المغرب ودول الخليج: أصدقاء في التنمية ورفاق في السلاح

13:49

2014-12-17

الشروق العربيالرباط- ناقوس الإنذار الذي دقّه الخبراء محذّرين من تغلغل التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية، مستهدفة أكثر المناطق التي استعصى عليها اختراقها، وعلى رأسها المغرب، دفع الرباط إلى تبنّي استراتيجيات شاملة وبناء دفاعات متينة تعتمد على الأمن الذاتي الداخلي والاتفاقيات الثنائية والدولية بما يساعد على تحصين المملكة المغربية، اقتصاديا واجتماعيا، من ورم الإرهاب.

يقوم المغرب، الذي يساير تشريعه الداخلي كلّ الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب، بتقديم تقارير دورية إلى لجنة الأمم المتحدة لمحاربة الإرهاب. وفي هذا الإطار، ينخرط المغرب انخراطا كاملا عن قناعة في جهود التعاون متعدد الأطراف والثنائي لمكافحة الإرهاب بكل أشكاله؛ ويدعم كل المبادرات المتخذة في إطار المنظّمة الأممية في هذا المجال، ويساهم بشكل كبير في الجهود الرامية إلى اعتماد اتفاقية أممية شاملة لمحاربة الإرهاب.

وطوّر المغرب في إطار حربه الاستباقية على الخطر الإرهابي دينامية هامة مع شركاء له من مختلف دول المنطقة الأفرقية والعربية، وأيضا دول العالم، في التكوين وفي تقاسم المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري؛ من ذلك توطيد الرباط لعلاقاتها مع دول الخليج العربي في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة وأن المغرب يعدّ من البلدان المهددة على المدى الطويل من خطر هذا التنظيم، الذي ينشط في صفوفه أكثر من ألف مغربي.

وكان محمد حصاد وزير الداخلية المغربي، قدّر عدد المقاتلين المغاربة في صفوف داعش بـ “أكثر من 1122 مغربيا، ويرتفع العدد إلى ما بين 1500 و2000 مغربي إذا ما أضيف المغاربة الذين التحقوا بالتنظيم في سوريا والعراق انطلاقا من أوروبا”. و”من بين 1122 مغربيا يقاتل هناك، توفي أكثر من 200 منهم، ورجع 128 منهم إلى المغرب وألقي القبض عليهم وفتح تحقيق معهم”.

هذا التهديد، فرض على المغرب، الذي ظلّ حجر عثرة أمام اكتمال اجتياح التنظيمات الجهادية للمنطقة الأفريقية، تكثيف الحصانة ضدّ هذا السرطان الذي نجح في التوالد، مستغلّا الظرف الأمني السيئ في بلدان الشمال الأفريقي والصراعات المتواصلة في الجنوب.

هذه الحصانة تحدّثت عنها الباحثة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فيش ساكثيفل، في دراسة خصّت بها العلاقات بين المغرب ودول الخليج العربي والتعاون الشامل بينهما في إطار الحرب على الإرهاب، وحماية المغرب من خطره، وهو البلد الوحيد الذي لم ينجح المتطرّفون في الوصول إليه، نظرا لأنه لم يكن ضمن منظومة ما بات يعرف بـ”الربيع العربي”، وحدوده محصّنة ضدّ أي هجوم محتمل. رغم أن المملكة المغربية شهدت هجمات إرهابية في فترات سبقت “الربيع العربي”، على غرار تفجيرات الدار البيضاء 2003.

 

ما تأثير التعاون المغربي الخليجي؟

 

تنطلق فيش ساكثيفل في دراستها من خبر مفاده أن المغرب أعلن، مؤخّرا، أنه سيرفع من دعمه العسكري والمخابراتي للإمارات العربية المتحدة من أجل تكثيف مشاركته في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وهذا أمر ليس مفاجئا نظرا لأن المغرب كان هدفا لتهديدات هذا التنظيم، فضلا على أنه حريص على إبقاء موقفه كشريك عربي موثوق به ومستفيد من تمويلات من الولايات المتحدة والدول الخليجية في محاربة الإرهاب. ومن الناحية التقنية يعتبر المغرب طرفا في الائتلاف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” المكون من ستين بلدا، لكنه مدرج في قائمة تضمّ البلدان التي ليس لها مهمة محددة، مثل تونس والبرتغال والمكسيك وغيرها.

فضلا عن العلاقات مع الولايات المتحدة –التي أعطت تزكيتها للاتفاقية المغربية الإماراتية نظرا لتنسيقها مع الدول الخليجية ضد تنظيم الدولة الإسلامية– يبدو الاتفاق خطوة طبيعية إذا ما أخذنا في الاعتبار الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية السابقة بين المغرب والخليج. وإضافة إلى الروابط المالية، تجمع المغرب روابط أيديولوجية مهمة مع دول الخليج العربي.

