النفط والنفوذ وجها الصراع في ليبيا

06:12

2014-12-16

الشروق العربيطرابلس- الاقتتال على الموارد والتناحر من أجل السيطرة والنفوذ، سمتان أضحتا تطبعان المشهد الليبي منذ سقوط نظام معمر القذافي في فبراير من سنة 2011. نزاعات محلية نتجت عن انقسامات حادّة مع تغييرات في الولاءات القبلية خاصّة في الجنوب، انعكست في السياق السياسي الأوسع والمشحون بوجود حكومتَين وبرلمانَين وقوى وأيديولوجيات عدّة متناحرة، مما أضحى يهدّد بنسف استقرار البلاد والمنطقة ككلّ، وفق دراسة للباحثة ريبيكا موراي صدرت عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

يشكِّل الجنوب الليبي وعاصمته سَبها، العقدة التي تلتقي عندها جميع التناقضات والصّراعات في ليبيا. فقد عانى من إهمال السلطات في عهد القذافي، مما جعل سكّانه يتمرّدون على السلطة المركزية بعد اندلاع الثورة، فانهار الأمن والنظام العام، وباتت المِنطقة مَعبَرا للأسلحة نحو أفريقيا جنوب الصحراء وسيناء وغزة.

وطَفت على السّطح أيضا، الصراعات القبلية، فتكاثرت تصفِية الحسابات وعمليات الاغتيال والمعارك بين القبائل، وانتشر السلاح الثقيل وسيْطرت الميليشيات على المعابِر وأقامت نقاط تفتيش، لا تخضع لسلطة الدولة. كما صار الجنوب مَعبَرا للمُهاجرين غير الشرعيين، الذين اتخذوا من ليبيا نقطة عبور إلى أوروبا.

 

كيف تأجج الصراع القبلي؟

 

مبدأ “فرّق تسد” الذي طالما اعتمده نظام القذافي في سنوات حكمه للبلاد، من خلال تأليب القبائل المحلية بعضها على بعض، على غرار المواجهة بين قبيلة أولاد سليمان العربية النافذة في سبها، المدينة الأكبر في إقليم فزان، وقبيلة التبو، مازال يلقي بظلاله على الوضع الليبي حتى اليوم.

خلال ثورة 2011، وضع التبو رهاناتهم في سلة التمرّد وشكّلوا قوة قتالية على طول الحدود الجنوبية، في حين تحالفت قبيلة الطوارق الصحراوية شبه البدوية، الّتي تُعدّ أيضاً من السّكان الأصلين للبلاد مع القذافي الذي وعدها بالحصول في المقابل على الحقوق المدنية. وعلى الرغم من وجود قبيلتَي الطوارق والتبو في مقلبَين متناقضَين، لم يشهر أيٌّ منهما السلاح في وجه الآخر طيلة الأحداث التي شهدتها ليبيا.

وفي العام 2012، خلال الانتخابات الوطنية التي أعقبت الثورة في ليبيا، أقبل أبناء القبيلتَين اللتين تعيشان جنباً إلى جنب في حي الطيوري الفقير في مدينة سبها، على الاقتراع بكثافة للسّلطة الجديدة. لكن سرعان ما اندلعت حروب إقطاعية بين القبائل العربية وقبيلة التبو في سبها للسيطرة على التجارة الحدودية المربحة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 150 شخصاً في مارس 2012، والعدد نفسه تقريبا في يناير 2014.

وفي الصّدامات العنيفة التي تشهدها ليبيا حالياً بين القبائل، سقطت الاصطفافات التي كانت قائمة خلال الثّورة. فقبيلة التبو التي منحها “المجلس الوطني الانتقالي” السيطرة على الحدود الجنوبية في البداية، رصّت صفوفها مع قبيلة الزنتان المتحدّرة من الشمال الغربي التي حاربت ضد القذافي، من أجل الدفاع عن حقول الشرارة النفطية بعد الثورة، ما أدّى إلى إقصاء قبيلة الطوارق وحرمانها من حصّتها. أمّا “القوة الثالثة” المصراتية، فموجودة الآن عسكرياً في سبها لدعم أولاد سليمان، الذين وصفتهم بحلفائها وشركائها العرب التقليديّين، في معركتهم لاستعادة السيطرة من قبيلة التبو على حواجز التفتيش والحدود. وكذلك يتعاون المصراتيون مع حلفائهم الجدد غير المتوقَّعين، قبيلة الطوارق، للسيطرة على الشرارة والصحراء في الجنوب الغربي قرب الجزائر.

