'الحاكمية' الأثر البارز للمودودي في جماعات التكفير الإسلامية

13:31

2014-12-17

الشروق العربيإسلام أباد - يخبرنا التاريخ في المجال الحضاري والثقافي الإسلامي أن قوى الاستعمار الكلاسيكية عرفت استغلال سقوط الإمبراطورية العثمانية بالشكل الذي يخدم مصلحتها ويوسع هيمنتها، فسارعت بريطانيا مثلا إلى مباركة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وسهّلت إنشاء “قسم الاتصال بالعالم الإسلامي” الذي أشرف عليه شخصيا حسن البنا مؤسس الجماعة. وكان هذا القسم (ولا يزال) الخلية المركزية التي تدير التنظيم الدولي للإخوان، ولعل أهم فروع هذا التنظيم، تاريخيا، فرع باكستان.

تعد الجماعة الإسلامية الباكستانية أكبر الأحزاب السياسية الدينية معارضة وعلنية في البلاد، كما أنها ثامن الجماعات المشهورة التي ظهرت في العالم الإسلامي في العصر الحديث، وتعود ملامح تأسيسها حين اجتمع في شهر 16 أغسطس سنة 1941، خمسة وسبعون رجلا في لاهور من مختلف أنحاء البلاد بقيادة أبي الأعلى المودودي، وأسسوا الجماعة الإسلامية، وانتخبوا المودودي أميرا لها.

وفي العام 1943 نقلت الجماعة الإسلامية مركزَها الرئيس من لاهور إلى دار السلام، وهي إحدى قرى مدينة بتهانكوت. ومع إعلان قيام دولة باكستان في 28 أغسطس 1947، انتقل المودودي مع زملائه إلى لاهور مرة أخرى، حيث أسس مقر الجماعة الإسلامية بها، وفي يناير 1948، بعد قيام باكستان بنحو خمسة أشهر، ألقى المودودي أول خطاب له في كلية الحقوق، وطالب بتشكيل النظام الباكستاني طبقا للقانون الإسلامي، في تناقض صارخ مع توجهات الدولة الباكستانية “الجديدة” وإرادة الطيف الأغلبي من الحساسيات السياسية في تلك الفترة.

وقد أسس أبو الأعلى المودودي جماعته الإسلامية في باكستان بعد 13 عاما من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأكد عديد الباحثين والمؤرخين في مجال الجماعات الإسلامية أنه بالقدر الذي تأثر فيه حسن البنا بمقولات ونظريات المودودي في الحاكمية وفلسفة الدولة الإسلامية والدمج بين الدين والسياسة، إلا أن إسلاميي باكستان بشكل عام والمودودي خاصة تأثر بدوره بالحدث المصري الذي كان بمثابة “المؤشر على أن مقولة الخلافة الإسلامية لا تزال باقية رغم سقوط العثمانيين الأتراك”.
 
وبالرغم من السياقات التاريخية التي عاشتها المنطقة العربية ودول العالم الثالث عموما في تلك الفترة من توق إلى التحرر المزدوج من أغلال الاستعمار الإمبريالي المباشر ومن قيود التراث الديني والتقليدي في بنية الوعي الاجتماعي والسياسي، إلا أن الإسلاميين “داخل عالمهم ومداهم الجغرافي”، فضلوا الإبقاء على الماضوية والتمسك بالماضي، ما أدى إلى رفضهم من قبل غالبية حركات التحرر في العالم وخاصة في الوطن العربي.

تمايزَ أبو الأعلى المودودي بين زمرة المنظّرين للإسلام السياسي في عهده بمقولة خطيرة أدت إلى نشأة التكفير كأداة للصراع بين الإسلاميين وباقي الأنساق الأخرى. وهذه المقولة هي “الحاكمية” التي تصور فيها المودودي أن “الله هو القوة العليا في الكون، وهي مصدر القيم جميعا من بينها العدالة والعدل والسلطة والفضيلة، وقد خلفه الأنبياء في ذلك، وهم من يمثل الله على الأرض ومن ينزل هذه القيم في تصرفاتهم وحركاتهم، وآخرهم النبي محمد بن عبدالله، وما على باقي الناس سوى اتباع ما قاله الله وما قاله وفعله النبي”. فما الحاكمية إلا لله، حسب تعبير المودودي. وهنا يظهر اللُبس والوهم بوضوح.

