الإمارات توجه قواها الناعمة نحو الغرب

12:33

2014-12-18

الشروق العربيأبوظبي - سياسة الانفتاح على الخارج مع الحفاظ على ثوابت الداخل وتمتين الروابط الإقليمية الراسخة عمقا وتاريخا، سمة إماراتية بامتياز، لطالما لفتت انتباه العالم إلى هذه البلاد التي تشهد تطورا مطّردا منذ سنوات على جميع المستويات، بما في ذلك الديبلوماسية التي ركزت فيها على انتهاج سياسات شعبية تعتمد على القوة الناعمة والمساعدات الإنسانية لتُثبِّتَ جدارتها ونجاحاتها التي تجاوزت البعد المحلي لتعانق العالمية.

تحولت الإمارات العربية المتحدة إلى قوة ناعمة في محيطها الإقليمي، وتتّجه الآن للعب الدور نفسه على المسرح السياسي والاقتصادي والإنساني الدولي.

وقد بدأت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، مؤخرا، بإدراك ملامح الدبلوماسية الإماراتية الجديدة والتعاطي معها كأمر يتجاوز واقع تطلّعات أبوظبي المستقبلية، من جهة، ومن جهة أخرى أسرعت إلى التعامل معها حفاظا على مصالحها الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، التي باتت دولة الإمارات العربية المتحدة تحظى بأحد المقاعد الأمامية فيها.

 

ما الجديد في دبلوماسية الإمارات؟

 

تعمل السفارة الإماراتية في واشنطن على تأكيد ذلك؛ حيث ينظّم السفير الإماراتي يوسف العتيبة مبادرة هذا الأسبوع تحت عنوان: “الاتحاد من أجل مستقبل أفضل”، في محاولة لإظهار هذه القوة الناعمة في الولايات المتحدة، التي تعدّ دولة الإمارات الشّريك التجاري الأوّل لها في منطقة الخليج.

وفي هذا السياق، قالت صحيفة “ذي ناشيونال”، التي تصدر باللغة الإنكليزية في أبوظبي، إنّ العتيبة يطمح أيضا إلى تسليط الضوء على مستوى التقارب والتنسيق عالي المستوى بين واشنطن وأبوظبي، خاصّة على المستويين الاقتصادي والعسكري.

ويقول مراقبون إنّ الإمارات بدأت تنتقل إلى خارج القوالب التقليدية للدبلوماسية من خلال التواصل المباشر مع الأميركيّين الذين لا يتصلون بالضرورة بدوائر صنع القرار في الإدارة.

وأضاف المراقبون، أنّ شرح ما تقوم به الإمارات، التي تنتهج منذ فترة طويلة سياسة القوة الناعمة داخل الولايات المتحدة، إلى عموم المواطنين في الدول التي تمتلك تأثيرا في منطقة الشرق الأوسط، بات أمرا ضروريا في المساعدة على إظهار التقدم الذي وصلت إليه دولة الإمارات في مجالات متعدّدة على الصعيد الداخلي، وفي محاولة تغيير الصورة النمطية التي تتبناها وسائل الإعلام الغربية وكذلك الرأي العام الدولي عن منطقة الشرق الأوسط.

من جهة أخرى، ينظر الكثيرون إلى الإمارات باعتبارها نقطة مضيئة وسط منطقة تعاني من الصراعات والحروب والتراجع الفكري والثقافي. لكن هذه النظرة مازالت تقتصر إلى حد ما في الدول الغربية على مراكز صنع القرار ودوائر الحكم الرسمية.

 

بما تتميز القوة الناعمة الإماراتية؟

 

لطالما وصلت القوة الناعمة الإماراتية إلى المجتمع الأميركي. وساهمت أبوظبي في مساعدة العائلات الأميركية في سلسلة من الأزمات، كان أبرزها الدور الإماراتي في دعم الأميركيين المتضرّرين من إعصار “ساندي” الذي ضرب سواحل الولايات المتحدة عام 2012، ماليّا، وذلك بإرسال شباب إماراتي متطوّع للمساعدة في إعادة تأهيل الأحياء التي تعرّضت للإعصار.لكن مثل هذه المبادرات بقيت خافية على الكثير من الأميركيين.

هذا، وتهدف حملة “الدبلوماسية الشعبية”، التي أطلقتها الإمارات، للوصول إلى كلّ الفئات العمرية عبر وسائل الإعلام التقليدية والأخرى غير التقليدية كـ”يوتيوب” و”فيسبوك” و”تويتر”.

