الإمارات تستقبل العبادي تأسيسا لعلاقات متوازنة بين العراق ومحيطه

05:44

2014-12-16

الشروق العربيأبوظبي - استقبال رئيس الوزراء العراقي أمس في الإمارات يتجاوز الأهداف المادية الآنية المتمثلة بمساعدة العراق على تجاوز آثار عدوان داعش على أراضيه إلى تنفيذ رؤية واقعية إماراتية تقوم على مساعدة البلد على إعادة تموقعه في محيطه الإقليمي بشكل أكثر توازنا.

استقبل الشيخ محمّد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي أدّى أمس زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة قالت وسائل إعلام عراقية إن موضوعها الأساسي «بحث دعم دولة الإمارات لصندوق إعادة إعمار المناطق المتضررة من تنظيم داعش إضافة إلى احتياجات النازحين»، فيما أكدت مصادر مطّلعة أن للزيارة أبعادا سياسية أعمق ذات صلة بمقاربة إماراتية واسعة لقضايا المنطقة تشمل حثّ بغداد على إرساء علاقات متوازنة مع إيران وباقي بلدان محيطها العربي.

وقال العبادي عقب وصوله إلى أبوظبي إن زيارته إلى الإمارات تهدف إلى تعزيز المصالح المشتركة والأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي أن الأخير عقد اجتماعا مع الشيخ محمد بن زايد، مشيرا إلى اعتزازه بتطور العلاقات بين البلدين، ومعبّرا عن «شكره لمواقف الإمارات الداعمة للعراق وشعبه في مواجهة عصابات داعش الإرهابية ومساهمتها في البناء والإعمار».

وإذ تواترت الإشارة إلى قضية إعادة الإعمار، إلاّ أنّ المصادر التي تحدّثت للعرب نقلت عن مسؤولين عراقيين قولهم إن النتائج المأمول الوصول إليها من زيارة العبادي إلى البلد الخليجي ذات بعد إقليمي أشمل. وأكّدت أن دولة الإمارات بدأت منذ مدّة بالعمل على إنضاج مقاربة شاملة لقضايا المنطقة تتّسم بالواقعية وتأخذ في الاعتبار ما يواجهه الإقليم من مخاطر تستوجب تجاوز الخلافات بين مختلف الدول والبحث عن أرضيات مشتركة للتقارب مع مراعاة التوازنات القائمة، ودون التفكير في تغييرها دفعة واحدة بل تعديلها تدريجيا في اتجاه يكفل مصالح مختلف الأطراف.

وبتطبيق ذلك عمليا على الملف العراقي، شرحت المصادر، أنّ المقاربة الإماراتية تتضمن حث العراق على علاقات متوازنة بين إيران والمنطقة، وذلك من منطلق إدراك إماراتي بأن الحديث عن ابتعاد كامل للحكومة العراقية عن إيران اليوم حديث غير واقعي ولا يأخذ بالحسبان الوضع على الأرض.

وقالت المصادر لـ«العرب» إن دولة الإمارات أسست منظورها هذا استنادا إلى معرفة معمّقة للتشابكات السياسية والاجتماعية والدينية، وحتى العسكرية بين إيران والعراق، وما ترتّب عن ابتعاد العراق عن الصفّ العربي خصوصا أثناء فترتي حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

وحسب ذات المصادر فإنّ الإمارات تحاول باستقبالها رئيس الوزراء العراقي استثمار بوادر التغيير المشجّعة في السياسات العراقية قياسا بسلفه، وهو ما يُلمس على الأقل في الخطاب السياسي الموجّه من قبل حكومته إلى دول المنطقـة والمعبّـر عن رغبة في التواصل والتعـاون، والذي ينم عن قناعة لدى العبادي بأن سياسات الاستعداء الداخلية والإقليمية مـا قادت العراق إلا نحو الأسـوأ.

وأكّدت المصادر وجود استعداد لدى كبار المسؤولين في الدولة الإماراتية لبذل جهود سياسية لأجل مساعدة العبادي على ترجمة هذه القناعة إلى سياسات إقليمية تعيد تموضع العراق بشكل أكثر توازنا داخل محيطه الإقليمي. ويمرّ تنفيذ الرؤية الإماراتية إلى قضايا المنطقة، بما فيها العراق، عبر السعي إلى التخفيف من الاحتقان الطائفي الذي يعتصر دول الإقليم.

وحسب مراقبين فإنّ دولة الإمارات تستمد ثقتها بذاتها في القدرة على إخراج العراق والمنطقة من الدوامة الحالية استنادا إلى تاريخها في التعامل مع القضية العراقية، حيث أنّ رصيدها السابق في التعامل مع هذه القضية بهدوء واعتدال يجعلها في موقع القادر على مدّ اليد للعراقيين بمختلف طوائفهم وأعراقهم والتعاطي مع مختلف مكونات المجتمع العراقي على قدم المساواة ودون خلفيات طائفية.

وحسب مراقبين فإن ممّا يؤهّل دولة الإمارات لتحقيق اختراق في الملف العراقي الشائك، أن هذه الدولة الخليجية لم تبد في مختلف المنعرجات العصيبة التي مرّ بها العراق أن لها مآرب سياسية هناك، وذلك على العكس من دول جوار قريبة أخرى بدت كثيرة التدخّل في الشأن العراقي بشكل غير متوازن الأمر الذي زاد العراق ابتعادا عن الحاضنة العربية واندفاعا نحو إيران.

وسبق لوزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان أن عبّر عن مقاربة بلاده للشأن العراقي، قائلا خلال زيارة له إلى بغداد في أواخر نوفمبر الماضي إن: «دولة الإمارات ستظل تدعم العملية السياسية التي تحقق الأمن والعدل والمساواة والمشاركة السياسية لكل مكونات الشعب العراقي باعتبار أن أمن العراق واستقراره ركيزة للأمن والاستقرار الإقليميين»، مضيفا «نحن مع العراق الشقيق في جهوده لإعادة البناء وتحقيق الأمن والأمان وفي مواجهة قوى الإرهاب الذي يشكل خطرا على كل دول المنطقة ويشوه قيم ديننا الإسلامي الحنيف».

وترجمت الإمارات هذا المنظور عمليا خلال الأزمة التي ما تزال قائمة في العراق منذ تعرّض جزء كبير من أراضيه إلى الغزو من قبل تنظيم داعش، مبدية تعاملا إيجابيا مع الوضع هناك عبر الانخراط في الجهد الدولي الحربي على التنظيم المتشدّد، وبالمسارعة إلى تخصيص مساعدات مادية لآلاف النازحين الذين تدفّقوا خصوصا على مناطق بشمال البلاد فرارا من الحرب.

كما تبدو الإمارات اليوم على استعداد لمساعدة العراق ماليا على إعادة الإعمار وتجاوز مخلفات الحرب ضد داعش وما نتج عنها من خسائر ودمار.