إعلام واشنطن يدعم الشوفينية الأميركية البالية

12:46

2014-12-14

الشروق العربيبعد مضي عدة سنوات وبعد التعرض لعدة حواجز بيروقراطية توصلت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي مؤخّرا إلى نشر تقرير (مختصر ومنقح جزئيا) حول اعتقال الاستخبارات المركزية الأميركية للأشخاص المتهمين وأساليب التحقيق معهم خلال السنوات اللاحقة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

بالرغم من أن تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي حول التعذيب في المعتقلات الأميركية، المؤلف من 528 صفحة، لا يمثل غير عشرين بالمئة من التحقيق الأصلي المتكون من ستة آلاف صفحة، فإنه يعتبر إدانة وافية وشافية لتضحية ديمقراطيتنا بمبادئها. وفضلا عن الأمثلة السابقة غير المعروفة لتعذيب المعتقلين وانتهاك حرماتهم، هناك أيضا أدلة كثيرة عن تفشي المعلومات المضللة، إن لم نقل الخداع المباشر، حول برنامج التعذيب من قبل الوكالة. وما من شك في أن الأعمال التي يصفها التقرير والتي تم اقترافها باسمنا ستكون وصمة عار دائمة تلطخ إرث هذا البلد.

لكن بالرغم مما يستحق هذا التقرير من ثناء فيما يخص الشفافية، تشوبه شبهة بخصوص المحاسبة الفعلية فهو لم يتفحص مسؤولية إدارة بوش في رسم سياسة التعذيب ولا يظهر عزيمة سياسية لتتبع مرتكبي التجاوزات المفضوحة، ومن ثمة لا توجد سابقة فعلية لثني الإدارات القادمة (أو الحالية) عن حساباتها الخاطئة بخصوص مقبولية التعذيب. لكن لا يجب إلقاء اللوم فقط على ضيق مجال التحقيق البرلماني ومحدوديته وضعف تحمس إدارة أوباما لتطبيق العدالة، إذ لعبت مؤسسة الإعلام كذلك دورا أساسيا في إفشال هذه المحاولة الضعيفة لتقييم هذه الفترة من ممارسة التعذيب لدينا.

لقد فعلت ذلك عبر السماح لمهندسي برنامج التعذيب لدى الـ”سي آي إيه” والمدافعين عنه مرة أخرى لإعادة تعريف المسألة على أنها “نقاش” مبتدع حول فاعليته. هذه هي طريقة عمل الجناح اليميني على مدى سنوات، جعل الصحافة تتجاهل اشمئزاز العالم من التعذيب لفائدة تحليل مكيافيللي حول مدى إنتاجه لمعلومات استخباراتية مفيدة.

سلك الصحافة المطيع

 

صحيح أن الحجة الأخيرة هي أرضية مريحة للإعلام بما أنها توفر قاعدة محايدة ملائمة يمكن النقل منها (مثال: “يقول مسؤولون كبار في الإدارة إن التعذيب مفيد، بينما ينفي المنتقدون ذلك”).

إن هذا الموقف الواهن المتمثل في عرض “رأي الجانبين” لا ينفع القراء في شيء حتى عند مناقشة القضايا الاعتيادية المتعلقة بالسياسات، لكنها تقدم خدمة سيئة للعموم عندما يتعلق الموضوع بمبدأ أميركي يفترض أن يكون أحد دعامات النظام عن طريق استخدام الدهاء الخطابي.

في الحقيقة حظي برنامج الاعتقال والتحقيق التابع لوكالة الاستخبارات المركزية منذ الكشف عن وجوده بدعم واسع داخل الدائرة الحكومية. وعندما كان جورج بوش الابن في السلطة لم تظهر أصوات معارضة من سلك الصحافة المطيع في واشنطن إذ اكتفى الكثير منهم بترديد ادعاءاته غير المدعمة عند تبني تعبيره الملطّف لكلمة تعذيب على طريقة جورج أورويل. وإلى اليوم مازالت المؤسسة الإعلامية في العاصمة تخدم النزعة النسبية في تبرير التعذيب والدعاية للخوف الهوسي والشوفينية الأميركية البالية.