إذ يؤكد المودودي أن حاكميته ترفض حكم البشر ولا تعترف بأي نظام إنساني وضع لتسيير شؤون الناس سوى النظام الإسلامي. لكن في الأخير، تبقى مسألة استنباط الأحكام بين ما هو نظري في الإسلام وما هو عملي وفق نظام إداري وسياسي في الدولة هو مسألة بشرية صرفة، وهذا جوهر الخلل.

ويسعى المودودي، الذي أثر بشكل واسع في إسلاميي باكستان والعالم، إلى تشكيل نظام “ثيوقراطي” يكون فيه رجل الدين محور العملية السياسية ومبدؤها ومنتهاها. إذ يقول المودودي (كما حسن البنا) إن النظام الإسلامي الذي يسعى إليه هو “تشريع إلهي بتنفيذ إنساني”، وبالرغم من إنكاره أن هذا المبدأ هو مبدأ ثيوقراطي، إلا أن الباحثين يقرون عكس ذلك. ففي الأخير، يبقى النص النظري مسألة خارج التجربة المادية لأنه نص، ولا يمكن أن تمر الأفكار المكتوبة فيه إلى طور التنفيذ والتجسيد إلا إذا توفر عنصر التأويل والاستنباط ومن ثم التجربة في الواقع.

ولا يختلف اثنان في هذا المجال أن كلا من التأويل واستنباط الأحكام والتجربة إنما هي أفعال إنسانية صرفة تحتكم للعقل والقياس والتجربة والخطأ والنقد والتطوير والتقييم. وفي آخر المطاف، فإن مسألة التأويل خاصة تبقى مسألة نسبية تختلف من مؤول إلى آخر لأنه من المستحيل إيجاد شخصين يفكران بالطريقة نفسها.

وإذا تم الإقرار بأن تأويل النصوص واستنباط الأحكام منها يختلف من شخص إلى آخر ومن مذهب إلى آخر ومن طائفة إلى أخرى، فإن التجربة التجسيدية “للنظام الإسلامي” لن يكون واحدا وجامعا بين المسلمين كافة، بل مختلفا أشد الاختلاف بينهم نظرا لمعطيات عديدة تؤسس لـ”حتمية الاختلاف بين المسلمين في العالم” لأن انتماءاتهم القومية والجغرافية والحضارية تختلف من مكان إلى آخر، إذ لا يمكن لباكستاني مثلا أن ينظر لكيفية عيش أحد المسلمين في المغرب العربي.

إن هذه المماحكة بين النظري والتطبيقي، والتعقيدات والإشكالات الواقعية التي تحيل نظرية “الحاكمية” إلى هامش “المستحيل تحقيقه” أدت في الماضي وتؤدي الآن إلى انعزالية مخيفة للجماعات الإسلامية عن المجتمع والناس، وقد أكدت البحوث في مجال علم النفس الاجتماعي أن هذه الجماعات تختار لنفسها قواعد ونواميس تجمعها بمعزل عن الآخرين العاديين، خاصة طريقة اللباس والتصرف والتعامل مع العالم، فهي “رؤية خاصة ومتحجرة للعالم من زاوية نظر طائفية مغلقة”. وهذا ما يؤسس إلى أخطر أمراض المجتمع التي تعصف بالمجال الإسلامي والعالمي حاليا وهو “التطرف” الذي يؤدي إلى العنف والإرهاب.

 

وبالتالي، فإن جميع من تبنى مقولات الحاكمية للمودودي ومن بعده المنظر الإخواني سيد قطب وآخرين، يحس مباشرة “بغربة عن ذاته الإنسانية وغربة عن الآخرين ورغبة في الانعزال والهروب من المجتمع”، ويؤجج هذا الشعور بالاغتراب الرغبة الغريزية الطبيعية في القتل ونشر الفوضى والنهب والسرقة وتدمير المنجزات. وجدير بالملاحظة، أن كل هذه الغرائز الخطيرة، تم التنظير لها في الفكر الإسلامي المتطرف وإيجاد مبررات للقيام بها، من بينها فتاوى السبي والغنيمة والذبح والإغارة.