وقد أتت هذه المعاهدة العسكرية على إثر دعوة مجلس التعاون الخليجي المملكتين العربيتين، المغرب والأردن، إلى الانضمام إلى حلف عسكري في الربيع الماضي. وفي أحيان كثيرة ساندت كل من المغرب والأردن وبلدان مجلس التعاون الخليجي (باستثناء قطر) بعضها البعض بهدوء في اجتثاث العناصر المخرّبة والتي كانت تهدد أمن هذه البلدان واستقرارها.

وكان مجلس التعاون الخليجي قد عمد في سنة 2012 إلى توسيع مساعداته إلى حزم بقيمة خمسة مليار دولار للمغرب والأردن، بعد أن قدّم مساعدات اقتصادية على إثر الانتفاضات العربية في سنة 2011.

وبينما يقول بعض المحللين إن هذه المساعدات تأتي في إطار حماية الانتماء السني والحفاظ على الملكيات العربية الشقيقة إلى جانب التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة، يؤكّد آخرون أن الاعتبارات الاقتصادية تزداد أهمية في علاقة بلدان الخليج بالمغرب، وهي أهمية ضرورية في الاستراتيجية المغربية للحرب على الإرهاب، والتي تقوم على التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ فاجتثاث التطرف يكون من جذوره عبر التنمية والتعليم وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

ماهي ملامح خطة المغرب ضد الإرهاب؟

 

هذه الاستراتيجية الداخلية لا يمكن أن تنجح بمعزل عن التواصل مع الخارج والتحالفات الدولية لمحاربة الأيديولوجيات المتطرفة الظلامية، بالتوازي مع مساهمة المملكة في الجهود العالمية للتصدي للإرهاب. ويبدو أن تنامي الدور المغربي في الحملة الخليجية والدولية ضد الدولة الإسلامية يندرج في إطار الاستجابة لهذه الاستراتيجية.

بالتوازي مع مساهمة المملكة في الجهود العالمية للتصدي للإرهاب، قام العاهل المغربي، الملك محمد السادس، بزيارة إلى بلدان مجلس التعاون الخليجي في نهاية سنة 2012، لحشد الدعم للاقتصاد المغربي. وقد استثمرت الإمارات العربية المتحدة وقطر بالخصوص بكثافة في المغرب، خاصة في العقارات والسياحة، لكن الرباط تتفق أكثر مع أبوظبي في المسائل الأمنية والسياسية التي تخص موضوع الإخوان المسلمين مقارنة بالدوحة التي تزعزعت العلاقات معها بسبب دعم قطر للأحزاب الإسلامية والخلافات حول تغطية قناة الجزيرة، غير الموضوعية، لقضية الصحراء المغربية.

في ذات الوقت لدى المملكة العربية السعودية طريقتها الخاصة في التعاون مع الرباط. ومنذ زمن طويل والمملكة العربية السعودية تمد المغرب بالنفط والاستثمارات ومواطن العمل مما ساعد الرباط على التخلص من تبعيتها للاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا. وقد ردّ المغرب على المساعدة السعودية بالمثل، وفي أغلب الأحيان بالمساندة الأيديولوجية والعسكرية مثلما حصل في سنة 1991 مثلا عندما أرسل جنودا إلى السعودية أثناء عملية عاصفة الصحراء. وقد أرسل المغرب قوات خاصة إلى الحدود السعودية مع اليمن إبان الحرب التي خاضتها الرياض مع جماعة الحوثيين عام 2009 بعد أن طلبت السعودية من الحكومة المغربية إمدادها بدعم عسكري عاجل.

وفي إطار الاتفاقية مع الإمارات أكّد وزير الشؤون الخارجية والتعاون، صلاح الدين مزوار، أن المغرب يتوفر على مخطط لليقظة ويقف إلى جانب حليفه الإماراتي في إطار مكافحته للإرهاب.

وأبرز مزوار أن المغرب “سيحدد طبيعة الدعم الذي سيقدمه في إطار هذه العملية التي تأتي إثر العديد من اللقاءات التنسيقية وسيتم تنفيذها بقيادة الإمارات العربية المتحدة”، مشيرا إلى أن هناك “مسلسلا جاريا للتنسيق مع العديد من دول الخليج، وأن المغرب مستعد لتحمل مسؤولياته في تقديم الدعم الضروري للبلدان الشقيقة والصديقة”.

وأكد وزير الخارجية المغربي أن التنسيق الأمني بين المغرب ودول الخليج العربي موجود، ويجري في سياق الشراكة الاستراتيحية التي تجمع المملكة المغربية ودول مجلس التعاون الخليجي منذ سنة 2011. وقد دعمت التحديات الأمنية المشتركة والرهانات المتقاطعة، من هذه الشراكة. وفي ذات السياق أكّد الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي، أنه من “الواجب التذكير أنه سبق وتم ذكر المغرب بالاسم كبلد مستهدف من طرف المنظمات الإرهابية.

ولهذا، فإن مخططه لليقظة الداخلية وعمله التضامني مع بلد شقيق يندرجان في إطار مساهمته الفاعلة في مكافحة الإرهاب في مواطن نشأته وبؤر تمركزه وتطوره”.

