الحلقة الثالثة: حرب فلسطين في مذكرات عبدالناصر ويوميات هيكل

18:00

2014-12-15

القاهرة- الشروق العربي- ربما كان محمد حسنين هيكل هو الصحفي العربي الوحيد الذي كشف أسرار حرب فلسطين، ليس فقط أثناء وبعد هذه الحرب، بل قبيل وقوعها أيضا!

وقد لا تكون حرب فلسطين أكثر الحروب والأحداث العالمية التي شهدها هيكل من ناحية الإثارة، لكنها بكل تأكيد كانت أهم هذه الأحداث.

ذلك أن مصرية وعروبة هيكل كانت واضحة للغاية في رسائله الصحفية التي كتبها من ميادين الأحداث في فلسطين؛ فقد شهد وسجل معاركها وأحداثها بنفسه.

وكان هيكل حتى آخر لحظة قبل الحرب مقتنعا للغاية، حسب معلوماته، أن مصر لن تدخل هذه الحرب بطريقة رسمية. وفي الوقت نفسه فقد كشف هيكل، في يومياته عن حرب فلسطين ورسائله عنها، مهزلة جيوش التحرير العربية، وفضح الروايات الخيالية التي كان البعض يرددها عن بطولات هذه الجيوش !

وحقق هيكل سبقا صحفيا خطيرا عندما كشف محاولات التسليح اليهودية السرية، وشحنات الأسلحة والمهاجرين اليهود التي كانت تدخل فلسطين عبر البحر في سرية تامة. وكيف أن اليهود كانوا على استعداد تام لكل شيء في اليوم الموعود، يوم 15 مايو 1948، وكانوا يدركون أنها أهم معاركهم المصيرية، وأنهم جاهزون تماما لها !

ونقل هيكل، في رسالة صحفية لـ"أخبار اليوم" نشرت قبل أسبوع كامل من دخول حرب فلسطين، التحذيرات الأخيرة للعرب لكي يستعدوا للمواجهة التاريخية !

***

ومضى هيكل في يومياته يسترجع مشاعره خلال هذه الفترة الحساسة قائلا:

"ولست أدري لماذا كنت أضغط هذا الضغط كله على ضرورة الاستعداد ليوم 15 مايو، ولكني لا أتصور أنه سيدخل الحرب رسميا.

ثم كانت المفاجأة الكبرى لي يوم الجمعة 14 مايو 1948..

عدت إلى القاهرة في ذلك اليوم أستطلع الموقف. وإذا أول خبر أعرفه أن الجيش المصري سيدخل فلسطين عند منتصف الليل. وأذكر أنني قابلت النقراشي باشا، وكذلك قابلت الفريق محمد حيدر.

وكانت الظروف قد تغيرت من النقيض إلى النقيض !

وأذكر، وأنا أقف أمام التاريخ شاهد حق، أن الحديث بيني وبين كلا الرجلين قد جرى إلى قوة اليهود. ولفت نظر الاثنين إلى المقال الذي كنت قد نشرته قبل أسبوع في الموضوع نفسه.

وأذكر أن كليهما قال لي في تلك المناسبة إنه يعتقد أن المعلومات الواردة فيه مبالغ فيها !

لكن وقبل هذا كله: ما الذي كان قد غّير اتجاهنا في فترة أسبوع واحد؟!

لقد كان رئيس وزراء مصر قبل أسبوع واحد يصر على أنه لا يعرض الجيش المصري الذي يعتمد عليه في نظرية ملء الفراغ من قناة السويس، لا يعرضه لأية مخاطرة؟!

لماذا تغير الاتجاه.. وماذا حدث؟ 

هل وثقنا أن الأمر ليس مخاطرة؟

هل أعددنا للأمر عدته؟

هل دخلنا الحرب متأهبين لكل احتمالاتها؟

ما الذي جرى؟

وهنا أترك مكاني، مكان شاهد الحق أمام التاريخ، لشاهد آخر يستطيع أن يتكلم عن ثقة وعن تجربة. والشاهد هو اللواء أحمد محمد المواوي، أول قائد مصري لحملة فلسطين !

***

ويعترف هيكل، في يومياته، بأنه لم يكن يهمه الدور الذي قام به اللواء المواوي في معركة فلسطين، وإنما كانت تهمه شهادته عن فترة ما قبل المعركة مباشرة؛ لأن في هذه الفترة ما يجيب عن الأسئلة السابقة، أو على الأقل يلقي عليها شعاعا من نور !

أما شهادة اللواء المواوي، فقد سمعها هيكل من فمه مباشرة. في نفس يوم عودته معزولا من منصب القائد العام في فلسطين، وكان الرجل يتكلم بحرقة جرت معها التفاصيل متدفقة.. ذات هدير !

