الطبقة الوسطى انتفضت جراء الاستبداد فهمشها 'الربيع العربي'

13:45

2014-12-17

الشروق العربيبيروت - طرح تقرير بعنوان “الطبقة الوسطى في البلدان العربية: قياسها ودورها في التغيير” أعدّته، مؤخرا، لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “إسكوا”، مجمل التعريفات المتعلقة بالطبقة الوسطى، قصد مناقشة السياسات التي يمكن أن تؤدّي إلى توسيع هذه الطبقة وتمكينها من أجل تحقيق مجتمعات تنمو بشكل عادل، مسلّطا الضوء على الحراك الذي خاضته هذه الطبقة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد ما سُمّي بـ”الربيع العربي”.

كانت موجات الأمل في التغيير الذي عمّ مناطق عدّة من المنطقة العربية في العام 2011، ناتجة عن صحوة الطبقة الوسطى التي أدركت أن المقايضات الّتي عاشت عليها لفترة طويلة لم تعد كافية للوفاء بوعد حياة أفضل، ولكنّ الانتفاضات الشعبية الواعدة سرعان ما غاصت في الفوضى وخيبات الأمل، حتى أنّها في غالب الأحيان أضحت تطمح إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه في بعض البلدان. ويبدو أنّ السبيل الوحيد لضمان استدامة التوجّه إلى الأمام ورسم مستقبل مختلف لهذه المنطقة من العالم، هو إشراك الطبقة الوسطى في رسم ملامح هذا المستقبل.

وفي هذا السياق، يَعتبر تقرير الـ “إسكوا” أنّ الطبقة الوسطى تملك المفاتيح الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للتحولات التي طال انتظارها، لأنّها الكفيلة بتحقيق السلام والازدهار الحقيقيّين.

 

أين تكمن أهمية الطبقة الوسطى؟

 

قد يبدو من غير الواقعي في هذه المرحلة اقتراح خطة إصلاحية تأخذ الطبقة الوسطى بعين الاعتبار، ولكن ما ساد حتّى الآن من سياسات مُعيقة للتنمية وبالتّالي غير مراعية للطبقة الوسطى، قد أدى إلى نشوب نزاعات. فقد بدأ الانهيار في بلدان عربيّة عدّة بسبب العجز عن قراءة التغيّرات الحاصلة في تطلّعات الطّبقة الوسطى والاستجابة لها.

وفي هذا السياق، اعتمد تقرير الـ “إسكوا” نهجا جديدا، من خلال تقديم دراسة غير مسبوقة عن المنطقة العربية من منظورالطبقة الوسطى مبرزا دور “المهدّئ الأساسي” الّذي يقوم به مواطنُو هذه الطبقة. فقد عُرفت هذه الطّبقة في كلّ أنحاء العالم بأنّها المحرّك الرّئيسي للتّجارب الإنمائية النّاجحة، والعمود الفقري للديمقراطية واقتصاد السوق، ومحور التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي، ولكنّها في البلدان العربية لم تنل ما تستحقّه من دراسة ولا حتّى تعريفها.

وهذا ما تولاّه التّقرير باستخدام طريقة مبتكرة للقياس تدمج المعايير الاقتصادية والاجتماعية، وبتحليل أوضاع هذه الطبقة منذ الشروع في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي في تسعينات القرن الماضي، وعلاقتها بعجز المنطقة عن إرساء الحكم الديمقراطي.

وفي إطار السعي إلى مساعدة المنطقة في التفاوض بشأن تعقيدات التحوّل، يقدّم التقرير مدخلا رئيسيا لنموذج إنمائي جديد يشمل جميع المكوّنات الاجتماعية، ويتمحور حول إنتاج طبقة وسطى متمكنة في إطار دولة إنمائية ديمقراطية. فمَنحُ الفرص والحريات التي تحقق ازدهار الطبقة الوسطى كفيل بتحسين فرص الوفاء بالوعود المقطوعة لكل المواطنين العرب والاستجابة لآمالهم.

 

ما الذي أدى إلى الانفجار؟

 

حتى وقت قريب، لم تصدر أي مطالب سياسية حقيقية عن الطبقة الوسطى التي شكلت ما يقارب نصف الشعوب العربية وموردها الاقتصادي الأكبر. فقد ساهمت الخدمات العامة والإعانات السخية المغدقة طوال عقود في مساعدة السكان على الخروج من الفقر وزيادة الرفاه وتوسيع حجم الطبقة الوسطى.

