الإرهاب يستوجب تحالفات قوية تتماشى وطبيعة المنطقة العربية

12:27

2014-12-18

الشروق العربيأبوظبي – التحولات الإقليمية والعالمية ألقت بظلالها على دول مجلس التعاون الخليجي التي قال خبراء إنها تدفع ثمن جغرافيتها الإقليمية ومكانتها الاقتصادية والسياسية المؤثّرة، الأمر الذي يجعلها مركزا من مراكز القرار الرئيسية في المساعي الدولية لمحاربة التطرف والإرهاب وكل ما يهدّد أمن المنطقة والعالم. وقد أكّد على ذلك الخبراء والمسؤولون الذين شاركوا في منتدى “مستقبل أمن دول مجلس التعاون الخليجي 2014”، في أبوظبي تحت موضوع “محاربة التطرف”.

شهدت الفترة الماضية انعقاد عدّة مناسبات كبرى كان أمن الخليج والأمن القومي المصري والتهديدات الإرهابية على رأس نقاشاتها. ومن أبرز هذه المناسبات منتدى حوار المنامة الدولي والقمة الخليجية، التي انعقدت في الدوحة، وأحدثها المنتدى الأول حول مستقبل أمن دول مجلس التعاون الخليجي، الذي استضافت فعالياته، أمس الأربعاء، العاصمة الإماراتية أبوظبي.

في عديد من النقاط، يمكن اعتبار هذا المنتدى الدولي، امتدادا لما جاء سواء في قمة الدوحة أو في حوار المنامة، وأيضا في لقاءات دولية عديدة عقدت في الفترة الأخيرة، على ضوء التحديات المطروحة على الساحة الإقليمية والدولية اليوم، والتي تبدأ بالمحادثات الدولية حول النووي الإيراني مرورا بالمؤامرات الخارجية على أمن دول الخليج العربي وتتعمّق عند التهديدات الإرهابية التي تطال المنطقة عموما مع التوقّف عند الملف المصري، باعتبار أن “مصر تمثل عمقا استراتيجيا للعرب، والجميع يتطلّع لاستقرارها”، على حدّ تعبير رئيس وزراء البحرين، خليفة بن سلمان آل خليفة.

نظّم مركز “تريندز للبحوث والاستشارات” المنتدى الأول حول مستقبل أمن دول مجلس التعاون الخليجي، وحضره عدد كبير من المسؤولين الإماراتيين في الجهات الحكومية إلى جانب سفراء وخبراء في المجال العسكري والأمني والعربي والدولي، من أجل دراسة التوجهات الممكنة لمحاربة التطرف بالاستناد إلى المعطيات والوسائل المتواجدة على أرض الواقع.

كما بحث المنتدى إنشاء قاعدة للنقاش والحوار البناء حول قضايا التطرف في الشرق الأوسط، إضافة إلى تقديم فرصة لحكومات المنطقة للتعرف على إجراءات صناعة القرار الغربي في شأن مكافحة العنف والتطرف والخروج بتوصيات لتطوير السياسات والاستراتيجيات الحكومية، بغية الوصول إلى مستقبل آمن لشعوب المنطقة.

في هذا السياق، تحدث أحمد ثاني الهاملي، رئيس مركز “تريندز للبحوث والاستشارات”، موضحا أنه انطلاقا من أن المنطقة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج تشكل دورا بارزا في السلام العالمي، واليوم في ظروف متغيرة ومعقدة، ثمة مستجدات تطرح على طاولة منظومة الأمن العربي الشيء الذي استدعى عقد هذا المؤتمر لتقديم تحليل عميق لمضامين المفاهيم السياسية من قبل أصحاب الاختصاص.

ماهي أولى الخطوات؟

 

أنجز العمل خلال المنتدى على جلستين، أدارهما ريتشارد بيرتشل، أستاذ مشارك ومساعد من معهد ويلبرفورس في المملكة المتحدة. وتناولت الجلسة الأولى موضوع “السياسات الاستراتيجية”، وتدخل خلالها الجنرال بيتر بيتس، الرئيس السادس عشر لهيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، ومايكل ستول، الأستاذ في الاتصالات ومدير مؤسسة أورفيلا للدراسات القومية والدولية في جامعة كاليفورنيا، وطارق فهمي، رئيس الوحدة السياسية الاستراتيجية للمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط.

وتحدّث ريتشارد بيرتشل في مداخلته، عن الفرصة التي يمنحها المنتدى لمناقشة قضايا الأمن والتطرف بدءا من الموقع الجيوستراتيجي لدول الخليج، والانفتاح على الحلول الممكنة لكن بالمشاركة مع جميع دول العالم. وأكّد أن مواجهة الإرهاب يجب أن تقوم على منهجية كاملة تستبق الهجمات الإرهابية.

