التنظيمات الإرهابية تهدّد أمن لبنان باستهداف جيشه

12:51

2014-12-13

الشروق العربي-بيروت - ينهي رئيس الوزراء اللبناني، تمام سلام، اليوم في باريس، ملف تسليح الجيش اللبناني، تطبيقا للاتفاق السعودي الفرنسي الخاص بدعم المؤسسة العسكرية اللبنانية ورفدها بالمعدات اللازمة لتكون قادرة على مواجهة التحديات التي يواجهها لبنان، الذي يعاني ضعفا على مستوى التسلّح والاستقرار السياسي، وسط وضع إقليمي متفجر ومتقلّب.

تنامي المجموعات السنّية المتطرفة في لبنان المرتبطة بتنظيمات إرهابية، وتحجيم أتون النيران التي أشعلها تورط حزب الله في سوريا، حتى لا تمتدّ للعمق اللبناني، يستوجب دعما دوليا قويا وعاجلا للمؤسسة العسكرية اللبنانية، وقد أصبحت هذه الحقيقة شديدة الوضوح مؤخرا في استعراض القوة بين قوات الجيش اللبناني والمجموعات المسلحة على الحدود السورية (شمال شرق لبنان)، في عمليات زادها تعقيدا الارتباك السياسي الداخلي.

وأمام هذه الحقيقة، قرّرت الدول الإقليمية والدولية الكبرى مساعدة لبنان ومؤسسته العسكرية، وذلك عن طريق رفدها بالعتاد والتمويلات الضرورية لمجابهة هذه التحديات الأمنية الكبرى، التي لا يمكن أن يحتمل لبنان عواقبها وقد تؤدي إلى تفجير حرب أهلية، سبق لهذا البلد الصغير أن ذاق ويلاتها، لكن لهيبها هذه المرة سيطال الدول المجاورة، المشتعلة أصلا، وسيكون وقعها أخطر على المنطقة الإقليمية ككل.

وفي تجسيد عملي لهذا القرار، يوقّع اليوم رئيس الوزراء اللبناني، تمام سلام، في باريس، على الاتفاق النهائي لتسليح الجيش اللبناني. وبمقتضى هذا الاتفاق يبدأ الجيش اللبناني في الأسابيع المقبلة استلام المعدات العسكرية التي يحتاجها تطبيقا للاتفاق السعودي الفرنسي الخاص بالمنحة السعودية بثلاثة مليار دولار لدعم الجيش اللبنان.

وقد أشار سلام إلى أن الأسلحة والمعدات التي سيتسلمها الجيش ستساعد على التصدي للإرهابيين الذين يحاولون الاعتداء على السيادة اللبنانية.

وأعلنت الرئاسة الفرنسية، شهر سبتمبر الماضي، إثر لقاء جرى في باريس بين الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، وولي العهد السعودي، الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أن البلدين بصدد “وضع اللمسات الأخيرة” على عقد لتزويد الجيش اللبناني بأسلحة فرنسية بقيمة ثلاثة مليار دولار.

هل يحدث التغيير فرقا؟

 

كان تسليح الجيش اللبناني محورا رئيسيا في الجلسة العامة الثانية من حوار المنامة في دورته العاشرة، التي انعقدت الأسبوع الماضي في العاصمة البحرينية.

 

وقد اتفق أغلب المحللين والمختصّين، في هذا السياق، على أن تسليح الجيش اللبناني بشكل جيد وتطوير كفاءته يخدم لبنان والمنطقة.

في هذا السياق، يشير المحلل العسكري، جيمس هاكت، إلى أن الجيش اللبناني كان منذ نشأته صغيرا نسبيا ويشكو من نقص التمويلات واقتصرت أدواره الأساسية على احتواء العنف المحلي وأعمال الوساطة بين المجموعات المتنافسة في مختلف أرجاء البلد المتميز بالانقسام جغرافيا واجتماعيا، فضلا عن إدارة العلاقة الحساسة مع تنظيم حزب الله الشيعي المسلّح جيدا، بدعم من إيران.

ووسط الوضع اللبناني المعقد مذهبيا واجتماعيا يبقى الجيش في نظر مختلف الأطراف مؤسسة “وطنية”، وتمثل هذه الميزة إلى جانب دور الجيش المركزي في ضمان الأمن سببا أساسيا يجعل المانحين الدوليين متحمسين لدعمه.

ويلفت هاكت، في تحليل نشره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، المشرف على منتدى “حوار المنامة”، إلى أن القوات المسلحة اللبنانية شاركت في السنوات الأخيرة في عمليات أكثر تعقيدا، ومن أهمها إدارة أمن الحدود التي اكتسبت أهمية كبرى في ظل تدفّق اللاجئين نتيجة الصراع الدائر في سوريا.

