الحلقة الثانية: حرب فلسطين في مذكرات عبد الناصر ويوميات هيكل

06:38

2014-12-14

الشروق العربي-  هيكل يراهن يهوديا.. أن مصر لن تدخل حرب فلسطين!

 من حق الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل أن يعتبر نفسه "شاهد حق" على حرب فلسطين!

لقد خلع هيكل ملابسه المدنية وارتدى الملابس العسكرية. وذهب إلى فلسطين قبل دخول مصر حرب فلسطين بحوالي شهرين. وكانت الأحداث هناك ساخنة في طريقها للانفجار. وكانت العصابات الصهيونية الإرهابية. قد بدت تنفذ بالسلاح مخططها لإرهاب الفلسطينيين العزل البسطاء. وطردهم من قراهم والاستيلاء على هذه القرى والمدن الفلسطينية واحدة بعد الأخرى .

ومن اليوم الأول لسفره في هذه المهمة الصحفية الخطيرة. بدأ هيكل يرسل إلى "أخبار اليوم" تحقيقاته الصحفية المثيرة عما يحدث على أرض فلسطين. هذه التحقيقات التي كان لها أبلغ الأثر على الرأي العام المصري. رغم أن الصحافة أيامها كانت تحت الرقابة .

ولقد شهد جمال عبد الناصر فيما بعد بأنه كان يتابع ويقرأ تحقيقات هيكل عن حرب فلسطين.. وتأثر بها كثيرا .

وبعد مرور خمس سنوات على حرب فلسطين ..

وبعد أن قامت ثورة يوليو 1953 ..

وبعد أن رحل الملك فاروق عن مصر للأبد. وذهبت الملكية والأحزاب الفاسدة .

سجل هيكل من جديد يومياته عن حرب فلسطين.. بلا رقيب أو رقابة !

قال هيكل في هذه اليوميات :

"أحاول الآن أن أتذكر. على ضوء الصور التي ما زالت حية في خيالي. وعلى ضوء الكلمات السريعة التي خططتها في مذكراتي. وعلى ضوء الرسائل التي بعثت بها من ميدان الأحداث.. كيف بدت لي فلسطين في تلك الأيام "!

كان الموقف كما بدا لي في تلك الأيام.. كارثة مطلقة !

وما زالت تطن في أذني حتى اليوم عبارة قالها موظف الجوازات عند جسر النبي. الذي يقوم على نهر الأردن. ويربط ما بين شرق الأردن وفلسطين .

نظر إليَّ موظف الجوازات وقال بدهشة وعجب

أنت داخل إلى فلسطين؟

قلت: نعم .

هز الرجل رأسه في رأسي واستطرد

كل الناس اليوم يهربون من فلسطين. وأنت أول واحد منذ زمن طويل يطلب تصريحا بالدخول إليها !

وأشهد أنني لم أفهم المعنى الحقيقي لهذه العبارة. التي سمعتها من موظف الجوازات عند جسر النبي. إلا بعد أن قضيت عدة أسابيع في فلسطين. رأيت فيها كيف ضاع السلام في أرض السلام !

وأذكر يوما في حيفا وقفت فيه بجوار قائد حاميتها العربي. وهو يصرخ في التليفون طالبا رقم 4481 حيفا .

وكان الرقم لتليفون في البريجادير ستوكويل قائد منطقة حيفا الإنجليزي. وكان الجيش الإنجليزي ما زال يحتل فلسطين. وكان باقي من الزمن شهرا على يوم انتهاء الانتداب.

وحينما رد البريجادير ستوكويل على التليفون. سأله القائد العربي بنبرة محمومة مذعورة :

هل صحيح يا سيدي القائد أنكم ستتركون حيفا اليوم؟ وكيف أن اليهود يعرفون الخبر منذ أربعة أيام وقد استعدوا..أنتم بهذا تسهلون لهم الاستيلاء على حيفا كلها.. كيف تقول انك لا تستطيع أن تفعل شيئا ؟ يا سيدي القائد أنني مسئول عن الأمن هنا حتى يوم 15 مايو القادم !