وفي هذا السياق، تقول ريبيكا موراي، إنه سبق لأحد القادة العسكريّين، أن أعلمها “أنهم جاؤوا إلى سبها لإنقاذ الجنوب”، في إشارة منه على الأرجح إلى الحرب القبلية المحلية للسيطرة على الطرقات المربحة لتهريب الأشخاص والوقود والطعام والأسلحة والمخدرات والكحول، فضلاً عن السيطرة على الموارد الطبيعية مثل حقل الشرارة النفطي، وفق تعبيرها.

من جهة أخرى، وفي الخامس من نوفمبر الماضي تحديدا، انتزع مقاتلو الطوارق السيطرة على الشرارة من قوّة أمنية ضعيفة تابعة لقبيلتَي الزنتان والتبو اللتين كانتا منهمكتين في النزاعات الدائرة في الشمال وفي بلدة أوباري المجاورة ولم تكونا بالتالي قادرتَين على القتال. وهكذا تقدّمت القوات العسكرية المصراتية ونشرت قوات الطوارق (التي تضم عناصر من ليبيا وآخرين عادوا من الحرب التي كانت دائرة في مالي) لحماية حدود الحقل النفطي.

بعد السيطرة على حقل الشرارة، توقّفت شركة “ربسول” النفطية الليبية – الأسبانية عن الإنتاج بعد أن كانت تنتج سابقاً 340 ألف برميل من النفط الخام يومياً.

وقد ردّت قبيلة الزنتان بدورها بإغلاق صمّام في خطّ الأنابيب على بعد مئات الكيلومترات في موقع أقرب إلى البحر. وكذلك أُغلِق حقل الفيل النفطي المجاور جراء المشاكل في التيار الكهربائي والمشاغل الأمنية، فأصبح باقي الإنتاج في ليبيا يرتكز فــي الجزء الأكبر منه في الحـقول النفطـية الموجـودة في الغرب الليبي.

وبعد التراجع الكبير في الإنتاج النفطي الليبي الذي كان قد شهد طفرة إبّان الثورة مع إنتاج 1.4 مليون برميل في اليوم، عاد ليسجّل ارتفاعاً من جديد هذا العام مع بلوغه 800 ألف برميل في اليوم، ويشكّل 95 بالمئة من الاقتصاد الليبي.

 

أي دور للنفط؟

 

انطلاقاً من جود حكومتَين في ليبيا، هناك وزيران للنفط ورئيسان للمؤسسة الوطنية للنفط. ولم يُسمح لوزير النفط المنتمي إلى “المؤتمر الوطني العام” بحضور اجتماع منظمة البلدان المصدّرة للنفط (أوبيك) في فيينا في أواخر شهر نوفمبر الماضي في حين سُمِح لوزير النفط في حكومة طبرق، الّتي تحظى بالاعتراف الدولي، بالمشاركة. ويتم توزيع العائدات النفطية بالتساوي عن طريق المصرف المركزي الليبي الذي لا يزال يتمتع حتى الآن باستقلال ذاتي.

 

هذه الازدواجية تُبقي الوضع ملتبساً وضبابياً جداً بالنّسبة إلى معظم المستثمرين الدّوليين في قطاع النفط الّذين يتفرّجون على الفوضى في ليبيا من دون أن يحرّكوا ساكناً، شأنهم في ذلك شأن الجزء الأكبر من المجتمع الدولي.