وأدت التحسينات الكبيرة التي أجريت في مجالي التعليم والصحة إلى زيادة التحصيل العلمي لشريحة كبيرة من هذه الطبقة، كما ضمنت سياساتُ الدولة فُرصَ العمل للمتخرّجين من الجامعات والمـدارس الثــانويّة.

وقد قبِل غالبيّة أفراد الطبقة الوسطى بهذه “المقايضة السّلطوية”، حيث كانوا يستفيدُون من السّياسات الحكومية وينعمون بقدر مقبول من الاستقرار مُقابل التّنازل عن الحريّات والمشاركة السياسية.

وكان هذا النموذج مختلفا تماما عما كان سائدا في مناطق أخرى من العالم، حيث أنتجت الديناميات الاقتصادية طبقات وُسطى أعادت النّظر في الوضع القائم ودفعت باتّجاه التغيير وسعت نحو إرساء الديمقراطية والمساءلة. ولكنّ “المقايضة السلطوية” كانت لها مدة صلاحية، وحين استنفدتها أدرك أفراد الطبقة الوسطى المتعلمون أن بلدانهم تفتقر إلى النظم السياسية والاجتماعية.

فالوظائف الجيدة التي كانت وفيرة تضاءلت مع الوقت وتدهورت نوعية التعليم والرعاية الصحية وزادت تكلفتهما، ولم تعد السياسة الإنمائية موجهة نحو التنمية الاقتصادية بل نحو ضمان الدعم السياسي في المدى القريب.

وانتشرت شبكات المحسوبية التي عملت لصالح مجموعات معيّنة على حساب مجموعات أخرى، وهو ما أدى إلى زعزعة التماسك الاجتماعي وبث الفرقة.

وفي غياب الحريات السياسية، لم يكن من السهل التعبير عن الاستياء والمطالبة بالتغيير، فتراكم الإحباط حتى انفجر.

 

من هم أفراد الطبقة الوسطى؟

 

من بين الأهداف الرئيسية التي ركّز عليها تقرير الـ “إسكوا”، هو أن يحظى تعريف أفراد الطبقة الوسطى بحيز كبير، وذلك كخطوة أولى باتجاه استكشاف الطرق الكفيلة بالاستفادة من طاقاتها، خاصة أنّه إلى حدود الآن لا يوجد إجماع على تعريف هذه الطبقة، ومازال فهمها يقتصر على مفهوم عامّ يَعتبر أنّ تحديد الطبقات الاجتماعية يقوم بشكل أساسي على معرفة مدى ما يملكه الأفراد من خيارات في طريقة إنفاق ميزانية الأسرة.

من جهة أخرى، ترتكز الطرق التقليدية المتبعة في تحديد مَن يعيش الفقر، بشكل أساسي، على ما ينفقه الفرد في اليوم لتلبية الحاجات الأساسية، فمَن ينفق أقل من مبلغ محدد يكون من الفقراء، ومن ينفق أكثر لا يكون فقيرا. ولكنّ المسألة تزداد تعقيدا عندما يؤخذ في الحسبان حجم الاستهلاك ونوعه في آن واحد، على سبيل المثال، أين تنتهي حدود الطبقة الوسطى وأين تبدأ حدود الطبقة الميسورة؟

في هذا الإطار، يُقدّم التقرير نهجا للقياس يدمج التعريفين الاقتصادي والاجتماعي، فالتعريف الاقتصادي يأخذ في الحسبان نوع الإنفاق الأسري وحجمه في آن واحد. وهكذا، ينتمي إلى الطبقة الوسطى كل مَن يستطيع تلبية كل حاجاته الأساسية، و ينتمي إلى الطبقة الميسورة كل مَن ينفق على السلع والخدمات غير الأساسية ما يفوق خطّ الفقر الوطني. أمّا التعريف الاجتماعي فيصنّف الطبقة الوسطى على أساس مجموعة من المواصفات الاجتماعية بغضّ النظر عن مستوى رفاهها المادي. وهكذا، ينتمي إلى الطبقة الوسطى كل مَن يعمل في القطاعين العام والخاص النظاميّين في فئة الوظائف المكتبية.

فيم تسببت التعديلات الهيكلية؟

 

بدأ نظام المقايضة السلطوية بالانهيار في التسعينات عندما شرعت الحكومات بإجراء تعديلات في هيكلية الاقتصاد. آنذاك، اعتمدت الحكومات في كل أنحاء المنطقة، لا سيما في البلدان غير النفطية، إصلاحات اقتصادية لمواجهة الضغوط المالية المتزايدة. وكانت الطبقة الوسطى هي التي تحمّلت وطأة هذه التغييرات من دون تعويضات ملائمة، إذ قلصت الدولة الإعانات وخفضت الإنفاق العام وعمدت إلى خصخصة العديد من مؤسساتها وتحرير التجارة.