كان أحد هؤلاء المهللين الأعلى صوتا كاتب خطابات بوش سابقا والصحفي الحالي في جريدة “واشنطن بوست”، مارك ثيسن، الذي قام في السنوات الأخيرة بوضع كل رهاناته على التعذيب بتأليف كتاب كامل متملق عن برنامج التحقيق لدى الـ”سي آي إيه” وفي بعض الأحيان يخرق خط الافتتاحيات للجريدة كلما شعر بالحاجة لتمرير حكايات غير دقيقة عن مؤامرات إرهابية تم إحباطها. وبطبيعة الحال إن نشر تحقيق مفصّل وضخم في برنامج التعذيب لدى “سي آي ايه” -تحقيق من شأنه أن يهدد نظرته للعالم- جعله ينفجر.

وهكذا ظهر ثيسن عشية إطلاق تقرير مجلس الشيوخ في هجوم استباقي للتقرير مدافعا عن وكالة الاستخبارات المركزية بعمود جديد على جريدة “واشنطن بوست” حول كيف أدى استعمال محاكاة الغرق مع خالد الشيخ محمد إلى استهداف عدنان شكري جمعة القيادي في تنظيم القاعدة (الذي صادف أن قتل فقط نهاية الأسبوع الماضي من قبل القوات الباكستانية). هذا أمر يكاد يكون بديهيا، لكن حجة ثيسن تتداعى أمام النتائج الفعلية لتقرير لجنة مجلس الشيوخ فيما يتعلق بعدنان شكري جمعة، التي تبدأ من صفحة 358.

تطبيع التعذيب

 

حسنا، هذا النوع من المعارضة منتظر إذ أن تطبيع التعذيب ما فتئ يمثل خبز ثيسن اليومي. لكنه لم يكن أبدا الوحيد في هذه الحملة، فعند اقتراب موعد إطلاق التقرير برز فجأة حشد كبير من المسؤولين السابقين في وكالة الاستخبارات المركزية ومسؤولين سامين من إدارة بوش في المشهد الإعلامي من مختلف مشاربه. الكثير من الأسماء نفسها التي فقدت ثقة البلد بفضل “أشياء غير مهمة”، مثل الأدلة عن أسلحة الدمار الشامل الكيميائية وحرب العراق الكارثية، لقوا ترحيبا حارا على صفحات الافتتاحيات في وسائل الإعلام السائدة والعروض الإخبارية للدفاع عن برنامج التعذيب لدى “سي آي إيه”. وبالفعل يبدو أن الجميع كانوا يلتفون حول “ألواح الغمر بالماء”. كان هناك جورج بوش في قناة “سي أن أن”، وديك تشيني في صحيفة “نيورك تايمز″، ومسؤول في “سي آي إيه” الذي أتلف أشرطة الفيديو عن عمليات التعذيب التي قامت بها الوكالة كان في “واشنطن بوست”، هذا دون أن ننسى المدير السابق لوكالة “سي آي إيه”، مايكل هايدن، في مجلة “وال ستريت”، وفي برنامج “مورنيغ جو” و”فيس ذي نايشن” وفي الأخبار الليلية على “إيه بي سي” وحتى في الشارع يعترض المارة ليشرح لهم حاجة البلد لهذه الطرق الفظيعة في التعذيب. هذا الحماس الفياض لهذا الرجل في الرد على تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ توضّح معناه بالكامل عند الاطلاع على الملحق رقم 3 المتكون من 37 صفحة والمخصص فقط لبيان المرات الكثيرة التي كذب فيها هايدن على الكونغرس.

زمن بحوث المعارضة هذا ليس من الصادم كثيرا معرفة أن هؤلاء المدافعين عن التعذيب أنشأوا مواقعهم على الإنترنت لدحض التقرير تحت أسماء خرقاء مثل (سي آي إيه أنقذت الأرواح). لكن بعد تفحص الموقع، حيث يقدم قائمة لعشرات المنابر الإعلامية حيث شرّف هؤلاء الناس بحضورهم في الأيام القليلة الماضية لمهاجمة التقرير، عليك أن تتساءل لماذا كلفوا أنفسهم، فبوجود إعلام مطوّع يسعى إلى “توازن” الرؤى لم يجدوا بالتأكيد أي عناء في إيجاد الفرص لتضخيم حملتهم المعادية. إن قيام الصحافة بإفساح المجال لهذه الهجومات على التقرير حول التعذيب ليس أمرا مستغربا، وهو أمر مؤسف حقا. وذلك لأن التقرير وجد أن الإعلام كان وسيلة طيّعة لحملة دعاية لفائدة “سي آي إيه” عندما كان برنامج التعذيب نشطا. وسواء كانت “سي آي إيه” تقوم بتسريب معلومات سرية منتقاة لحشد التعاطف للوكالة أو تلفق المؤامرات الإرهابية المفبركة لتبرير المعاملة اللاإنسانية للمعتقلين، من الواضح أنها استخدمت الصحافة السائدة. وقام الإعلام السائد في أغلب الأحيان بمجاراة الوكالة لدعم هذه الادعاءات، وفي بعض الأحيان تصرّف الإعلام وكأنه امتداد لمكتب العلاقات العامة التابع للوكالة عوضا عن مراقب للحكومة.