 

لكن على الرغم من دوّامة العنف، يقول المحلل المتخصص في شؤون الطاقة ريتشارد مالينسون: “يبدو أنّ مختلف الفصائل لا تزال قادرة على تقاضي الرواتب الحكومية، بغض النظر عن الجهة التي تقف في صفّها، ولذلك لديها مصلحة في السّماح باستمرار الإنتاج النفطي، كي يستمرّ تدفّق الإيرادات. ثم يستحوذ المنتصر على كل شيء”.

 

وفي هذا السّياق، يرى مراقبون أنّ الحفاظ على الإيرادات التي توفّرها المعاملات النفطية بالأساس، يكتسي أهمية قصوى لدى جلّ الفصائل المتصارعة، رغم أن السيطرة على المواقع النفطية تعدّ إحدى أهمّ العوامل التي تسهم بشكل أو بآخر في تأجيج الأوضاع. فالمعركة النهائية والحاسمة حول النفط يبدو أنّها ما زالت مؤجّلة، في نظر جميع الأطراف.

 

 

 

ما الذي يزيد من ضبابية المشهد؟

 

 

 

على بعد عشرات الكيلومترات شرق حقل الشّرارة، اشتدّ القتال في بلدة أوباري خلال الشّهر الماضي، بعد اندلاع نزاع بين قبيلتَي الطوارق والتبو في سبتمبر الماضي، ما أدّى إلى انهيار الهُدنة الطّويلة.

وفي هذا الإطار يشتبه مراقبون في أنّ قوى بعيدة نسبيا، على غرار المصراتيين، تتعاون مع حلفاء محليين للسيطرة على التجارة الحدودية المربحة تحقيقاً لمآربها الاقتصادية والسياسية ومن أجل ضمان سيطرتها وتوسيع نفوذها على مناطق متفرّقة من المجال الليبي، خاصة في منطقة الجنوب التي تتميز بحدودها الشاسعة مع عدد من البلدان المجاورة .

هذه الأجواء المشحونة أسهمت في تعثّر محادثات السّلام بين مكوّنات المجتمع الليبي، خاصة في ظلّ تبادل الاتّهامات بين الأطراف المتصارعة مما يزيد من ضبابية المشهد؛ حيث يُلقي عدد كبير من أبناء قبيلة التبو وبعض الطوارق الليبيين اللوم على المصراتيين محمّلين إياهم مسؤولية التحريض على الاقتتال ومواصلة أعمال العنف وتأجيج الافتتال والنزاعات في المناطق الجنوبية من جهة، بينما يزعم المصراتيون وحلفاؤهم من قبيلة الطوارق بأنّ مُقاتلي التبو يحظون بدعم من “مُرتزقة” من تشاد من جهة أخرى.

حتى أنّ الاتهامات والخلافات بلغت ذروتها عندما طالب أحد مستشاري الطوارق، عيسى السنوسي، في اجتماع مع قائد عسكري مصراتي، بـ”طرد التبو من أوباري كي يحل السلام فيها”، فيما اعتبرها ذات المراقبين خطوة خطيرة وسابقة لا تبشر بخير. في غضون ذلك، يشعر المجتمع الدولي، لاسيما الولايات المتحدة وفرنسا، بالقلق إزاء الأدلة التي تُظهر أنّ الطوارق الليبيين يحصلون على المساعدة من أبناء قومهم العائدين من الحرب في مالي، ومن الجماعات الإسلامية المتطرفة، لاسيما جماعة “كتيبة 315″ التي يقودها أحمد الأنصاري (الذي تربطه علاقة نسب بالقائد السابق لجماعة “أنصار الدين” في مالي)، ومن المصراتيين المرتبطين، ارتباطا وثيقا، بجماعة أنصار الشّريعة والقتال الذي تخوضه في الشمال الشرقي للبلاد. وكذلك تسري شائعات حول حضور عناصر “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي” وانخراطهم في الصراع الذي تشهده أوباري.