 

وازدادت هذه المهمة بروزا بعد انتشار النشاط الإرهابي في سوريا سنة 2014، وخاصة القتال حول المدينة الحدودية عرسال في شهر أغسطس الماضي وتهديد التنظيمات الإرهابية بمزيد التقدم داخل الأراضي اللبنانية.

وتمكن الجيش من صدّ تقدّم الجهاديين، لكنه واصل تكبّد خسائر في الأرواح جرى بعضها في حوادث مروّعة صمّمت على ما يبدو لتحطيم معنويات الجيش وزرع الرعب في نفوس السكان المدنيين.

 

ومع ذلك ينبغي لفت النظر إلى أن الحاجة إلى إعادة بناء المهارات العسكرية وتعزيز قدرات الجيش اللبناني لمواجهة الخصوم غير التقليديين لم تكن فقط نتيجة لما يجري في سوريا، بل ظهرت عند القتال في مخيم نهر البارد في سنة 2006، وربما قبل ذلك أيضا مع تجارب القوات المسلحة في تعاملها مع نشاطات التنظيمات غير التابعة للدولة في البلاد، منذ ثمانينات القرن الماضي واستمرار تمويل الموارد المحدودة والقدرات القديمة من أجل التمكّن من مواجهة هذه النشاطات بكيفية ناجعة.
 
وقد تم الإعلان عن خطة خماسية لتطوير القدرات منذ سنة 2013، وكانت هذه الخطة محاولة لإعداد خطة استراتيجية لحاجيات القوات العسكرية ومعالجة مواطن القصور في القدرات بما في ذلك التدريب وحماية الموظفين والبنية التحتية للقوات العسكرية والمعدات الهجومية والاستطلاعية.

وإلى حدّ الآن قامت مجموعة متنوّعة من الدول من مختلف أنحاء العالم بتقديم مساعدات، والتعهد بتقديمها، إلى لبنان في إطار هذا المسعى. وبالفعل تتجلّى الأهمية المسندة إلى هذه العملية في عقد سلسلة من الاجتماعات على مستوى رفيع، بعضها تحت إشراف الأمم المتحدة، لمناقشة تقدم خطة التطوير وتنفيذ الدعم لها.

ونظّم آخر مؤتمر دولي حول دعم القوات المسلحة اللبنانية في روما في شهر يونيو 2014 بمشاركة ثلاثة وأربعين دولة ومنظمة دولية.وقد رحّب المشاركون، في ختام المؤتمر، بدعم القوات المسلحة اللبنانية.

وعبّرت كل من البرازيل وقبرص ومصر وفنلندا وفرنسا وغانا واليونان وايطاليا وهولندا ورومانيا وأسبانيا وتركيا عن استعدادها لتوفير المزيد من التدريب المختص في عدة ميادين، وهو ما يعطي فكرة واضحة عن عدد الدول المهتمة بالمسألة.

لم تشرع القوات المسلحة اللبنانية في تلقي المعدات الأكثر تطورا لتدعيم المعدات القديمة عموما إلا في السنوات القليلة الماضية. وكانت هناك تبرعات بالمعدات في العشرية الأولى من هذا القرن ،لكنها تمثلت غالبا في وحدات إضافية لمعدات في الخدمة مثل ناقلات الجنود المصفحة أم.133 وطائرات الهليوكوبتر يو.أيتش- 1 أو قطع غيار وتحديثات لهذه المعدات.

ي دور للمساعدات الدولية؟

 

واستخدمت واشنطن، وهي مانح أساسي، مجموعة من الإجراءات لتوصيل المساعدات، إذ يستفيد لبنان من البرنامج الأميركي الدولي للتعليم والتدريب العسكري. وينص القسم 1206 المتعلق بالمساعدة، بعد سنة 2006، على المساعدة في حماية الحدود من التهديدات الإرهابية والتجارة غير المشروعة، بينما دفعت الآلية القديمة العهد لتمويل المساعدات العسكرية الأجنبية الولايات المتحدة إلى توفير مساعدة عسكرية بقيمة 700 مليون دولار بين سنة 2005 وسبتمبر 2013.

 

بيد أن فورية التهديدات التي تواجه القوات المسلحة وانتشار العنف القادم من سوريا أديا إلى إحساس أكبر بضرورة الإسراع في تطوير القدرات العسكرية للجيش اللبناني. ومنذ سنة 2006 تبرّعت الولايات المتحدة بناقلات جنود مصفحة وطائرات هليكوبتر وعربات مصفحة خفيفة للنقل وصواريخ من طراز TOW وغيرها من المعدات.

 

وفي السنتين الماضيتين سلمت الولايات المتحدة طائرتين من طراز كومبات كرفان C-208B كلاهما تعتبر مناسبة للمهمات الاستطلاعية الجوية وواحدة منهما على الأقل مجهزة بصواريخ “هالفاير”. لكن الشيء غير المتأكد هو قدرة القوات المسلحة اللبنانية على التصويب وتقييم الأضرار الناتجة عن المعارك، بالرغم من أنه من المتوقع أن التبرع بهذه المعدات كان يفترض بأن يجري مع الأخذ في الاعتبار لنجاعة استعمالها.