وقد كتب هيكل تفاصيل شهادة اللواء المواوي، واحتفظ بهذه التفاصيل ليومياته.

- وقال لنفسه: ربما.. ربما يجيء يوم !

ويومها قال اللواء المواوي لهيكل:

- إنني أشك في كثيرين.. وأنا على استعداد لأن أسميهم بأسمائهم! وأنا أتهم بريطانيا بأنها نصبت لنا فخا في فلسطين. لقد وجدتنا نصرخ في وجهها في مجلس الأمن لكي تخرج من بلادنا. ووجدت عندنا جيشا.

- وإن لم يكن وقتها جيشا بالمعنى المفهوم!، ولكننا كنا ندعي به القدرة على ملء الفراغ في قناة السويس.

"ووجدت إنجلترا في خزائننا مالا فائضا من رخاء الحرب العالمية الثانية. كنا نشد به ظهرنا. وأرادت إنجلترا أن تخمد الصوت الذي يصرخ في وجهها. وأن تذل الجيش الذي ندعي به القدرة على ملء فراغ قناة السويس. وأن تخرب الخزائن العامرة بالمال !

ولست أعرف بالتحديد كيف وصلت بريطانيا إلى إيقاعنا في الفخ الذي نصبته لاصطيادنا. ولكنى واثق من النتيجة. وهى أن فلطسين بظروفها وملابساتها كانت فخا. سقطنا فيه. بعضنا بحسن نية. والبعض الآخر بنية أسود من الليل البهيم !

ومضى اللواء المواوي يقول لهيكل:

_ وعلى أي حال.. فلأعد إلى دوري في المسألة.. لم أكن راضيا أبدا عن جيشنا. لم يكن فيه تدريب ولا استعداد. ولا اذكر أننا قمنا بمناورة واحدة من سنة 1931 إلى سنة 1948 !

وكان الجيش في تلك الأيام

موزعا بين الاحتفالات. كسفر كسوة المحمل أو المولد النبوي. وبين أعمال الوزارات العادية. وزارة المالية مثلا كانت تستعير من الجيش فرقة للحراسة. ووزارة الصحة تستعير بعض أفراد فرقة لمقاومة الفيضانات. ووزارة الصحة تستعير بعض فرق الجيش لمكافحة الجراد!

ووزارة الصحة كانت تستعير فرقا من الجيش: في الحرب ضد الأوبئة مثل الكوليرا.. ووزارة الداخلية كانت تستعير بعض فرق الجيش لحفظ النظام وقمع المظاهرات !

هكذا تحول الجيش إلى أداة مدنية !

وكاد يفقد تماما الروح العسكرية !

وفى سبتمبر 1947 قرأت في الصحف عن المناقشات الدائرة حول التقسيم. وسمعت كلاما كثيرا عن استعداد الدول العربية وجهودها ضد التقسيم ولو بالقوة !

لكن لم أتخيل أن الظروف قد تتطور إلى ما تطورت إليه فعلا. ولم أدرك أيضا أنه سيكون لي أي دور في هذه التطورات !

ثم سمعت ذات يوم عن مؤتمر عقده الفريق إبراهيم عطا الله رئيس هيئة أركان حرب الجيش في ذلك الوقت. وسمعت أن للمؤتمر صلة بالتطورات في فلسطين. ولكنى تأكدت أن المؤتمر كان هدفه عمل معسكر تدريب في العريش. معسكر تدريب فقط !

وحضر هذا المؤتمر قواد الجيش.. لكنى لم أكن بينهم !

وفى المؤتمر التفت إبراهيم عطا الله إلى الجالسين وقال بالنص: 

• مين حايكون قائد القوة في العريش؟.. يا جماعة ياللى قاعدين من يحب يكون قائد القوة؟

وقال اللواء محمود شاهين الذي كان حاضرا الاجتماع.

_ أنا أروح !

لكن اللواء موسى لطفي قال:

• شاهين بتاع طوبجية لا يفهم في التدريب.. ابعثوا مدير المشاة.

وكنت أنا مدير المشاة !

وهكذا وقع الاختيار عليّ بكل بساطة !

***

ومضى اللواء المواوي يكمل القصة لهيكل قائلا:

" ولقد ثرت على هذا القرار "..

- وسألتهم: هل الغرض هو التدريب؟

• قالوا: نعم.

- قلت: وهل تبعثون مدير المشاة لكي يدرب أورطة واحدة فقط؟!

لكن لم تكن هناك فائدة من كثرة الكلام. فبدأت أستعد للذهاب !

