الذئب في البيت العربي

19:00

2014-09-03

د.يوسف الحسن

"داعش" ليست نبتاً شيطانياً، أو تنظيماً مستولداً بالأنابيب، إنه تنظيم سليل فكر وأدبيات وفتاوى معلولة .
هو ليس لقيطاً، منقطع الجذور، عما جرى بالأمس، القريب والبعيد، وتاريخنا، مثل "تواريخ" غيرنا من الأمم، لم يكن يوتوبيا، محررة من الغلو والشرور والوحشية .
ما حدث، سبق له أن حدث، مع تغير الأساليب والأدوات والحاضنات .
عرفته أوروبا في النصف الأول من القرن السابع عشر، في حرب الثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت .
في مطلع أربعينات القرن الماضي، قدّم أبو الأعلى المودودي في الهند التنظير الأساس للإسلام السياسي، من خلال مفهوم "الحاكمية"، واعتبار أن المجتمعات القائمة اليوم في العالم، هي مجتمعات جاهلية .
في عام ،1958 عثر فتى مصري (نبيل البرعي) من على سور الأزبكية، على كتاب يضم فتاوى ابن تيمية الجهادية، آمن الفتى بهذه الفتاوى، وشكل أول مجموعة جهادية مصرية وعربية في القرن العشرين، بعدها بنحو ثماني سنوات، انضم أيمن الظواهري وآخرون لهذه المجموعة، وجاء كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" ليشكل مرجعية فكرية إضافية .
في مصر، ظهر في عام ،1977 تنظيم "التكفير والهجرة"، وقاده شكري مصطفى، وخطف وقتل وزير الأوقاف المصري، وقبله نشأت مجموعة "الجهاد الإسلامي" التي قادها عبود الزمر ومحمد عبدالسلام فرج . واغتالت السادات، وكذلك نشأت مجموعة سلفية جهادية أخرى، قادها صالح سرية، للهجوم على الكلية الفنية العسكرية المصرية، والاستيلاء على سلاحها في عام 1974 .
في ،1979 قامت "الطليعة المقاتلة" للإخوان المسلمين في سوريا، بارتكاب مجزرة بشعة لطلاب مدرسة المدفعية في حلب، بعد أن تم فرز طلاب المدرسة وفقاً لطائفتهم، وتكرر الأمر في عام 1982 في مدينة حماة، وسيطرت هذه المجموعة على المدينة طوال عشرة أيام، وحررها الجيش بهجوم قاس، وقدر عدد الضحايا بأكثر من عشرين ألفاً .
في الجزيرة العربية، كان جهيمان سيف العتيبي، الجندي السابق في الحرس الوطني السعودي، يتردد على مجالس العلماء، وأصدر مجموعة رسائل دينية، تحدث فيها عن (الخليفة الذي يفرض نفسه على الناس، ثم يبايعونه) . اعتقل قبل حادث الحرم الشريف . لكن تم الإفراج عنه تحت ضغط من بعض العلماء، ثم قاد مئات من المسلحين، واعتصم في المسجد الحرام، واستمر قتالها نحو ثلاثة أسابيع، وقد شارك معه في هذا الاعتصام المصري (محمد شوقي الإسلامبولي)، وسميت مجموعة جهيمان ب "الدعوة المحتسبة" .
مجموعات أخرى لا حصر لها، تأسست على هذا الفكر التكفيري، وعلى مفهوم أن "كل ما حولنا جاهلية"، وأن "جنسية المسلم هي عقيدته"، وكان خطابها ولغتها أقرب إلى لغة وأحكام الخوارج منها إلى التيار السني العام . والصوفية مثلاً عند أهل هذا الفكر بدعة وضلالة، ومن ثمرات التعلق بالوثنية، كما اعتبروا أن "إسلام الأنظمة كإسلام التتار" حسب ما ورد في كتاب "الفضيلة الغائبة" .
في أفغانستان وكردستان، تشكلت حركات سلفية جهادية كثيرة، وكذلك في المشرق والمغرب والجزيرة العربية والساحل الإفريقي، وكانت جلها ذات فكر "قطبي"، ومن أبرز قياداتها الجهادية على الأرض أبو مصعب الزرقاوي، وفاتح كركار، وتطورت مسمياتها لتصبح "القاعدة في بلاد الرافدين"، وانضم إليها أبو عمر البغدادي (قتل 2010)، وانتهت معظم هذه التنظيمات إلى حصر "جهادها" في العراق وسوريا، لتصبح تحت إمرة "أبوبكر البغدادي" .
تنظيم "داعش" وأمثاله في أكثر من مكان، منتسب أو متعاطف معه، يعرفون بعضهم البعض اليوم، من خلال مبدأ "إدارة الفوضى المتوحشة"، وهو مشروع فكري ألفه شخص يدعى (أبوبكر ناجي) من مصر، ونشره عبر شبكة الإنترنت، وأصدره مركز الدراسات والبحوث الإسلامية .