وتحدث الجنرال بيتر بيتس، القائد السابق للقيادة العليا لحلف الناتو، فقال: “لست ممثلا للحكومة الأميركية فأنا متقاعد منذ فترة. وما سأقوله هو من آرائي الخاصة، لكن مواجهة الإرهاب أمر يخص الجميع. ورغم أن كل واحد يرى الخطر من وجهة نظره الخاصة، إلا أن الإرهاب في النهاية خطر مشترك يهدد دولنا ونمط عيشنا. ويجب الاعتراف بأن حكومتي اقترفت بعض الأخطاء. إلا أنه من الضروري تعلم الدروس. فما من أمة أو دولة تستطيع أن تقوم بكل شيء بمفردها. وإن هدفنا هو تحرير شعوب العالم من خطر الإرهاب وهذا لا يعني أنه في استطاعتنا القضاء على الإرهاب.. نحن نسعى إلى إبقاء الإجرام تحت السيطرة وهو مؤشر للنجاح، ويمكن تحقيقه بوجود عناصر متكاملة أحدها الجانب العسكري، لكن بالطبع ليس من الصحيح أبدا وضع استراتيجية تقوم فقط على القتل. علينا أن نفهم البيئة الحاضنة للإرهابيين ونعمل على تفكيكها فكريا وثقافيا. لذا من الضروري أن نتحلى بالصبر”.

أيضا أشار الجنرال إلى لزوم أن تصغي الحكومات الغربية للمسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي. إذا ما أرادت المساعدة في حل الإشكالية التي ظهرت منذ زمن وستمتد إلى عقود أخرى، لأن حكومات الخليج أعرف بطبيعة العلاقات في منطقتها.

وقال: “لا أحد من الخارج عليه أن يقاتل من أجلكم أكثر مما عليكم أنتم أن تقاتلوا لأجل أنفسكم ولأجل بلدكم. وأنا أدرك الدعم الهائل الذي تلقته دولتي من الإمارات.. ولا بد من أن نطرح هنا سؤال: من هي الجهة التي يجب أن تتولى القيادة ومن الجهة التي يجب أن تكون داعمة؟”.

أي دور تلعبه مصر؟

 

في الفترة الماضية، أكّد مسؤولون خليجيون على أن “أمن الخليج هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن أمن مصر من أمن دول الخليج العربي، وهي الفكرة التي أكّد عليها بدوره طارق فهمي، خلال مداخلته في منتدى أمن دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تمحورت حول “التجربة المصرية في مواجهة الإرهاب والتطرف مع تداعيات الظروف في دول مجلس التعاون الخليجي”.

وبيّن فهمي في ورقته أنه وفي السنوات الأخيرة عادت العناصر الإرهابية إلى الساحة المصرية، ومع الانفتاح السياسي تولت القيادات الإسلامية الحكم. واعبتر أن فشل الإخوان أربك القيادات الأميركية في تعاملها مع الجماعات الإرهابية، الأمر الذي جعل مصر اليوم “تخوض حرب وجود” كما قال رئيسها عبدالفتاح السيسي.

وأضاف رئيس الوحدة السياسية الاستراتيجية للمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط أن هناك العشرات من الجماعات الإرهابية في مصر، بعضها خرج من عباءة الإخوان المسلمين. وقد برزت تصرفاتهم العدائية بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، وصدور قرار بحل حزب العدالة والتنمية الذراع السياسية لجامعة الإخوان المسلمين والتنظيمات العسكرية التي تنضوي تحت لوائها.

كما بيّن طارق فهمي أن المواجهة المصرية للإرهاب لم تقتصر على الخيار الأمني، ففي 3 أبريل 2014، وافق مجلس الوزراء على ضرورة تشديد العقوبات وأصدرت السلطات المعنية الكثير من القوانين والمراسيم التي من شأنها أن تجعل المواجهة أكثر حزما. كذلك ثمة مواجهة أخرى تقوم بها المؤسسات الدينية الرسمية ومنها مؤسسة الأزهر بنشرها للخطاب الديني المعتدل كردّ على الخطاب المتطرّف والمتعصب.

وأوضح أن التجربة المصرية في الوقوف في وجه الإرهاب تميّز بين الجماعات الإرهابية وجماعات الكفاح المسلح مثل المقاومة الفلسطينية في وقوفها في وجه الكيان الإسرائيلي.

وأضاء على فكرة أن داعش ليست حالة طارئة، إنما جاءت كنتيجة لمخطط يستهدف تقسيم المجتمعات العربية، وفي تقديره الإرهاب هو صناعة غربية.

وقال الخبير المصري: “المطلوب وضع استراتيجيات واضحة. وليس علينا أن نقف دائما مع الولايات المتحدة. نحن في المعسكر ذاته، لكننا نملك أهدافنا ومساعينا الخاصة. وبالتالي من المفترض أن نجهّز وسائلنا الدفاعية الخاصة. العالم العربي يواجه حرب وجود حقيقية مع التنظيمات الإرهابية”.

وفي إحدى مداخلاته، أكّد الفريق ضاحي خلفان، أنه كلما اهتز الأمن القومي المصري، اهتزّ الأمن القومي الخليجي. موصيا هذا المؤتمر بإيجاد تحالفات قوية مع الحكومة المصرية في مواجهة الإرهاب، إذا ما أردنا التطلع إلى أمن الخليج العربي.