وكانت في رأسي صورة واضحة عن أحوال التدريب في الجيش. فقد كنت قبل عملي مديرا للمشاة أعمل في لواء التدريب.

وسافرت إلى العريش..

على أن تجيئني كتائب الجيش لأقوم بتدريبها كتيبة كتيبة. لكن عندما وصلت إلى المعسكرات المخصصة للتدريب. وجدت أنها ليس فيها شيء على الإطلاق. ورجعت إلى القاهرة أطلب مقابلة رئيس أركان الحرب. وقدمت له قائمة بطلباتي..

• فقال لي الفريق إبراهيم عطا: أنت عاوز مني إيه؟ 

ومع ذلك عدت إلى العريش..

ولكن كانت بيننا وبين التدريب استحالات قوية. وفى تلك الفترة كتبت تقارير طويلة. طالبت فيها بما يجعل التدريب مجديا. وقلت في هذه التقارير. أنه ليست عندي أسلحة كاملة. ولا سيارات ولا معدات.. ولا ضباط ولا صف ضباط !

ولقد عرفت بعد ذلك التأثير الذي أحدثته تقاريري !

عدت إلى القاهرة..

وطلبت مقابلة الفريق إبراهيم عطا الله. لكنه رفض مقابلتي. حتى التقي به بالمصادفة في صالة رئاسة أركان الحرب. فتقدمت منه أشرح له ظروفي.

• فقال لي عطا الله: يا أخي.. أنت خلصت الورق في الكتابة !

ثم قال لي:

• اسمع: أنا ح أجيلك مرور في العريش !

وعدت إلى العريش وبعد مدة جاءنا إبراهيم عطا الله. وكانت أسنانه تصطك من البرد. ولم يقض معنا وقتا.. بل أسرع عائدا إلى القاهرة !

وبعدها جاء الفريق محمد حيدر وزيرا للحربية.. وخرج عطا الله من رئاسة أركان الجيش !

وفى ذلك الوقت كثرت أحاديث الصحف عن فلسطين..

ومنها وحدها كنت أستقي معلوماتي !

وأذكر أن ضباطا جاءوا من القاهرة ليتسللوا إلى فلسطين لأعمال خاصة. للحصول على معلومات. ورأيت أن من واجبى أن أذهب إلى القاهرة. وأفهم ماذا يحدث ورائي. وأقابل وزير الحربية وأشرح له الحالة. 

وقابلت الفريق محمد حيدر فعلا.

وشرحت له في أول مقابلة كل أفكاري عن التدريب. وما نحتاج إليه من معداته. وقلت له أن بعض العرب جاءونا يطلبون المساعدة في تدريبهم

قال لي الفريق محمد حيدر:

• بعدين أقول لك !

***

وواصل اللواء المواوي حكايته المؤسفة أمام هيكل قائلا:

" وبعدها زارنا حيدر في العريش. وبدأ يحاول تكملة النقص عندنا. وفى ذلك الوقت اصطدمت بمشكلة أخرى. وهى مشكلة قواد الكتائب الذين لا يريدون أن يعملوا "!

كان من رأيي أن تبقى كل كتيبة في معسكر التدريب ستة شهور. ولكن قواد الكتائب لم يعجبهم. أن يبقى الواحد منهم ستة شهور متصلة في العريش !

وأذكر أنه في ذلك الوقت جاءتني الكتيبة التاسعة. أول كتيبة كان علىّ تدريبها. ولم تقضى الكتيبة في التدريب إلا ثلاثة شهور فقط ثم نقلت عائدة إلى مصر !

ثم عملت بعد ذلك أن هذه الكتيبة أصبحت كتيبة أمن عام. وأنها وضعت في هايكستيب.. لمقاومة مظاهرات الطلبة!

ثم جاءتني الكتيبة السادسة..

وكانت في حالة يرثى لها !

كانت عائدة من السودان. وكانت مهلهلة في ملابسها ومهماتها وذخائرها !

وقررت أن أبدأ بعمل طابور معركة لهذه الكتيبة. لأرى كيف تستطيع أن تعمل. وحددت لها مشروعا يبدأ من العريش. إلى موقع يبعد سبعين كيلو مترا عنها.

وبدأت العيون تظهر !

وقفت الحمالات والمدافع واللوريات على الطريق معطلة !

وأقسم أن السبعين كيلو مترا كانت مرسوما خطا بالمعدات المعطلة !

وبينما العملية مستمرة..

تلقينا إشارة من مدير العمليات وكان وقتها اللواء موسى لطفي. وكانت الإشارة تقضى برجوع الكتيبة.. إلى القاهرة !

