تقسيم الدوائر خطوة أولى نحو إنجاح الانتخابات البرلمانية في مصر

12:50

2014-12-14

الشروق العربيالقاهرة - انعكست التعديلات الدستورية الأخيرة، التي أجرتها لجنة الخمسين على الدستور المصري، على الحياة السياسية في مصر إيجابا، حيث عالجت الكثير من الثغرات التي وضعتها جماعة الإخوان في التشريعات، عقب ثورة 25 يناير، للسيطرة على مجلسي الشعب والشورى في أول انتخابات تشهدها البلاد، بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

التعديلات الدستورية التي مثّلت ثورة تصحيح، بدأت تؤتي ثمارها، في التشريعات القانونية المكمّلة، وبينها قانون تقسيم الدوائر الانتخابية الذي أقره مجلس الوزراء المصري مؤخّرا، وبمقتضاه تجرى انتخابات مجلس النواب المقبل، الاستحقاق الثالث والأخير لخطة خارطة المستقبل.

وضع قانون تقسيم الدوائر الانتخابية الأحزاب المصرية في مأزق الاختبار الأصعب لقياس الشعبية، وأكّد خبراء لـ “العرب” أن ما طرأ على الدوائر الانتخابية من تعديلات تتعلق بالمساحة الجغرافية والتجمعات، سوف يقضي على ما تبقى للإخوان من أمل في العودة إلى المشهد السياسي، بعد أن تراجعت كثيرا شعبيتهم في الشارع المصري.

ويشير الخبراء إلى أن الجماعة كانت قد استغلت ضغوطها وضعف القوى الحزبية، عقب ثورة 25 يناير، للدفع بتعديلات أقرها المجلس العسكري الحاكم آنذاك، وأدخلت على القانون 38 لسنة 1972، الخاص بمجلس الشعب والقانون 120 لسنة 82 بمجلس الشورى، وسمحت بتفصيل الدوائر الانتخابية لصالح عدد من رجال المال والتنظيمات الدينية، حيث بلغت مساحات الدوائر الانتخابية من الاتساع ما يستحيل معه على مرشح مستقل، أو حزبي منتم لأحزاب وليدة، القدرة على التواصل مع ناخبين تجاوز عددهم في الدائرة المليون، وموزعين على مساحات جغرافية شاسعة في مدي زمني للحملات الانتخابية محدود، يضاف إلى ذلك ما تتطلّبه الحملات من إنفاق لا يقوى عليه مرشح لا يتلقى تمويلا من تنظيمات دولية، أو رجال أعمال.

 

منافسة محكومة

 

التقسيم الجديد، ورغم ما يظنه البعض من تشابه مع تقسيم 2010، فإنه قلص عدد الدوائر في محافظات وزاد عددها في محافظات أخرى، وقسم دوائر سابقة كانت تخضع لسيطرة القبيلة والتنظيمات الدينية إلى عدة دوائر، بما يربك التحالفات الانتخابية السابقة على الانتخابات، وكذلك حسابات التنظيمات الدينية.

وبدت مساحات دوائر النظام الفردي صغيرة، لا تتعدى مكوناتها الإدارية قسمين أو مركزي شرطة، وزاد عدد الدوائر الفردية من 9 دوائر عن انتخابات 2005 و2010 وبفارق 106 دوائر للفردي عن انتخابات 2011، التي أجريت فيها الانتخابات وفق 50 بالمئة للقوائم الحزبية ومثلها للفردي، وشهد التقسيم الجديد ظهور دوائر جديدة نتيجة فصل مكوناتها عن دوائر أكبر.إلى جانب ذلك حدث تغير أوجد تنوعا في عدد نواب الدائرة الواحدة، حيث تمثل 177 دائرة لها، بواقع مقعد واحد لكل منها، و119 دائرة لها مقعدان، و35 دائرة لها 3 مقاعد.

وقد أضر هذا الإجراء بالتحالفات في 177 دائرة فردية، حيث اعتمدت جماعة الإخوان في السابق على إجراء تحالف بين المتنافس على مقعد العمال من الجماعة، ومرشح مقعد الفئات من الفصائل السياسية الأخرى، بعضهم من الحزب الوطني في زمن مبارك، خاصة أعضاء الوطني الذين لا يصوت المجمع الانتخابي لصالحهم فيخوضون الانتخابات كمستقلين، وهو ما أتاح لها فرص النجاح كما حدث في انتخابات 2005، والحصول على 88 مقعدا، وهو ما عمل الحزب الوطني المنحل على علاجه في انتخابات 2010 بالسماح لأكثر من مرشح عن الحزب بالتنافس في الدائرة الواحدة، لذلك لا يزال بعض المراقبين يخشون من عقد تحالفات سرية للجماعة مع مرشحين لقوى سياسية انتهازية في الانتخابات المقبلة.

في ذات السياق، قلّص القانون الجديد عدد الدوائر في محافظات عرف عنها ضعف قدرات الإخوان فيها، لصالح زيادة عدد المقاعد والدوائر في محافظات أعلى من حيث الكثافة السكانية لتحقيق التناسب بين عدد ناخبي كل دائرة، غير أنها قد تحظي في المقابل بتواجد لجماعة الإخوان، ومن ثمة زيادة عدد دوائرها يقلص من فرص الجماعة.