ولم تنحصر الجهود الإماراتية في الولايات المتحدة فقط. فقد تبنّت الحكومة الإماراتية مهمّة بناء مخابئ ضدّ الأعاصير في أستراليا أيضا. كما امتدت الأذرع الإماراتية الناعمة إلى الولايات الفقيرة في كلّ من الهند وباكستان، من خلال الحملات التي أطلقتها ضد مرض شلل الأطفال.

ويبدو أن أبوظبي ماضية في الانتقال من داخل حدودها الخليجية أو الشرق أوسطية التي تموضعت فيها خلال العقد الأخير بطريقة مختلفة.

وترتكز هذه الطريقة على استراتيجية جديدة بدأت أبوظبي في تبنّيها بالتزامن مع انطلاق المشروع الثقافي في العام 2006.

وقد شهد هذا المشروع تنوعا كبيرا بدء بمسابقة الشّعر النبطي “شاعر المليون”، وصولا إلى مهرجان أبوظبي للموسيقى الكلاسيكية، فضلا عن جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي تأسست أوّلا.

غير أنّ هذه الخطوات تبدو غير كافية مقارنة بطموح التمدّد الذي يحدو الإماراتيين، فقد انطلق مشروع إعلامي بالتّزامن مع المشروع الثقافي والأدبي أيضا، وأطلقت أبوظبي مجموعة قنوات تلفزيّة شملت تغطيتها جميع مناحي الحياة العربية بدءًا بالأحداث الإخبارية ومرورا بقضايا المجتمع والمرأة.

وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ الإمارات تتّبع استراتيجية القوة الناعمة في منطقة الشرق الأوسط منذ فترة طويلة. فقد سبق لها أن ساهمت بشكل كبير في المساعدات الخليجية التي تلقتها دول ما سمّي بـ”الربيع العربي” وعلى رأسها مصر، للخروج من أزماتها الاقتصادية.

كما تقود أبوظبي مشروعات واستثمارات ضخمة في هذه الدول حاليّا لخلق فرص عمل جديدة للشّباب المحليّين، كما تقدّم الاستشارة والدّعم السياسي واللوجستي لحكوماتها حتّى تتمكن من استعادة توازنها مرّة أخرى.

 

كيف طورت علاقاتها الخارجية؟

 

من جهة أخرى، ساهمت الإمارات، خارج حدود الشرق الأوسط، في مشاريع اقتصادية ضخمة في كلّ من بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، لكنّ حملتها في الولايات المتحدة تمثّل خطوة غير تقليدية للوصول بقوّتها الناعمة إلى أتون المجتمع الأميركي.

وفي هذا الإطار، يقول السفير يوسف العتيبة: “قد تختلف الولايات المتحدة والإمارات كدولتين لهما تاريخان منفصلان وثقافتان ونظامان سياسيان لا يتشابهان، لكن في نفس الوقت نحن نعترف بأنّنا صرنا اليوم متقاربين أكثر من أيّ وقت مضى”، مشدّدا على “أنّ الأميركيين والإماراتيين يتّحدون اليوم حول المبادئ والمصالح المشتركة”.

فقد ساهمت العلاقات القائمة بين البلدين، والتي شهدت تقاربا ملحوظا في الآونة الأخيرة، في لفت أنظار الشعوب الغربية إلى حد كبير صوْبَ عملية التطور المتسارعة التي تشهدها دولة الإمارات. ويقول العتيبة، في ذات السياق: “قد تكون الإمارات صغيرة في الحجم، لكنّ ذلك لا ينفي أنها تعدّ من بين أكبر شركاء الولايات المتحدة على أصعدة مختلفة شأن الأمن والتنمية والتطلّعات المستقبلية”.

وتجدر الإشارة أنّ دولة الإمارات تعدّ من بين أكبر الأسواق للصادرات الأميركية في المنطقة، حيث تخطّى حجم الصادرات الأميركية عام 2012 حاجز الـ22 مليار دولار أميركي، طبقا للموقع الإلكتروني التابع للسفارة الإماراتية في واشنطن.

كما يُذكر أنّه من المتوقع أن تشهد شبكة السفارات الإماراتية حول العالم، أنشطة ملحوظة خلال الفترة القادمة تتبنى سياسة “الدبلوماسية الشعبية” على غرار السفارة الإماراتية في واشنطن.