واتصلت بموسى لطفي في التليفون..

- وقلت له: الكتيبة في وسط التدريب.

• رد موسى لطفي ثائرا: تدريب إيه.. إحنا عاوزينها بسرعة.. فيه إضراب في البوليس وعاوزين الكتيبة حالا !

استعدت الكتيبة للعودة إلى القاهرة بسرعة..

وبينما هي في الطريق.. انتهت أزمة إضراب البوليس !

وهكذا..

وجدت أن لا عمل لي في معسكر التدريب فعدت إلى القاهرة أحاول أن أفهم ما يجرى!

وكتبت أكثر من مائة خطاب سري أسأل فيه ما هو الغرض؟

• قالوا لي: التدريب !

- قلت: هذا كلام غير معقول.

• أخيرا قالوا لي: سوف نسأل الجهات المختصة !

ثم عقد بعد ذلك مؤتمر 

• وقالوا لي فيه: إيه طلباتك؟

- قلت: لا أستطيع أن أحدد طلباتي.. إلا إذا قلتم لي ما هو طلبكم؟ 

وبعد مناقشات ومداورات..

• قالوا لي: هل تذكر تقريرك السابق؟ لقد كنت تطلب المعدات لتدريب كتيبة. سوف تنفذ لك طلباتك في هذا التقرير !

***

هكذا شرح اللواء المواوي لهيكل مهزلة حال الجيش المصري قبل أيام أو أسابيع من دخوله حرب فلسطين..

ومضى ينهى قصته قائلا:

" وجاء يوم 10 مايو 1948 "..

كنت في العريش وتلقيت برقية تطلب حضوري بسرعة إلى القاهرة. ودعيت لمقابلة الفريق محمد حيدر

- الذي سألني: إيه الحالة عندك؟

• قلت: سيئة للغاية !

- قال: سوف نضطر لدخول حرب في فلسطين !

• قلت له: الوحدات غير مدربة.

فقد كنت مسئولا عن التدريب في الجيش وأن أعلم حاله. وكنت قائدا لسلاح المشاة وأنا أعلم أننا غير مستعدين إطلاقا.

وسكت حيدر بعض الوقت..

- ثم قال لي: اسمع يا مواوى.. دولة النقراشي باشا جاي يحضر اجتماع في رياسة الجيش. تعال معي وقل له هذا لكلام.

وذهبت إلى الاجتماع..

وجلست أمام النقراشي أروى له معلوماتي بصراحة.

• وقال لي النقراشي: موقفنا بين الدول العربي يحتم علين الدخول !

ثم تكلم طويلا..

وكان أبرز ما قاله أنه رحمه الله تصور أنني خائف من العملية. وقال أنه يعتقد أن المسألة سوف تسوى سياسيا بسرعة. وأن الأمم المتحدة سوف تتدخل. وأن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية. وليست عملا حربيا !

وكتبت تقريرا رسميا بكل آرائي..

ثم أطعت الأوامر الصادرة لي بالسفر..

وركبت الطائرة إلى العريش.

وفى اليوم السابق للعملية. جاءتني الخطة في مظروف سري وصلني بالطائرة.

وبدأت المأساة !

***

وهنا لا ينس هيكل في يومياته أن يسجل ملاحظاته حول ما قاله اللواء المواوي. وهى ملاحظات أخذت شكل أسئلة. قال هيكل أنها محيرة. وهى:

• ما الذي دعا لأن يتغير موقف مصر في الأيام الخمسة الأخيرة؟

• لماذا عدل النقراشي عن نظريته. في عدم تعريض الجيش لأي خطر. حق لا يمس نظريته في قدرة الجيش على ملء الفراغ؟

• ولماذا قال حيدر للمواوى: تعالى معي إلى رئيس الوزراء وقل له كل هذا؟

• ومن هم الأشخاص الذين لعبوا أدوارا وراء الستار؟

• وما هي القيادات التي وجهت الحوادث إلى الاتجاه الذي سارت فيه؟

• وماذا جرى في الفترة الواقعة بين أول مايو.. والعاشر منه؟

وقبل أن ينهى هيكل هذا الجزء من يومياته. يوجه نداءً لمن يعرفون الإجابات عن هذه الأسئلة..

ويتساءل هيكل:

"لماذا لا يتقدمون بشجاعة وشرف، ويرفعون أيديهم في إخلاص، ويقفون شهود حق أمام التاريخ، ويفتحون صدورهم لتخرج منها الأسرار الحبيسة المقيدة بالأغلال.."!

هكذا كان هيكل ينادي..

فهل استجاب أحد للنداء؟