حملة أرافقكم تحوّل حدث سيدني إلى دليل تعايش

12:19

2014-12-18

الشروق العربيحادثة سيدني الأخيرة، بقدر ما وفرت من أسئلة حارقة عن التمدد الجهادي خارج الفضاء العربي الإسلامي، فإنها قدمت أيضا درسا بالغا مفاده أن المواطن (في مفهومه العام) بإمكانه أن يعلو على الانتماءات الدينية والإثنية، إن لم ير في تعبيرات الإيمان الشخصية تناقضا مع إمكانيات الاتفاق في فضاءات وطنية أرحب.

التذكير بحادثة العاصمة الأسترالية، مفيد من زاوية أنه يوفر حيثيات الحدث وتفاصيله، التي أوحت للمجتمع الأسترالي، كما لبقية مسلمي العالم، باحتمال حدوث تداعيات مخيفة للحدث، خاصة في صلته بما يسود منطقة الشرق الأوسط، البعيدة، من ارتفاع في منسوب التشدد. حيث انشغلت كل وسائل الإعلام العالمية طيلة يوم الاثنين الماضي، بحادثة احتجاز مسلّح (تبين لاحقا أنه إيراني ويدعى هارون مؤنس) لعدد من الرهائن داخل مقهى في سيدني، وكانت حصيلة الحادث (حسب روايات الشرطة الأسترالية 3 قتلى أثناء اقتحام الشرطة للمقهى). الحادث اتخذ أبعادا سياسية ودينية حين أجبر المتهم البعض من الرهائن على رفع علم أسود يخص جماعات متشددة على إحدى النوافذ.

ما يهمنا هنا هو التقاط بعض تداعيات الحادث، طالما أن أطواره حظيت بتغطية إعلامية كبيرة، حيث أنتج حادث مقهى سيدني جملة تجليات ونتائج ذات بعدين: بعد ديني وآخر سياسي.

التفاعل الديني مع الحادث كان سريعا، وكان متعدد المصادر والمناشئ، إذ سارعت العديد من الجهات الدينية إلى التنديد بالفعلة، واعتبرت أنها لا تمتُّ إلى الدين الإسلامي بصلة، وأن رفع علم أسود يحيل إلى “جبهة النصرة” أو سواها لا يعد قرينة على تورط مسلمين أو ضلوع دوافع دينية في الأمر. في هذا الصدد شدد إبراهيم أبو محمد، المفتي العام للقارة الأسترالية على أن “ارتكاب جرائم بحق مدنيين، هو عمل مجرم، وغير أخلاقي، ومدان بالمرة، ونعتبره عملا لا يليق بمسلم لا حضارة ولا تاريخا ولا خلقا، ومن ثم نعتبره عملا إجراميا ضد أبرياء لا ذنب لهم”.

وأضاف أنه في كل أيديولوجية “هناك يمين ووسط ويسار، وهؤلاء هم القلة اليمينية التي تنتسب إلى الإسلام، وهو بريئ من أفعالهم”.

وعزز دفاعه عن الإسلام بأن “تعداد المسلمين في أستراليا يقاب المليون مسلم (من جملة 32 مليون ساكن)، وهؤلاء المجانين، لا يتعدون 15 أو 20 شخصا فقط”.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن إماما مسلما، وحاخاما يهوديا، وقسا مسيحيا، اجتمعوا الثلاثاء، لأداء صلاة مشتركة للرهائن، كل حسب صلاته، لإظهار التلاحم بين الشعب الأسترالي، و”الدعاء بتفريج هذه الغمة والفتنة على المجتمع الأسترالي”.

كما أدانت أكثر من 40 منظمة إسلامية أسترالية العملية وحاولت الفصل بين “الجرم” وبين “الدين”. حيث أكد في بيان أنّ “المجتمع الإسلامي يشارك مواطني سيدني صدمتهم التامة ورعبهم إزاء المشاهد غير المسبوقة التي تصدر من مقهى ليندت بساحة مارتن”.

وعبّر بيان المنظمات الإسلامية عن رفضه “أي محاولة لإزهاق حياة الأبرياء من أيّ إنسان، أو لزرع الخوف والرعب في قلوبهم. فهذا الفعل الدنيء لا يستخدم سوى للّعب في جداول أعمال أولئك الذين يسعون إلى تدمير النوايا الحسنة للشعب الأسترالي ولإحداث مزيد من الضرر والسخرية من الدين الإسلامي في جميع أنحاء أستراليا”.