علّق الدكتور مايكل ستول على ما سبق، بقوله: “علينا أن نفهم، ونحن نتحدث عن هذه المسألة، خطر الإرهاب على العالم. إننا نعرف الأحداث من خلال ما تعرضه أمامنا وسائل الإعلام، التي تقول ما تريدنا أن نعرفه وعادة ما تكون الحكومات المسؤولة عنها. لذلك من الضروري أن نعي هذه النقطة وأن نفهم الحدث العام بأكمله. متجاوزين وجهات النظر المحددة والمؤطّرة”.

وقال: “بالخطابين السابقين أي خطاب الدكتور طارق والجنرال بيتر، أجد أن ثمة وجهات نظر محلية، وأن حالات الإرهاب ليست بالضرورة نابعة من أيديولوجيات معينة، بل قد تكون نتيجة لظروف تاريخية تسببت في ظهور العنف. وأنا لا أبرر هذه التصرفات. لكن ما أريد قوله هو أنها ليست حالة موحدة المقاييس نتعامل معها. الحالة الوحيدة الجامعة والثابتة أننا ندين الجماعات الإرهابية المتطرفة وننبذ الإرهاب بكل تفاصيله وجوهه”.

 

كيف تأمن المجتمعات من شر التطرف؟

 

تناولت الجلسة الثانية من المنتدى، إشكالية “خطر الإرهاب” من خلال الضيوف: أدميرال جيمس ستافريدس، القائد السابق للقيادة العليا لحلف شمال الأطلسي، توماس ف. لينش الثالث، الخبير في معهد الدراسات الاستراتيجية الوطنية التابع لجامعة الدفاع الوطني في الولايات المتحدة الأميركية، وعبدالقادر فهمي، متخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الشرق الأوسط من الأردن.

وبالحديث عن الحرب على الإرهاب، لا بد من التوقف عند الوضع في العراق، الذي يعتبر المصدّر الرئيسي لإرهاب تنظيم الدولة الإسلامية، ففي عراق، ما بعد الغزو الأميركي، نشأت النواة الأولى لهذا التنظيم، وفيه نمت وتغذّت من الوفضى الأمنية والسياسة الإقصائية الطائفية لحكومة نوري المالكي، وجاءت الأزمة السورية لتعطيها دفعة قوية جعلت من هذا التنظيم أخطر المجموعات الإرهابية في العالم.

ومحددا أسباب وجود داعش في العراق، تناول عبدالقادر فهمي، مجموعة من الأسباب من بينها الممارسات التي قامت بها حكومة نوري المالكي وقبلها مراحل من الانشطار في الدين الإسلامي الذي تمّ تشويهه، حيث تركّز نشاط هذا التنظيم في المناطق السنية، بينما خلت منه المحافظات الشيعية.

وهنا أضاء على صعوبة القضاء عليه باعتباره ليس جيشا نظاميا بل مجموعة من الخلايا لا يمكن رصدها جميعا. أيضا أشار إلى نظرية الضد النوعي، والتي شرحها أن خطر العراق لا بد له من ضد نوعي أي مقاومة في الداخل، مؤكدا على أن الأمن يبدأ من الفرد ثم المجتمع ثم الدولة.

عبر السكايب، شارك توماس لينش بمناقشته للأمور التي تغذي الإرهاب، أسبابه ومصادره، الشيء الذي يفيد جميع الدول في وضع استراتيجيات وحلول بهدف القضاء عليه.

وعن مفهومه، يشرح: الإرهاب هو اللجوء إلى العنف من أجل تخويف الناس. وهو يتخطى مفهوم وجود مدنيين أبرياء. وإن أي جهة تمارس هذا التطرف هي جهة إرهابية لا بد من مواجهتها بكل الوسائل الممكنة. ونعترف أننا في الولايات المتحدة نواجه صعوبة حقيقية في تمييز مفهوم الإرهاب الداخلي، والدولة لا زالت تعمل على ذلك.

من جهته أجاب أدميرال جيمس ستافريدس، على سؤال حول التوصل إلى اتفاق مع إيران بخصوص قلق دول الخليج منها فقال: “أنا لا أثق في إيران.

ثم بيّن أن العلاقة بين مصر وتركيا، باعتبارها عضوا في حلف الناتو، تؤثر على السياسة العالمية ككل. خاصة وأن هاتين الدولتين تضمان عددا هائلا من السكان، يمكنه أن يكون محوريا وفاعلا في الحديث عن الإشكاليات الراهنة في المنطقة والعالم”.

وخلص أدميرال جيمس ستافريدس في نهاية مداخلته إلى عدة نقاط من شأنها أن تحد من جذور الإرهاب في المنطقة والعالم، وقد حدد هذه النقاط في: القوة العسكرية وضرب الموارد الاقتصادية للإرهابيين، عبر التحكم في العنصر المادي الذي يمولهم، والاندماج السياسي الذي يجب أن يشملهم؛ إلى جانب مهام اجتماعية توعوية، كنشر الأفكار المناهضة للإرهاب، ونبذ التطرّف بكل اتجاهاته.