 

ورقة التوت غلومار

 

ليس مفاجئا بألا تحظى هذه التصريحات بوقت طويل من البث داخل الإعلام السائد نفسه. مثلا تغاضت “أهم المقتطفات” على قناة “سي أن أن” من تقرير التعذيب بالكامل عن علاقة التبعية للصحافة مع “سي آي إيه”. بيد أن التركيز فقط على الفظاعات الرهيبة التي سلطتها الحكومة الأميركية على المعتقلين (الكثير منهم كانوا أبرياء تماما) يؤدي إلى التغاضي عن النصف الآخر من قصة التعذيب، وهو النصف الذي يؤثر بدرجة مباشرة على تقدم نظامنا الديمقراطي إلى الأمام بما أن التقرير الصادر عن مجلس الشيوخ يفضح أيضا مدى فساد وتحطم نظامنا في الرقابة والشفافية.

عندما يستطيع مسؤولون في وكالة الاستخبارات المركزية التحدث بصفة شخصية عن “ورقة التوت غلومار” التي استخدموها بانتظام لرفض كل مطلب طبقا لقانون حرية المعلومات، وعندما يمكنهم المزاح مع بعضهم البعض حول نفاق الادعاء بأن كل شيء هو سر من أسرار الدولة، بينما في الوقت نفسه “يخططون لكشف كامل برنامج التعذيب تقريبا” للصحفيين الأصدقاء، يتضح عندها وجود نية سيئة زيادة على السياسة غير الأخلاقية. والاعتراف بهذه الحقيقة مهم، ومهم جدا أيضا لأن الصحافة ليس عليها أن تروي كلا الجانبين من الحكاية إذا كان جانب منها يحاول فحسب تجنيد الصحافة لنشر الأكاذيب والمعلومات المغلوطة لحسابه. إن التعاون في المجهودات الدعائية لهؤلاء المدافعين عن سياسة التعذيب حتى بعد كشف خداعهم أمر يرقى الى سوء الممارسة الصحافية.

لهذا يجب تجنب أي تعبير عن الرضى عن النفس حول ما يمكن اعتباره في أحسن الحالات محاولة مجزأة للمصالحة مع نظام التعذيب الأخير في بلدنا، فنحن لم نضع آليات دائمة وحقيقية لتجنب تكراره لأننا بالتحديد لم نتعلم بالكامل الدروس المؤلمة كيف حصلت أول مرة.

أحد الحلول المثيرة للاهتمام جاءت من أنتوني روميرو مدير اتحاد الحريات المدنية الأميركي (أكلو) الذي قال في افتتاحية “نيويورك تايمز″ إن أوباما يجب عليه إصدار عفو استباقي لكل من تورط في الموافقة على برنامج التعذيب التابع لوكالة الاستخبارات المركزية وتنفيذه -بما في ذلك الرئيس السابق بوش- كطريقة للتأكيد على عدم مشروعية التعذيب.

بالطبع من شأن تلك الخطوة أن تطلق سيلا من الغضب الحاقد من الجناح اليميني يبلغ من الحدة درجة يجعل من جلسات إدانة الرئيس بمثابة فسحة تنزه. والأكثر من ذلك هذه الفكرة ستبوء بالفشل مع رئيس له نظرة واحدة للعدل في اتجاه المستقبل فقط دون الماضي، لكن تستحق التفكير فيها باعتبارها تجربة فكرية بهدف تدعيم المسؤولية الأخلاقية لكل من هو متورط في تمكين التعذيب باسمنا. وبما أننا تعاملنا مع أوامر العفو الخيالية لسياسة التعذيب علينا أن نخصص واحدا منها للصحافة أيضا.

 

ناقد إعلامي صدرت له أعمال في “ذي نايشن” وتقارير نيمان التابعة لجامعة هارفارد