"العائلة التكفيرية" . . تتناسل يوماً بعد يوم، وتنتج كائنات مغولية متوحشة، عابرة للحدود والأزمنة، تركت العقل والنظر، وفكرها يعيش في حضن فقهاء العصر المملوكي (غزو/ فتح/ نفي/ سبايا/ تكفير . . الخ) . ومع ذلك، فقد استقطبت أجيالاً شابة، تعلمت من أدبياتها وفكرها وسلوكاتها وتعليمها الديني، ورأت فيها ما يرضي مخيلة الشباب المضطربة .
نعم . . هناك من شجع ومول وحضن، وهناك من تغاضى عن "داعش" وأمثاله، وهناك من سهل حركته، وهناك من السياسيين والإسلاميين لا يدينون "داعش"، خشية أن يستفيد من هذه الإدانة خصم سياسي! وهناك من يستعد للمشاركة في "الحرب على داعش"، بعد أن أصبحت هذه الحرب عنوان الاستحقاقين الإقليمي والدولي الداهمين .
لكن أي حرب على "داعش"، من دون أفق سياسي، ومن دون تجديد للفقه الإسلامي، ومن دون تعليم يدخل الأجيال الراهنة عالم العقلانية واللاعنف . . ستظل محدودة النتائج .
كثيرون يعتقدون أن "الخلافة الداعشية"، مصيرها إلى زوال، أمام هذه الجبهة الواسعة من الأعداء ضدها، ستتمكن هذه الجبهة من التخلص من "الخليفة"، مثلما تخلصت من أسامة بن لادن . لكن هل انتهت "القاعدة" بموت بن لادن؟ أم تناسلت أشر منها؟
هناك سيناريو يحتاج إلى تدقيق إضافي، ومفاده، أن هذا التحالف ضد إرهاب "داعش" (جبهة النصرة لا أحد يتحدث عنها) سيوقف تمدد هذه "الخلافة"، ولا يستبعد أن يتم ذلك وفق "صفقة"، توافق فيه "الخلافة" على ضبط غريزتها التمددية، وتبقى "وطناً" للسلفيين الجهاديين، تروي عطشهم الديني للخلافة الإسلامية من ناحية، وتوفر لعامة المسلمين نموذجاً بشعاً لدولة، مقارنة مع نماذج دولهم الراهنة .
في كل الأحوال، هي معركة ليس معروفاً مداها الزمني، ولا مآلاتها، لكنها ليست الطريق الوحيد لهزيمة هذا الفكر العبثي والمتوحش .
لقد ذهب هباء، كل ما كتبناه وبشّرنا به، وسوّقناه، عن الوسطية والاعتدال وحقوق الإنسان والتسامح والرحمة، واحترام التنوع والتعدد والاختلاف، والحداثة والتمدن .
كم يشعر المرء بالأسى، حينما يستحضر هذه النماذج "الداعشية" العابرة للجغرافيا والأزمنة، كيف كان "الاعتدال" غير قادر أو غير راغب في قول كلام حاسم: "إن ما جرى ويجري ليس من الإسلام"، و"إن هناك فصلاً نهائياً بين الإسلام والعنف، وإن الخلافة هي مسألة تاريخية وليست عقدية" .
الحرب وحدها لا تنهي "الداعشية"، ولا "الجهادية المعولمة"، سيتفرق أتباعها في جنبات الأرض، وبما يملكونه من جهالة وقسوة . قد تجف منابع التمويل والتسليح، لكن الفكر الداعشي السلفي الجهادي، سيظل يجد من ينظّر له، ويستثمر فيه سياسة ونفوذاً واستقطاباً، وستظل كتبه وفتاوى علماء من زمن مضى، حاضرة، في المناهج التعليمية . وفي التبشير بالاستهانة بالدولة الوطنية والذاكرة الوطنية . وتبني الحاكمية و"الفريضة الغائبة" .
ظهرت السلفية الجهادية في القرن الرابع الهجري، ثم تجدد ظهورها في القرن السابع الهجري (فتاوى الجهاد)، ثم ظهرت في القرن الثاني عشر . وها هي اليوم بيننا على مدى أكثر من تسعة عقود .
نعم . . هناك أزمة عميقة في الفقه السياسي الإسلامي، وسيظل خط الإنتاج السلفي الجهادي التكفيري، يفرخ وينشط، طالما هناك فكر معلول سائد، وحَوَل سياسي رسمي وبطالة فقهية مؤسسية، تعجز عن تصحيح معنى الجهاد، ومقولة أهل الذمة، وتفرط في إعادة الإسلام إلى دائرة الروح والرحمة والعدل والمحبة، وتتجاهل أن الإسلام هو إسلام المقاصد، لا إسلام أشخاص أو علماء، أدخلوا في تأويل الإسلام رغباتهم وظروفهم التاريخية .
كيف يمكن أن نصدّق أن بعض أهل الموصل من المسلمين، يساعد "داعش" على الاستدلال على جيرانهم من الطوائف الأخرى؟
نحتاج إلى جهات عديدة، وعقول حكيمة وعمل مؤسسي مستدام للانشغال في مسألة صيانة الدين في أزمنة التغيير، ومن معالجة المأزق الذي أدخله فيه الإسلام الحركي .
نحتاج إلى إرادة سياسية، تزيل الفساد والظلم، وتجدد الفقه والفكر، وتنوّر العقول، وتعتبر أن كل نفع يعود على الناس هو جهاد .