ومن أبرز التدابير المتخذة في إطار التعديلات الهيكلية، تجميد التوظيف في القطاع العام والتعاقد مع عاملين مؤقتين لأداء الخدمات العامة، وهو ما أدى إلى إحباط شباب الطبقة الوسطى الذين يتطلعون إلى وظائف حكومية ثابتة وأجور لائقة. وكانت الفرص الأخرى المتاحة لهم قليلة جدا.

من جهة أخرى، فقد أجريت الإصلاحات في ظل أنظمة غير ديمقراطية وخدمة لمصالح بعيدة كل البعد عن الأهداف العالمية للتنمية. فعمدت هذه الأنظمة من جهة، إلى اتخاذ إجراءات لتفادي الاضطرابات الاجتماعية، ومنها الإبقاء على الإعانات التي تستفيد منها الطبقة الوسطى والفئات الميسورة، ومن جهة ثانية إلى إجراء إصلاحات تجارية لا تعدو كونها تجميلية واعتماد سياسات للخصخصة ساهمت أكثر في ملء جيوب النخبة أكثر مما ساهمت في إنعاش الاقتصاد. ونجحت شبكات المحسوبيات التي عظم شأنها في عقود المقايضة السلطوية، في جعل القلة القليلة من السكان تستحوذ على معظم المكاسب.

 

هل كانت التداعيات متوقعة؟

 

أسفرت الضغوط التي فرضتها الإصلاحات طوال سنوات في نهاية المطاف عن اندلاع الاحتجاجات في عام 2011، ولكن التحركات التي حملت معها آمالا كبيرة للطبقة الوسطى في البداية سرعان ما ولدت نزاعات مدمرة في بعض البلدان حصدت المكاسب التنموية التي كابدت البلدان مشقة تحقيقها طوال عقود من الزمن.

وحسب التقديرات المعتمدة في هذا التقرير، يقارب حجم الطبقة الوسطى 54 بالمئة من مجموع السكان في المنطقة، ولكن بعد أخذ تداعيات الأزمات في كل من سوريا واليمن في الاعتبار لدى قياس حجم هذه الطبقة، تقلصت إلى 33 بالمئة من مجموع السكان العرب في عام 2011. أمّا الفئات الفقيرة والمعرّضة للفقر فتشكل حاليا 43 بالمئة من مجموع السكان.

وقُدر الثمن الاقتصادي للنزاع في سوريا وحدها بما يناهز 251 مليار دولار أميركي في نهاية عام 2013، وقد يتخطى الثمن ضعف هذا المبلغ إذا ما أضيفت إليه قيمة الخسارات التي تكبدتها ليبيا ومصر واليمن. أمّا الثمن البشري والتداعيات الآجلة في سوريا التي كان التعليم فيها في متناول الجميع، فتتمثل في ازدياد عدد الأطفال في مناطق النزاع الذين يبلغون الثامنة من العمر من دون أن يكونوا قد أمضوا يوما واحدا في المدرسة.

هذه الاتجاهات مثيرة للقلق من جوانب عدة، فهي لا تزعزع استقرار الطبقة الوسطى في المدى المنظور فحسب، بل تقضي على ما تملكه هذه الطبقة من قدرة على توجيه عملية التحول نحو المجالات المنتِجة وعلى كبح الظواهر الاجتماعية المدمِّرة. وما يزيد الطين بلة النقص المزمن في مقومات الحكم السليم وافتقار المؤسسات إلى الإمكانات التي تسمح لها بتخفيف التوتر وحشد التأييد الاجتماعي وقيادة العملية الإنمائية.

 

هل من ناحية إيجابية؟

 

من الناحية الإيجابية، بلغت المنطقة نقطة تحوّل، فالطبقة الوسطى تريد نظاما اجتماعيا واقتصاديا قائما على الجدارة وسلطة القانون، حيث يكون الدخول إلى عالم الأعمال أوالقطاع العام مشروطا بالكفاءة والمؤهلات وليس بالعلاقات السياسية. والطبقة الوسطى معروفة عامة بأنها تقدِّر الحريات الشخصية والمؤسسات الديمقراطية. وهي بخلاف الطبقة الميسورة تميل إلى تفضيل الديمقراطية على القائد القوي أو الحكم العسكري.

