارجية   بالرغم من أن الدم الذي سال في حروب غزة دم فلسطيني ، وبالرغم من وجود نوايا وطنية صادقة لكل مواطن يقاوم الاحتلال بما هو متاح من أشكال المقاومة ، إلا أن دولا وجماعات وجدت في فلسطين وتحديدا في غزة الفقيرة والمحاصرة ، تربة ملائمة لصناعة حروب بالوكالة ، ولتمرير أجندتها المتعارضة والمتصارعة ، وكلِّ من أصحاب هذه الأجندة والمحاور يريد أن يسجل هدفا لصالحه تجاه خصمه ، على حساب الدم الفلسطيني ومستقبل القضية الوطنية الفلسطينية .

كان الأمر جليا منذ سنوات بأن قطاع غزة بات يدفع ثمن صراع الأجندة والمشاريع الخارجية ، إلا أن الحرب الأخيرة كشفت ثقل وطأة هذه المشاريع على الشعب الفلسطيني  والثمن الفادح الذي تم دفعه في الحرب بسبب التدخل الفج لأصحاب هذه المشاريع – خصوصا إيران وقطر وتركيا-  في التأثير على مجريات مفاوضات الهدنة في القاهرة .

لم تكن مفاوضات الهدنة التي دعت لها القاهرة مجرد مفوضات لوقف إطلاق نار يُوقِف حالة الدمار والخراب التي يُلحقها العدوان بأهل غزة ، بل تحولت لصفقة شاملة فيها ما هو عسكري وأمني ، وما هو سياسي محلي ، وما هو استراتيجي عربي وإقليمي ، صفقة أرادت كل الأطراف الفلسطينية والعربية والإقليمية أن تجد فيها موقع قدم وتحقيق مصالح ، ليس للشعب الفلسطيني وتمكينه من مقومات الصمود ، ومن خلال التنافس على تخفيف المعاناة عن غزة والاستعداد لإعادة إعمارها بعد الحرب ، بل لتصفية حسابات متعددة : حسابات بين مصر وحركة حماس كفرع من فروع الإخوان ، حسابات بين مصر من جانب وتركيا وقطر وجماعة الإخوان من جانب آخر ، والأهم من ذلك تصفية حسابات بين إسرائيل من جانب والمقاومة والشعب الفلسطيني من جانب آخر بحيث أرادت إسرائيل كسر شوكة المقاومة وإذلال الشعب الفلسطيني  .

في السياسة وخصوصا الدولية قد تتعدد التحالفات والمحاور وتختلط الأوراق ، ودوما كان هذا ديدن القضية الفلسطينية .

لم يكن الفلسطينيون يوما أصحاب قرار مستقل تماما فيما يخص قضيتهم ، ولكن الإبداع الفلسطيني كان يتبدى في القدرة على توظيف المشاريع والأجندة العربية والإقليمية والدولية ذات المصالح المتصارعة في الشرق الأوسط لصالح القضية الوطنية ، والعمل قدر الإمكان لعدم إلحاق المشروع الوطني بأي من أصحاب الأجندات الخارجية .

بات من الواضح أن قوة حضور وتأثير العوامل الخارجية في الشأن الفلسطيني يقابله تزايد تدهور النظام السياسي والمشروع الوطني . فقد وصلت لطريق مسدود كل محاولات إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير ، وحال السلطة الوطنية يسير من سيء إلى أسوء ، وتتعثر كل محاولات التقدم في ملف المصالحة ، وحركة فتح وبقية فصائل المنظمة تفقد فاعليتها وتاثيرها ، وتَضُعف تنظيميا ، وكلما تعمق فشل حماس في خياراتها السياسية داخليا كلما زادت