وحسب وزارة الخارجية المغربية ليست الاتفاقية الأمنية مع الإمارات مبادرة جديدة، لكنها تندرج ضمن الاستراتيجية الحكومية السابقة في مكافحة الإرهاب المعروفة بعملية “حذر” التي تتضمن نشر قوات الأمن والشرطة والعسكر في كافة أرجاء البلاد لمراقبة أي نشاط إرهابي داخلي محتمل والإبلاغ عنه ومنع حصوله.

وتشهد العلاقات الثنائية بين المغرب والإمارات تقدما على أكثر من صعيد، حيث يربط البلدين عدد من اتفاقيات التعاون في مجالات عسكرية واقتصادية وثقافية، من بينها اتفاق للتعاون في المجال الأمني أبرم بين البلدين سنة 1992، وآخر للتعاون العسكري وُقّع سنة 2006.

كما تحتلّ الاستثمارات الإماراتية صدارة الاستثمارات العربية في المغرب، الذي يعد من بين اكثر الدول العربية التي اكتوت بنار الإرهاب في عدة مدن استراتيجية كمراكش والدار البيضاء ومكناس. وكان متوقعا أن تدعم المؤسسة السياسية المغربية المبادرة الأمنية الخليجية الأخيرة ضد الدولة الإسلامية. وفي حين كانت الأحزاب الإسلامية تاريخيا منتقدة لمشاركة المغرب في حملات بزعامة غربية أو خليجية ضد الإرهاب بحجة الهيمنة الأجنبية، لم يكن متوقعا أن يثير حزب العدالة والتنمية مثل هذه المشاعر خشية أن ينعت بأنه مساند لتنظيم الدولة الإسلامية.

وبالفعل، اصطف حزب العدالة والتنمية إلى جانب المملكة في مواقف السياسة الخارجية منذ تقديمه طلب الرخصة القانونية في بداية التسعينات ومن المؤكد أنه سيدفع منخرطيه ومؤيديه لفعل الشيء نفسه.

 

ما هو الحل الأمثل؟

 

اليوم، بات تهديد المتطرّفين أكثر خطورة في محاولة لاختراق الثغرة المغربية التي تعيق تواصل السلسلة الإرهابية، مستغلّة مخيمات تندوف وتعنّت جبهة البوليساريو أمام حلّ أزمة الصحراء المغربية.

رغم ذلك، تؤكّد فيش ساكثيفل، أنه ليس هناك تهديدا على المدى القصير بتوسع الدولة الإسلامية إلى الأراضي المغربية، لكن المشكل الحقيقي يكمن في العدد المثير للقلق من المغاربة الذين ذهبوا للقتال مع التنظيم في سوريا والعراق. لذلك من المحتمل أن يكون تبادل المعلومات الاستخباراتية أكثر فائدة من الدعم العملياتي أو نشر الجنود بالنسبة إلى الأمارات العربية المتحدة أو الخليج.

وبالنسبة إلى كثير من المغاربة بإمكان مجهودات الدولة في انتهاج سياسة “الإسلام المغربي المعتدل” وسياسات “صفر تسامح” مع الإرهاب أن تدرأ الهجمات الداخلية، لكن ذلك يكون بالتوازي مع معالجة المناخ الاقتصادي والاجتماعي الأصلي الذي دفع الآلاف من الشباب إلى السفر للقتال في العراق وسوريا.

وبينما تسلط التغطية الإعلامية المغربية الضوء على نجاح الدولة في إحباط خلايا متمركزة في سبتة وفاس وطنجة، فعلى الحكومة أن تجري بحثا عميقا وجذريا لفهم الدوافع التي تقف وراء تجنيد الجهاديين، إذ يعتقد الكثير من المراقبين بأن الأمر لا يتعلق فقط بالأيديولوجيا التي تدفع المغاربة للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية، لكن أيضا بالأجر والمغانم الأخرى من الحرب نتيجة الفقر والبطالة. لكن يبقى هناك نقص في المعطيات التجريبية الصلبة حول محفزات هذا النوع من الهجرة.

وترى فيش ساكثيفل، التي عاشت في المغرب ثلاث سنوات وتعد أطروحة حول ” الإسلاموية في المغرب المعاصر”، أنه من المفترض أن يكون ملء هذا الفراغ المعرفي حول أسباب جذب الإسلام الجهادي للمغاربة أولوية لدى حكومة متحمسة لمحاربة الإرهاب بحزم في الداخل والخارج.

من هنا يتمثل أحد العناصر الأساسية لأي خطة استراتيجية لمكافحة الإرهاب في فهم الدوافع التي تكمن وراء عدم الرضا، بما في ذلك المناخ الاقتصادي الذي يؤدي إلى مثل تلك الهجرة المرتفعة.

وحتى في الوقت الذي ترسل الرباط وفودا إلى الخارج لحشد الدعم لبرامجها الأمنية وتقديم المغرب على أنه محصن ضد الإرهاب يبقى السؤال التالي قائما: لماذا يعد المغرب أكبر مصدر للجهاديين في العالم العربي بعد السعودية وتونس.