وانقطعت المكالمة التليفونية ..

وبدأت أصداء انفجارات بعيدة تهز المبنى الذي كنا فيه. والذي كان هو نفسه مركز انفجارات قوية تذهب أصداؤها إلى بعيد .

وحين جاء الليل ..

كان اليهود يشنون هجوما عاما للاستيلاء على حيفا !

ومضى محمد حسنين هيكل بأسلوبه الأقرب إلى ريشة فنان موهوب في رسم أدق التفاصيل الصغيرة. يروى ذكرياته عن حرب فلسطين.. فقال :

"ومازالت أذكر كيف استأجرت سيارة عند الفجر. غادرت بها حيفا.. وكانت المدينة البائسة راكعة على ركبتيها في ذلة واستسلام ‍"!

وأنا الآن أجد في ذاكرتي نماذج كثيرة متكررة لمأساة حيفا ..

ولقد رأيت بعيني يافا مقاومتها تنهار أمام عصابات الهجانة .

ورأيت الاستحكامات في القدس تسقط خطا بعد خط. وكانت دموعي تحجب المرئيات عن عيني. وأنا جالس في مقعد في آخر سيارة عربية غادرت القدس. ودفعت خمسة وثلاثين جنيها لكي أتجول في هذه الدقائق القليلة. التي سبقت اكتساح الهجانة لشوارع المدينة المقدسة .

وجلست ليلتها أكتب رسالة عن الموقف لـ"أخبار اليوم" نشرت في أول مايو 1948 وقلت فيها: "لقد زرعها اليهود حربا. وزرعناها كلاما. وكان الحصد دما يتدفق أنهارا على أرض السلام "

ومضيت أشرح المعركة قائلا:

لقد اتبع اليهود في هذه الحرب أسلوب أخرجته الحرب العالمية الأخيرة من أساليب. وما أشبه ما حدث في فلسطين بما حدث في فرنسا. الضربات السريعة القوية. والطابور الخامس. سيول المهاجرين يتدفقون نحو الحدود. ويتدافعون في الطرقات. كل منهم يعمل فوق طاقته لإنقاذ ما تبقى له في الحياة. وكل منهم له قصة يرويها . قصة مليئة بالرعب والخوف !

لكن الذي كان يروعني أن الجبهة العربية كانت في حالة انهيار كامل !

وكانت مسئولية هذه الجبهة مشتتة موزعة ..

كانت هناك مثلا جيوش التحرير العربية. وكان أكبرها جيش فوزي القاوقجي. وكانت هناك غيره مجموعات من الجيوش الصغيرة. يرأسها ضباط متقاعدون أو في المعاش.

ولكن لم ألبث أن اكتشفت أن هذه الجيوش. أو معظمها على الأقل. يسعى إلى هدفين لا ثالث لهما:

أولهما أنه يتجه باهتمامه الأول لا إلى مواقع المستعمرات الحصينة. إنما يهدف إلى تلك التي يسهل سبلها ونهبها!

والثاني أنه يبالغ مبالغة مروعةـ غير معقولة في بعض الأحيان- لكي يحصل من يحصل من المبالغ المخصصة للدفاع عن فلسطين. سواء من تبرعات الحكومات العربية أو من أفراد شعوبها. على أكبر قسط ممكن !

ولقد أحسست بالانهيار الكامل في الجبهة العربية أيام معركة مشمارها عميك .

وسألت نفسي وقتها :

أين فوزي القاوقجي قائد أكبر جيش من جيوش التحرير؟

وكان فوزي القاوقجي بعيدا عن المعركة !

وسألت نفسي ..

أين صفوت باشا القائد العام لقوات التحرير العربية؟

وكان صفوت باشا لم يطأ بقدمه بعد أرض فلسطين ‍!

وسألت نفسي ..

أين طه باشا الهاشمي مفتش قوات التحرير؟

وكان الهاشمي باشا يدير معارك فلسطين من بيروت وعمان والقاهرة ودمشق!

