خلايا الإرهاب والتطرف الإسلامي تنقل المعركة إلى قلب أوروبا

13:33

2014-12-17

الشروق العربييجمع المحللون على أن ثمار “الربيع العربي” الذي بدا واعدا بعد عقود من سيطرة الأنظمة التسلطية على دول عديدة في الشرق الأوسط، لا تزال غير ناضجة، ما أصاب بالإحباط شرائح واسعة من شعوبها لجأت إلى التعصب للتعبير عن هذا السخط. وقد كانت المنظمات الإسلامية المتطرفة في أوروبا من أهم الوسائل التي من خلالها تم تجنيد الإرهابيين للقتال في سوريا والعراق، فأصبح إلقاء نظرة على هذه التنظيمات أمرا مهما.

على مدار العقدين الماضيين، تزايدت أعداد المسلمين في أوروبا الغربية باطراد نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول العالم النامي. فقد ارتفعت من أقل من 10 ملايين مسلم في العام 1990 إلى ما يقرب من 17 مليون نسمة في 2010، وهذا النمو المستمر في أعداد المسلمين في أوروبا يثير مجموعة من المسائل السياسية والاجتماعية والأمنية، خاصة عند الحديث عن النشاط التنظيمي الإرهابي الذي تقوم به المجموعات الإسلامية في أوروبا.

والنواة الأولى للجماعات الإسلامية الناشطة في عدد من دول أوروبا الغربية هي “جماعة الإخوان المسلمين” التي اكتسحت العديد من المجالات الجمعياتية والثقافية والسياسية في “القارة العجوز” منذ أواسط القرن الماضي. ويعود انتشار جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا لفترة الخمسينات من القرن العشرين حين تعرض أعضاء الجماعة للاعتقال بعد حملتهم ضد نظام عبدالناصر، فهاجر كثير منهم إلى دول عربية وأوروبية خاصة فرنسا وإنكلترا وألمانيا وسويسرا، وقد أدركت المجموعات المهاجرة منذ البداية أن إقامتها في أوروبا ستستمر لفترة طويلة، لذا فقد سعوا إلى تنظيم أنفسهم وفق مبادئ الجماعة الأصلية، ونتج عن ذلك نشأة العديد من المنظمات الإسلامية القائمة على فكر الإخوان مثل الاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية، ورابطة مسلمي إنكلترا، والجماعة الإسلامية في ألمانيا، واتحاد الهيئات الإسلامية في إيطاليا التابع للإخوان المسلمين.

وقد أقام في أوروبا الغربية العديد من الوجوه الإسلامية والقيادات الحركية المعروفة من بينهم كمال الهلباوي وسعيد رمضان وراشد الغنوشي، وتتجمع أهم المنظمات التابعة للإخوان المسلمين في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، والتي تتخذ من بروكسل مقرا لها، وتتمثل أهدافها المعلنة في تعزيز الإسلام بوصفه دينا لعدد مهم من المسلمين في أوروبا وداعما للجالية المسلمة فيها، وتشجيع المسلمين على المشاركة في المجتمع الأوروبي، لكن الأهداف المضمرة والحقيقية فعلا هي تركيب جهاز معقد من شبكات الإسلاميين ورجال الأعمال وبؤر المال في إطار التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. وقد تطورت بعض تلك الشبكات لتصبح الآن أحد أهم المنابع التي تغذي سوريا والعراق وأفغانستان بالمقاتلين.

وقد أثمرت تنظيمات الإخوان المسلمين المعقدة في أوروبا مجموعات من الشباب (من الجيل الثالث المولود في أوروبا) تقوم بعمليات خطيرة على مستوى التجنيد والتخطيط والتمويل، بل ووصل الأمر بأحد الباحثين إلى القول إن أوروبا هي مقر “هيئة أركان الإرهاب في العالم”.

ولعل المثال الأبرز عن ذلك الواقع هي الأخبار الأخيرة الواردة من سويسرا، التي غادر منها ما لا يقل عن 62 مسافرا من سويسرا للقتال في الخارج إلى مناطق النزاعات منذ 2001، وهو عدد في تزايد كبير منذ مايو 2014 وفق ما أعلن عنه جهاز الاستخبارات السويسري. ومنذ نهاية نوفمبر توجه ثمانية أشخاص إضافيين على الأقل بهدف الجهاد إلى مناطق النزاع، مثلما أفاد الجهاز، موضحا أن عددهم الإجمالي في مايو 2014 كان لا يتجاوز الأربعين.

وأوضح جهاز الاستخبارات السويسري أنه “منذ 2001 وحتى اليوم تم إحصاء 62 عملية مغادرة منها 37 إلى سوريا والعراق و25 إلى أفغانستان وباكستان واليمن والصومال”. ولا تقتصر هذه الرحلات على السويسريين بل تشمل أشخاصا مقيمين في سويسرا بشكل قانوني. وأوضح الجهاز أن البعض من هؤلاء المسافرين ما زال في تلك المناطق بينما توفي عدد منهم وما زال البعض منهم يتنقل في مختلف مناطق النزاعات في حين عاد البعض الآخر إلى سويسرا، حيث أدان قضاؤها في 11 ديسمبر إسلاميا عائدا من سوريا، كان قد جنده تنظيم الدولة الإسلامية، وحكم عليه بـ600 ساعة من الأشغال للصالح العام دون حكم بالسجن.

أما عن إيطاليا، فالمسألة تعتبر أكثر حساسية لأن الأجهزة الأمنية الحكومية قد استشعرت فعلا خطر تسرب الإسلام السياسي وسط عدد هام من المسلمين المهاجرين في إيطاليا. وقد أكدت تقارير إستخباراتية صادرة عن الإيطاليين أن العديد من المقاتلين الإرهابيين في سوريا الآن كانوا قد غادروا إيطاليا نحو تركيا ومن ثم الجبهات القتالية. وقد أكد الأميرال الإيطالي لويجي بيناللي، أن عددا من المقاتلين يعود الآن إلى أوروبا عبر تقنيات الهجرة غير الشرعية، وأكد أن السلطات الإيطالية قد اعتقلت العديد منهم أثناء قدومهم بحرا إلى إيطاليا. وأكدت تقارير أمنية، أن الأجهزة الإيطالية على علم بكل الجمعيات التي تعمل في استقطاب الشباب وتقديم الدعم المادي لهم في البداية، ثم يتحول ذلك الدعم إلى دمغجة وإرسال للجهاد.

ويعتبر “اتحاد الهيئات الإسلامية (UCOII) الممثل الرسمي للإخوان المسلمين في إيطاليا، ويرجع تاريخ تأسيسه إلى عام 1990، ويضم نحو 130 جمعية، ويتحكم في 80 بالمئة من مساجد إيطاليا، ويمتلك فرعا ثقافيّا وآخر نسائيّا وثالثًا شبابيّا، ويترأسه محمد نور داشان سوري الأصل.

وقد علّقت عديد الصحف والتقارير الإعلامية عن هذه الأرقام مؤكدة أن هذا التحكم الدقيق في المساجد وتوزيعها على كامل المجال الجغرافي الإيطالي، يؤشر على قدرة تنظيمية عالية لهؤلاء، وبالتالي فإن خطر الجماعات الإسلامية في الداخل الأوروبي، أصبح يهدد استقرار تلك الدول وسلمها الاجتماعي.