 

بماذا يتسم الدور القبلي الآن؟

 

من جهته، يقرّ أحمد الرويعي، أحد مشائخ قبيلة المغاربة، الممتدة من رأس لانوف إلى أجدابيا وسط ليبيا، بخطورة الدور القبلي الحالي، مؤكدا على ضرورة عمل القبائل تحت مظلة الدولة، مشيرا إلى أهمية دورها منذ عهد ملك ليبيا الراحل إدريس السنوسي.

 

حيث يرى الرويعي أنّ القبائل أصبحت “أشبه بالأحزاب المنقسمة من الداخل حول الموضوع الواحد في بعض الأحيان”، لكنه دعا إلى عدم استبعادهم في الوقت الحالي بشرط عدم منحهم دورا أكبر من حجمهم.

 

وفي ذات السياق، أوضح أنّ ليبيا لم تصل إلى مرحلة تدهور كبرى لا يمكن إصلاحها، وقال إنّ الحراك الذي تشهده البلاد طيلة الفترة الماضية أساسه السعي إلى تأسيس دولة لا حُكمها، مشيرا إلى أنّ رأي أغلبيّة مشائخ القبائل اللّيبية الّتي تعود أصُولها إلى العرب بدرجة أولى والأمازيغ بدرجة أقل يسير في هذا الاتجاه. وأمام استفحال الأزمة، حذّر عدد من المراقبين بدورهم من “تغول بعض القبائل الكبيرة بعد الثورة مثل مصراتة والزنتان في الغرب والتبو والطوارق في الجنوب والمغاربة والعبيدات في الشرق”، وأشاروا إلى أنّ بعض القبائل “تحولت إلى شبه دول مثل مصراتة والزنتان، حيث أصبحت تفكّر حتى في بناء المطارات بمناطقها، بالإضافة إلى القبائل التي تسيطر على حقول وموانئ النفط”، شأن قبيلة المغاربة.

 

كما نبّه المراقبون، إلى أنّ القبائل لطالما لعبت دورا تاريخيا في حل مشاكل ليبيا في منتصف القرن الماضي، أمّا الآن فهي تبحث عن مصالحها الصّغيرة على ما يبدو، قد حصلت بعض القبائل على مكاسب سياسية ومادية بالفعل لكنها تريد أكثر من ذلك، خاصة تلك التي لها ارتباطات وثيقة مع جماعة الإخوان المسلمين التي تسعى بدورها إلى الحفاظ على حالة التشرذم القبلي، لأنها تعلم أشدّ العلم أنّ توحد القبائل وبناء دولة مستقرة سيحول دون حلمها في التمكن من السلطة.

 

ولذلك فإنّ القبائل الليبية مطالبة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى بمراجعة حساباتها والتفكير مليا في مستقبل البلاد التي تتربص بها الميليشيات الإرهابية والجهادية المدعومة سياسيا ولوجستيا من قبل جماعــة الإخوان المسلمين، والتي يبدو أنها تنتظر اللحظة الحاسمة لتنقضّ على فريستها وتسيطر على الوضع.

 

من جهة أخرى وفي ظلّ غياب حكومة ليبية مستقرة وانعدام سيادة القانون وعدم وجود قوّة حرس فعالة عند الحدود، أنشأت الولايات المتحدة قاعدتَين عسكريتين في النيجر المجاورة لتسيير رحلات مراقبة، بادعاء أنّها تملك أدلّة عن وجود معسكرات للتدريب في الشمال الشرقي تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”، وانتشرت القوات الفرنسية بدورها على مسافة أقــرب من الحدود الليبية. وتعدّ نقطة التركيز الأساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وفرنسا في ليبيا الآن هي مكافحة الإرهاب.

 

وفي حين يسيطر المصراتيون والطوارق حالياً على الجزء الأكبر من الجنوب الغربي، تزداد المخاوف من احتمال فتح ممرّ لتهريب المقاتلين والأسلحة من هناك إلى الشمال الشرقي، الأمر الذي يستدعي اهتماماً ملحاً من المجتمع الدولي.