ويستمر هيكل في وصف مهزلة قوات تحرير فلسطين فيقول :

"وأذكر أنني ذهبت بعدها إلى عمان. وقابلت الملك عبد الله بن الحسين في قصر رغدان. وكان يرحمه الله ويغفر له. ينادى في ذلك الوقت بوجوب التدخل المسلح في فلسطين. ورويت له شعوري. وما رأيت في ميادين المعارك.

وقال لي جلالته :

إن طه باشا الهاشمي موجود الآن في عمان. وأنا أقترح عليك أن تقابله وتقول له كل شئ.

وأذكر أن الملك قال لي وقتها:

لقد قرأت بعضا من هذا في مقالاتك التي كتبتها في "أخبار اليوم".

ثم مضى الملك يقول وهو يمسك بلحيته البيضاء :

ومن أجل لحيتي هذه.. انس الآن أنك صحفي.. وأذكر عروبتك.. وحينما ترى شيئا من هذا القبيل لا تكتبه.. وانما تعال وقله لي حتى لا يكون من وراء ذلك تثبيط لهمة العرب.

ومضيت بناء على نصيحة الملك ..

وقابلت عددا من القواد المسئولين عن معركة التحرير .

وأذكر أن هذه المقابلة حضرها معي الأستاذ كمال صلاح الدين القنصل العام في مرسيليا اليوم. وكان وقتها قائما بالأعمال في عمان. وأشهد أنه كان نموذجا لخير ما يمكن أن يكون عليه دبلوماسي مصري.

ولم تثمر هذه المقابلة بيني وبين قواد معركة التحرير المسئولين. إلا أن زادتني ثورة على ثورة. وسخطا فوق سخط !

كان القواد العرب في ضيافة تاجر دقيق مشهور في عمان !

وكان لقائي معهم في أحد مخازن الدقيق. وكنا جالسين وأكداس من أجولة الدقيق حولنا من اليمين إلى اليسار. وكان كل منهم جالسا وأمامه نرجيلة. غرس مبسمها في فمه. ومضى يجذب الدخان في استمتاع. كأنما ليست هناك أنقاض ولا ألسنة لهب. ولا سهول تتناثر عليها جثث القتلى. ولا دم يبلل زهور البرتقال.. في فلسطين !

ولم أكن أتصور وقتها أن الجيوش العربية النظامية -ومن بينها الجيش المصري- سوف تدخل فلسطين ..

وكنت واثقا على الأقل من موقف مصر .

أو هكذا خيل لي في ذلك الوقت !

وكانت ثقتي هذه مبنية على عدة عوامل :

1- أنني كنت أعرف أن النقراشي باشاـ يرحمه الله ويغفر له- قد أوضح في مؤتمر عالية. أن مصر لن تدخل حربا رسمية في فسلطين. وأنها ستعطى كل ما تقدر عليه من مال. وستبذل ما في طاقتها من جهد. وستشجع قطوع المقاتلين وتعطيهم السلاح.

2- أنني قابلت النقراشي باشا خلال يومين قضيتهما في القاهرة إجازة من أحداث فلسطين. ورويت له كل ما رأيته فيها. وأذكر أنه قال لي وكان معنا ثلاثة أو أربعة من الأعزاء عليه :

لن ندخل بجيشنا حربا رسمية في فلسطين .

أن معركتنا هي أولا مع الإنجليز .

وقال النقراشي باشا : لقد كنت في مجلس الأمن. وقلت للإنجليز اخرجوا من بلادنا أيها القراصنة. وقلت للعالم: أن الجيش المصري قادر على ملء الفراغ في قناة السويس. فكيف أعرض هذا الجيش. الذي هو كل حجتي في نهاية ملء الفراغ في القناة لأية تجربة. حتى ولو كان احتمال الخطر فيها ضئيلا .

3- أنني قابلت الفريق محمد حيدر وزير الحربية وقتها. وكنت وما زلت أعتقد أنه رجل طيب نظيف. ورويت له أيضا ما رأيت في فلسطين .