 

لكن حتى وإن وضعت هذه القدرات الإضافية في مكانها، لن تكون إلا طائرة فقط من بين الطائرتين قادرة على القيام باستطلاعات متواصلة والرد بضربات جوية.

وإلى جانب هذه التحسينات للقدرات العسكرية اللبنانية من الولايات المتحدة، هناك مساعدة متجددة من دول أخرى مثل إيطاليا التي رعت المؤتمر الأممي حول القوات المسلحة اللبنانية في شهر يونيو الماضي. وحسب البيان النهائي للمؤتمر تعتزم روما كذلك تركيز قاعدة تدريب للقوات المسلحة جنوب نهر الليطاني بالتعاون مع قوات بعثة الأمم المتحدة في لبنان “اليونيفيل”.

كما قدّمت المملكة المتحدة مساعدات للقوات اللبنانية، وفي سنة 2013 تمّ تخصيص تمويلات إضافية لتعزيز الحدود اللبنانية الشرقية والشمالية مع سوريا.

 

واشتمل ذلك على التبرع بسيارات مخصّصة للطرق الوعرة وتحسين الحماية للأشخاص والاتصالات المؤمنة والمواد لبناء مراكز حدودية أحسن حماية. وعلى سبيل المثال تم تسليم القسط الأول من 160 سيارة لاندروفر في شهر ديسمبر من سنة 2013، في حين ظهرت مراكز الدوريات حديثة التشييد في أواخر سنة 2014.
 

ماهي قيمة المساعدة العسكرية؟

 

مقارنة بكمية المساعدة العسكرية التي منحتها الدول الأخرى إلى حد الآن، يشير جيمس هاكت إلى أن الاتفاق مع باريس بخصوص تسليح الجيش اللبناني، قد يكون الأكبر والأبرز.

ورغم غياب تفاصيل دقيقة عن المعدات المتفق على تقديمها، لكن يقال إنه تم النقاش حول طائرات دون طيار إلى جانب سيارات لوجيستية مدرعة. وتشير التقارير إلى أن القيمة الجملية لهذه الصفقة تصل إلى 3 مليار دولار أميركي، وهو مبلغ من الواضح أن بيروت غير قادرة على توفيره

في هذه الظروف لذلك أصبح تدخل الرياض ضروريا من أجل تمويل هذا المشروع. وكان رئيس وزراء لبنان السابق، رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، قد أكّد أن الجيش اللبناني سيكون لديه 30 طائرة خلال عام، منوها بالهبة التي قدمتها الرياض لتسليح الجيش اللبناني من فرنسا.زيادة على ذلك بإمكان الارتباط السعودي الفرنسي أن يزود لبنان بأجهزة عسكرية يصعب عليه الحصول عليها دون ذلك.

ومن وجهة نظر الرياض من شأن تمويل اتفاق تسليح الجيش اللبناني أن يعزّز قدرات القوات المسلحة اللبنانية في محاولة احتواء انتشار الحرب السورية، إضافة إلى إمكانية أن يساعد على تحسين موقع هذا الجهاز الوطني داخل لبنان.

ويمكن له أيضا –ولو في المدى البعيد- أن يساعد على إضعاف موقف حزب الله في علاقة بأي حجة محتملة في أن الضعف العسكري المتواصل للدولة –في إشارة للقوات المسلحة الإسرائيلية من الجهة الجنوبية- يمثل مبررا لحفاظ حزب الله على أسلحته.

وفي تعليقه على هذه الصفقة، ذكّر جان ايف لي دريان، وزير الدفاع الفرنسي، في كلمته في منتدى “حوار المنامة”، بأن هذه الصفقة يمكن أن تساعد الجيش اللبناني على أن يكون ضامنا للدولة، وهذا يدعم الرأي القائل إنه بالرغم من احتمال أن تكون الحزمة الأخيرة بدافع الاحتياجات الفورية، هناك رغبة لا تقل أهمية لتعزيز موقع القوات المسلحة كقوة “وطنية” على المدى البعيد، وربما - كما هو مأمول- زيادة قدرة الدولة اللبنانية.

وهذا ما يبرهن عليه تنوع البرامج والعلاقات الخاصة بالتدريب والصيانة المتوقع وجودها في الحزمة.

ويواجه لبنان اليوم أشرس معركة في تاريخه ضد الإرهاب وهي تأتي في سياق ظهور غير مسبوق لحركات جهادية متطرّفة، استغلت ضعف الحكومات وثورات الربيع العربي والتوتر المذهبي لفرض نفسها على الساحة وهي تسيطر على مساحات جغرافية كبيرة، وفق الباحث رياض قهوجي