وهذا ما أكدته نتائج المسح العالمي للقيم، أو الذي أظهر أنّ الغالبية العظمى من أبناء الطبقة الوسطى مهتمون بالسياسة وأن اهتمامهم هذا يزداد مع الوقت. لكن هذه القناعات تعترضها صعوبات شائكة تمس عملية التحوّل في بلدان عدة، فتجد الطبقة الوسطى نفسها مضطرة إلى اختيار الحفاظ على الأمن على حساب حرية التعبير والأخذ برأيها في صناعة القرارات الحكومية الهامة. وعندما يُطلب من أفراد هذه الطبقة ترتيب أفضلياتهم، فهم يعتبرون أن الاستقرار وتدني مستوى التضخم أهم بمقدار مرتين من المشاركة في عمليات صنع القرار والتمتع بحرية التعبير.

وعلاوة على ذلك، بات هؤلاء يميلون أكثر فأكثر إلى تفضيل القائد القوي. فهل من المعقول أن هذه الطبقة ما زالت تفضل المقايضة السلطوية؟ أم أنها ترى أن الاستقرار اليوم يمهد إلى الديمقراطية الناجحة في ما بعد؟

 

كيف يمكن أن تتحقق التنمية العادلة؟

 

لا شك أن الوضع الذي آلت إليه عمليات التحول حتى الآن مؤسف، ولكن المنطقة تستند إلى تاريخ غني وتزخر بإمكانات بشرية هائلة، وهذا ما يساعد على ترميم الآمال المكسورة. فمن الممكن تحقيق النمو والتنمية الشاملة للجميع والاستقرار السياسي بتمكين الطبقة الوسطى من خلال بلورة عقد اجتماعي جديد يكون شاملا ومبنيا على نموذج إنمائي يضمن فرصا متساوية في رفاه العيش ويحقق الاستقرار ويرقى إلى تطلعات المواطنين، وفق ما جاء في التقرير. وهذا التقدم يتطلب إصلاحات اقتصادية وسياسية كفيلة بتوليد فرص العمل اللائق وتوفير الحماية الاجتماعية وإرساء مقومات الحكم الرشيد.

وتقضي الرؤية المطروحة في هذا التقرير باعتماد نموذج إنمائي جديد يجمع بين الطبقات الوسطى والمعرّضة للفقر والفقيرة في تحالف ديمقراطي وفق أجندة واضحة وعملية. وقد يشكل الشعار “إعانات للفقراء وعمل لائق للطبقة الوسطى” نقطة انطلاق جيدة في مسار التحول الذي ينبغي أن يهدف إلى حماية الطبقة الوسطى من الانزلاق إلى الفقر وفي الوقت نفسه العمل على توسيعها من خلال مد الطبقتين المعرّضة للفقر والفقيرة بما يساعدهما على الصعود.

ومن المسلّم به أن ما من حزمة سياسية واحدة قابلة للتطبيق في كل البلدان العربية، ولكن أيا من التغييرات التي يقترحها هذا التقرير لا يمكن أن يُكتب له النجاح من دون إصلاحات سياسية.

والمستقبل المشرق الذي يطمح إليه المواطنون العرب رهين لتغيير ثوري لنظم الحوكمة، وكذلك لتفكيك نظام المقايضة السلطوية البالي، حيث لم يعد جائزا استعمال السياسات الإنمائية كأدوات لتحقيق مآرب سياسية.

وحيث أنّ دور الدولة سيبقى نافذا على الأرجح في هذه المنطقة نظرا إلى معطياتها التاريخية، ينبغي إذا أن تركز الدولة على توفير فرص عمل وخدمات لائقة، وإنعاش الاقتصاد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويمكنها الاستفادة في مساعيها من التجارب الناجحة التي مرّت بها بلدان نامية أخرى.

خلاصة القول، إن الطبقة الوسطى اليوم بحاجة إلى التمكين وليس إلى الصَدَقة، فلم يعد مواطنو الطبقة الوسطى اليوم بحاجة إلى الصَدَقات المتمثلة في الإعانات وغيرها من أشكال الدعم التي توفرها الحكومة، بل يريدون وظائف جيدة وفرصا للانخراط في الأعمال تمكِّنهم من النجاح من تلقاء أنفسهم. ويمكن للمنطقة العربية التي ما زالت الأقل تكاملا في مجالات التجارة والاستثمار أن تكتسب مكانة أقوى في العالم إذا ما استكملت إجراءات التكامل. وفي هذا الإطار، ينبغي لأي مشروع تكامل اقتصادي إقليمي أن يولي الاهتمام بمشاريع الاستثمار العربية وتوفير فرص العمل والحد من التفاوت في التنمية.