وقال وهو يخبط بيده على مكتبه :

أبدا لن ندخل حربا رسمية.. هل نحن مجانين.. لقد فتحت باب التطوع بين الضباط والجنود. وسأعطى هؤلاء المتطوعين السلاح الذي يريدونه !

ويمضى هيكل في شرح خلفيات وظروف دخول مصر حرب فلسطين فيقول :

"ولما عدت إلى فلسطين بعد هذه الأيام التي قضيتها في القاهرة. كنت كما قلت واثقا على الأقل من موقف مصر ".

وأذكر أن الملك عبد الله سألني بعد عودتي من القاهرة :

هل قررت مصر دخول الحرب ؟

واقتربت من الملك أهمس في أذنه بما أعتقد. وبأن مصر على استعداد لكل شيء. إلا التدخل الرسمي المسلح. ثم شرحت له الظروف .

أذكر أيضا أنني سألت من عدد كبير جدا من أهل فلسطين في نفس الموضوع. وكانت إجابتي صريحة مستندة إلى ما كنت أعلمه. وما كنت أتصور في ذلك الوقت أنه الخط المرسوم !

بل أذكر أيضا أنني عقدت رهانا غريبا في هذا الموضوع. رهانا قيمته عشرة جنيهات لم أدفعها حتى اليوم !

وكنت قد سعيت عن طريق بعض المراسلين الأجانب في فلسطين. لكي ألتقي ببعض قادة الوكالة اليهودية. وكانوا وقتها هم النواة لحكومة إسرائيل. وكنت قد قابلت بن جورين رئيس وزراء إسرائيل فيما بعد .

ثم عاد هؤلاء المراسلون ورتبوا لي موعدا مع ساسون الذي كان وقتها سكرتيرا شرفيا للوكالة اليهودية ..

- وقال لي ساسون: أن الجيش المصري سوف يدخل حربا رسمية ‍!

وهززت رأسي ..

وقلت له : لا أعرف .

قال ساسون: سوف يضحك الإنجليز عليكم. وسوف يقدمون لكم كل إغراء لتدخلوا. ثم ينصبون لكم فخا. انهم لا يريدون جيشكم هذا الذي تدعون به القدرة على ملء الفراغ في قناة السويس .

ثم مضى ساسون يقول: هل تراهن بعشرة جنيهات؟

قلت: قبلت الرهان !

وقد التقيت بساسون بعد ذلك في باريس في شهر سبتمبر. وكانت الحرب قد بدأت فعلا والهدنة قد فرضت. وفى مجلس الأمن مناقشات حول الهدنة وظروف الاعتداء عليها.

ووجدت ساسون فجأة أمام قاعة اجتماع اللجنة السياسية في قصر شايو

يقول لي: هل رأيت.. ألا تريد دفع الرهان؟!

وبعدها في شهر فبراير سنة 1949 ..

وفى استنبول في مطعم عبد الله المشهور. وكان ساسون قد عين سفيرا لإسرائيل في تركيا. أقبل أحد خدم المطعم يحمل لي ورقة صغيرة كتب عليها :

ألا تريد أن تدفع رهانك؟!

وقال لي الخادم: السيد الجالس هناك بعث بهذه الورقة إليك !

ورفعت رأسي في الاتجاه الذي أشار إليه ..

ووجدت ساسون بنفسه ينظر لي.. ويبتسم !

ويغوص هيكل أكثر في يومياته ..

ويلتقط من بينها مفاتيح ذاكرته عن أيام حرب فلسطين.. وما قبلها .

ويمضى قائلا :

"كنت إذن واثقا ثقة مطلقة أن مصر لن تدخل حربا رسمية في فلسطين".

وأذكر أن الملك عبد الله بعدها روى بعض أخبار مصر. وكنت قد عدت إلى عمان بعد جولة سريعة مع جيوش التحرير. ودعاني جلالته على الغداء. وجلسنا وعلى المائدة بعض خاصة جلالته .