استعراض هذه المواقف النابعة من المجتمع الإسلامي في أستراليا، يحيل على حالة من التخوف انتابت مجتمع المسلمين في القارة البعيدة عن بؤر التوتر الديني، من أن تنتج الحادثة موجة رفض لوجود المسلمين أو أعمال عنف ضدهم، ولذلك أكد عارف شاكر المتحدث باسم المفتي العام بأستراليا أنه تم فتح “الكثير من دور العبادة للمسلمين والمسيحيين واليهود وللمواطنين الاستراليين للتواصل والتلاحم، وللتأكيد على أن مثل هذه الأفعال لن تؤثر على الوحدة بين الشعب والنسيج المجتمعي”.

وأضاف شاكر أن “التطرف موجود في كافة الملل والمذاهب والديانات، وليس مقصورا على الإسلام وحده، ونعلم أن هناك يمينيين متطرفين من غير المسلمين قد يواجهون الجالية بأي أعمال، وقد رصدنا بعض هذه المضايقات، لكننا لم نتأكد منها بعد”.

مواقف الفعاليات والتنظيمات الإسلامية، وتنديدها بالفعلة ورفضها وصلها بالدين الإسلامي، لم تكن معزولة عن سياق مجتمعي استرالي عام رفض اتخاذ الحادثة تعلة لإدانة المكون الإسلامي في المجتمع الأسترالي، فمثلما شاركت فعاليات مسيحية ويهودية، في الصلاة على ضحايا الحادثة انطلاقا من كونها (الحادثة) مست المجتمع برمته، واعتبارا لعدم جواز تعميم آثار الفعلة على المسلمين، وفي هذا السياق انطلقت حملة تضامن واسعة النطاق مع المسلمين الأستراليين، كان عنوانها العام “أرافقكم”، وكانت دوافع الحملة؛ تأكيد التلاحم بين مختلف المكونات الدينية والإثنية للمجتمع الأسترالي، الذي تكون وفق مسيرة طويلة من الهجرات مختلفة الانتماءات الجغرافية والدينية.

منطلق الحملة كان التفاعل مع تخوف المسلمين من ردات فعل محتملة للحادثة، كأن تنتج مثلا ضروبا جديدة من الإسلاموفوبيا التي قد تترجمُ عنفا أو استفزازات لفظية.

وضعت الثلاثاء، قرب نصب تذكاري أعدّ على عجل، للرهينتين اللتين لقيتا حتفهما في المقهى، باقة زهور تحتوي كلمة “أرافقكم” للدلالة على استعداد غير المسلمين على مرافقة المسلمين في ابتكار وسائل لحمايتهم من استفزازات “عنصرية” قد تحصل.

“أرافقكم” كانت تعبيرا مجتمعيا على رفض اعتبار الحادثة فعلا دينيا أو وصلها بالإسلام. في هذا الصدد قامت ميريلا ريغو (مواطنة أسترالية) باختراق الجموع وعانقت سيدة مسلمة تعبيرا عن تضامنها، وقالت “فعلت ذلك من كل قلبي. أشعر بالتأثر لهؤلاء الأشخاص، واعتقد أنه من الواجب أن نثبت لهم أنهم ليسوا مسؤولين عن المأساة”.

كما أكدت مريم فيسزاده، العضو في منظمة “إسلاموفوبيا رجيتسر” التي تحصي الاعمال المعادية للمسلمين في استراليا أن “المأساة التي وقعت في سيدني وحدت الاستراليين، أيا كان انتماؤهم الإثني أو الديني”.

يضاف إلى كل ذلك أن الجهات الرسمية الأسترالية لم تتسرع في ربط الحادث بالإسلام ورفض رئيس شرطة الولاية التأكيد إن كان هذا العمل “حدثا مرتبطا بالإرهاب”، أما رئيس الوزراء الأسترالي توني أبوت فقد دعا إلى اجتماع لجنة الأمن القومي، التي تضم أعضاء الحكومة ومستشارين مكلفين بالقضايا الأمنية لمواجهة الوضع.

الثابت أن تداعيات الحادث، الدينية والسياسية، تتضافر لتنتج رؤية واحدة تخفف من وطأة الحادث وترجعه إلى بعده المواطني. الوطن بإمكانه أن يجمع مكونات دينية عديدة، وحالما يصاب الوطن أو يهدده خطب، فإن سائر المكونات تكون معنية بمفاعيل التهديد، وهذا ما عبّر عنه المجتمع الأسترالي بحملة “أرافقكم” ، الّتي كانت قرائن عملية على إمكان التعايش بين الاختلافات.