من أمثلة تلك المحافظات، الغربية والشرقية، والأخيرة تعد مسقط رأس الرئيس المعزول محمد مرسي، وبها عدد من الدوائر مثّلها في انتخابات 2005 و2012 عدد من رموز الإخوان، فقد جرى خفض عدد دوائر محافظة الغربية من 13 دائرة يمثلها 26 نائبا، إلى 9 دوائر فقط يمثلها 23 مقعدا (فردي فقط)، حيث تم دمج دائرتي أول وثاني طنطا، لتصبحا في التقسيم الجديد دائرة واحدة هي “مدينة طنطا”، ودمج دائرتي أول المحلة وثاني المحلة، وأصبحتا دائرة واحدة، وتم إلغاء دائرة “بشبيش” ودمجها في الدائرة الجديدة “مركز المحلة” وتخصيص ثلاثة مقاعد لها، وإلغاء دائرة “نهطاي” التابعة لـ”مركز زفتى” ودمجها في دائرة أخرى.

أما محافظة الشرقية فحصلت على 15 دائرة بدلا من 7 في 2011 و14 في 2010، والشرقية قسمت بها دائرة كفر صقر التي كانت تشهد منافسة من الإخوان إلى دائرتين. وفي القاهرة انخفض عدد مقاعد، المناطق التي تتسم بارتفاع مستويات الدخل، ومستويات الوعي والتي تتضاءل فيها فرص نجاح تيارات الإسلام السياسي لأدنى مستوياتها، لصالح زيادة عدد الدوائر بالمناطق الأقل في مستويات المعيشة والتي يعرف عنها أنها مناطق تكتل تيارات الإسلام السياسي، الذي ينشط في المناطق التي بها أسر فقيرة عبر المساعدات والخطاب الديني الحماسي.

في حي مصر الجديدة الراقي، تقلص عدد المقاعد من مقعدين إلى مقعد واحد، ونشأت دائرة جديدة لقسم النزهة، وكانت جزءا من دائرة مصر الجديدة في 2011، وأنشأ القانون دائرة باسم شرق القاهرة مكوّنة من أقسام القاهرة الجديدة، التابعة لدائرة مدينة نصر، بالإضافة إلى مدينتي الشروق وبدر، التابعتين لدائرة مصر الجديدة في 2011، وهي المناطق التي تشتهر بارتفاع المستوى الاقتصادي.في المقابل قسّم القانون دائرة (المطرية-عين شمس) لتصبح دائرتين، وكانت تعد أهم تكتلات الإخوان في القاهرة، والتي شهدت أعمال عنف في 28 نوفمبر الماضي، استجابة لدعوة السلفية لما أسموه بالثورة الإسلامية.

في الصعيد الذي تغلب عليه القبلية، ويستفيد منها رجال الحزب الوطني المنحل، أثار تقسيم الدوائر غضب الكثيرين، لتخصيص مقعد واحد بعدد كبير من الدوائر، الأمر الذي يخلق منافسة قبلية بعد أن كانت تجرى تحالفات بمقتضاها يجري تقسيم المقاعد، ويعرف عن بعض مراكز بمحافظات الصعيد أيضا وجود تكتلات إخوانية ظهرت في التصويت المرتفع في أول انتخابات رئاسية لمرشح الإخوان محمد مرسي.

 

التمثيل العادل

 

أشاد خبراء ومراقبون بهذا التقسيم، الذي وصفه حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، بـ”العادل”. وقال سلامة في تصريحات لـ”العرب” إن “تقسيم الدوائر استهدف التمثيل العادل، للسكان من خلال نائب لكل عدد متقارب من السكان إعمالا للنص الدستوري، لخلق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، وإن انعكس ذلك على فصيل أو تيار بعينه كان يستفيد من اتساع الدوائر، فالأصل في هذا التقسيم الجديد تحقيق المساواة في الفرص”. وأضاف سلامة أن “القانون الجديد استهدف تحقيق مصلحة وطنية عليا، والاعتراض عليه من بعض القوى نابع من تصادمه مع مصالحها، حيث يفرض على الجميع إعادة النظر في تحالفاتهم، ومرشحيهم، وتلك التحالفات الانتخابية ستظل متحركة حتى الانتهاء من ترسيم الحدود الجغرافية للدوائر بشكل نهائي”. وشدد سلامة، على “ضرورة تنمية الوعي لدى الجماهير، وأن تراعي الدولة القواعد الدستورية، فالأوضاع لا تحتمل قانونا جديدا ينتخب بمقتضاه مجلس النواب فيقضي بعدم دستوريته، وهذا ما تسعى لجان صياغة القانون لتلافيه في تقسيم الدوائر، وعلى المجتمع المدني مسؤولية توعية الناخبين بأهمية اختيارهم للمرشح صاحب الفكر والقادر على أن يكون نائبا للوطن وليس مجرد نائب خدمات في دائرة أو لقبيلة، أو متاجر بدين”، محذرا من خطورة شراء الإخوان لمقاعد عبر التحالف مع مرشحين انتهازيين يدعمونهم في الانتخابات في مقابل تبني فيما بعد وجهات نظرهم تحت قبة البرلمان.

في ذات السياق، توقّع عمرو هاشم ربيع، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، “أن يحقق الإخوان خسائر فادحة، خاصة مع انهيار شعبيتهم بالشارع، فيما اعتبر رجال الحزب الوطني هم الرابح الوحيد من إعادة تقسيم الدوائر، لكن في النهاية ليس أمام القوى السياسية فرصه لأي حديث باعتراضات على القانون، لأنه ببساطة نابع من النص الدستوري، والذي انبثق منه القانون فالمشرّع ملتزم بالعمل على صياغة نصوص تتوافق مع الدستور”.

من جانبه، رأى النائب السابق عن حزب الكرامة الناصري سعد عبود، أن الإخوان لفظهم الشارع، وقد يقضي القانون الجديد على ما تبقى من محاولات لهم بالفوز بمقاعد داخل البرلمان المقبل، خاصة أن قياداتهم العليا والوسيطة ما بين سجين وهارب، والشعب لن يمنح أيا من مرشحيهم أصواتا، لكن الأزمة الحقيقية في مساعي رجال مبارك للعودة للبرلمان.