والتفت إليَّ الملك وقال :

لابد أن أخبار مصر قد أوحشتك؟

قلت للملك :

هذا صحيح.. فقد مضى علىّ أكثر من أسبوعين لم أقرأ جريدة مصرية. ولم أسمع أخبارا من مصر .

قال الملك :

إذن اسمع.. أهم ما سمعته من أخبار مصر في الأيام الأخيرة خبران.. الأول أن محاولة قد وقعت لنسف بيت النحاس .

وسكت الملك دقيقة ثم استطرد :

- وعلى فكرة أرسلت له برقية بالنجاة.. فهل تظن أن فاروق سوف يغضب؟

ثم استطرد الملك يقول :

والخبر الثاني أن النقراشي قال في جلسة سرية في البرلمان المصري. أنه لا يستطيع أن يوافق على دخول مصر حربا رسمية في فلسطين. حتى لا يعرض الجيش الذي يعتمد عليه في سد الفراغ في قناة السويس لأية مخاطرة.

وسكت الملك.. ثم قال :

وليكن للنقراشي ما يريد.. أما أنا فسوف آمر الجيش العربي أن يتقدم. وأنا مستعد وحدي أن أتحمل المسئولية. ولكن أريد العون المادي والأدبي من مصر .

وأذكر أيضا أنني قابلت الأستاذ عبد الرحمن عزام في ذلك الوقت في عمان .

وقال لي عزام: كل الذي يراد من مصر هو المال والمتطوعين !

ومضى الأستاذ يؤكد ..

قائلا: لقد أعددت ثلاثة آلاف ليبي وتم تدريبهم. وأنا أعتقد أننا نستطيع بهم أن نصنع شيئا في فلسطين !

وكان كل هذا يضاعف يقيني أن مصر لن تدخل حربا رسمية في فلسطين !

***

في ذلك الوقت بالتحديد ..

وصلت بعض الصحف المصرية إلى عمان وقرأها هيكل. ولفت نظره أن الصحف المصرية كانت تنشر روايات خيالية عن بطولات جيوش التحرير العربية في فلسطين. وفى نفس الوقت تقلل من أهمية القوات اليهودية !

ويتأثر هيكل كثيرا بما قرأه في الصحف المصرية .

كان يعلم أن هذه ليست الحقيقة ..

ولا يتردد هيكل في أن يغادر عمان في نفس اليوم متجها إلى فلسطين. لكي يقوم بتحقيق صحفي عن القوة العسكرية اليهودية. وكل هدفه أن ينقل صورة واضحة وأمينة للمصريين. الرسميين وغير الرسميين عن قوات اليهود.

ويقضى هيكل أسبوعا يتنقل بين القدس العربية وجنين وطولكرم ورام الله ..

ثم يعود إلى عمان ليكتب رسالة صحفية يضمنها كل المعلومات التي حصل عليها ف جولته ويرسل بها إلى "أخبار اليوم". التي تنشر هذه الرسالة يوم 8 مايو 1948 أي قبل أسبوع من دخول الجيوش العربية حرب فلسطين رسميا!

وكان عنوان هذه الرسالة الصحفية التي كتبها هيكل يقول :

" الهجانة وأسرار العاصفة التي تجتاح فلسطين".

وقال هيكل في رسالته الصحفية: أن اليهود في فلسطين تحولوا من عصابات من أمثال عصابة شتيرن. وبرز جيش الهجانة- أي جيش الدفاع– ولكنه هذه المرة كان معدا للهجوم وليس الدفاع !

وشرح هيكل في رسالته قصة الهجانة وتسليمه. وكيف تم إعداد أفراده تحت اسم الفيلق اليهودي الذي اشترك في الحرب العالمية الثانية .

وقال هيكل في رسالته الصحفية: أما قصة الهجانة تسليما وإعدادا فقد بدأت قبل ذلك بكثير. كانت الوكالة اليهودية تحلم دائما بإنشاء جيش. وكانت دائما تعد لهذا الجيش عدته. حتى إذا جاء اليوم الذي تسمح فيه الظروف بقيامه. وجد بين يديه عدته وسلاحه .

"وانشئت في بلغاريا وإيطاليا ويوغوسلافيا وروماني وروسيا وغيرها من البلاد. معسكرات أطلق عليها اسم الكابوتسي أو الطلائع. واليها كان يهرع المتحمسون من شباب إسرائيل يتدبرون على حياة المستعمرات وعلى أساليب القتال".

وحتى مصر أثبتت الحوادث أنه كان فيها واحدة من هذه الكابوتسى. وكان مقرها مزرعة صغيرة يملكها أحد المحاميين في الهرم !

وبين الحين والحين كانت تتسلل في البحر الأبيض المتوسط باخرة تلقى على شواطئ فلسطين بجماعات من هذه الطلائع. يقودهم الإدلاء إلى المستعمرات. ومن ثم إلى صفوف الهجانة .

وفى نفس الوقت كان التسليح يدور على نطاق واسع !

وتم شراء 38 طائرة دفعة واحدة من أمريكا !

وتم شراء 24 طائرة من إنجلترا قامت عليها ضجة في مجلس العموم البريطاني. ولكن اليهود استطاعوا أن يخنقوا الضجة. فلم تلتفت إلا النظام قلائل !

وتم استيراد شحنات من المسدسات الضخمة من طراز مونشاير

وتم استيراد مصانع ذخيرة أنشئت في مستعمرة بات جليم .

وسجلت تقارير تلقاها أحد الملحقين الحربيين في القدس. أن اليهود حشدوا في مستعمرة "قضاء الأخضيرة" 36 دبابة كبيرة من طراز تشر شل !

وقبل ستة أسابيع من سقوط حسين- وكان اليوم الموعود قد لاح في الأفق- وصل إلى حيفا على ظهر الباخرة على أنها جرارات زراعية ومحاريث !

ولم تقيد هذه الشحنة لحساب الوكالة اليهودية كباقي ما كانت تحمله باخرة "السهم الطائر" بل قيدت "تحت الطلب". حتى يسهل للوكالة اليهودية التخلص من تبعة استيرادها إذا انكشف أمرها في الميناء !

                                                ***

وفى نهاية رسالته الصحفية قال هيكل :

"ويقول الملحقون الحربيون والصحفيون الأجانب. وغيرهم من الباحثين عن السر والحقيقة لكل من يقابلونه من المسئولين العرب":

استعدوا اليوم 15 مايو..

في مطارات أوروبا الجنوبية وفى موانيها . طائرات مستعدة. وبواخر محملة بالرجال.. وهى تنتظر اليوم الموعود. لتهبط فجأة على الأرض المقدسة. أو تظهر فجأة أمام موانيها .

يومئذ سيكون الغزو الحقيقي.. فاستعدوا لها.

وليس هذا فقط ..

بل أن بعضهم يقول همسا. وقد تكرر الهمس في أكثر من مرة. في أذن أكثر من عربي مسئول :

أنتم تعرفون أن هذه هي المعركة الأخيرة للصهيونيين. إن انتصروا فيها فلهم فلسطين. ومن يدرى أيضا. وان انهزموا فليس هناك سوى البحر. وهم يدركون هذا. ويعلمون أن المعركة القادمة أملهم الوحيد. ولهذا فانهم سوف يقدمون على أي شيء .

ثم يضغط الهامسون على ألفاظهم ويقولون :

استعدوا .

ثم يهمس أحدهم همسات مرتجفة ويقول :

في مستعمرة "روفوبوط" بالقرب من يافا. معمل للتجارة المعملية أشرف على إعداده "وايزمان" بنفسه. وكان هذا المعمل يجرى أخيرا تجارب على بعض الجراثيم. ثم من يدرى؟ هذه حرب حياة أو موت .

فلسطين.. أو البحر .

واليهود يعرفون هذا ..

ثم يقول الهامس للمرة الأخيرة :

استعدوا !