الحلقة الأولى: حرب فلسطين في مذكرات الزعيم عبدالناصر ويوميات هيكل

14:38

2014-12-12

الشروق العربي- ستظل "حرب فلسطين" أحد أهم الفصول في كتاب تاريخ الصراع العربي– الإسرائيلي، مهما مضت سنوات الزمان.

هذه الحرب التي كانت لها مقدماتها وأحداثها وتداعياتها. أما المقدمات فقد كانت انعكاسا لحال مصر السياسية أيامها. وحال الأمة العربية أيضا.

وأما تداعياتها فأغلب الظن أنها باقية حتى اليوم.

وتبقى أحداث حرب فلسطين 1948 برغم السنوات التي انقضت عليها. مثل كرة بلورية مليئة بالانعكاسات والأشكال المختلفة. تختلف رؤيتها باختلاف الراوي والسامع.

ومهما كتب عن حرب فلسطين ومهما اجتهد المؤرخون وأصحاب الآراء والتحليلات. تظل شهادات الأبطال هي الأقوى والأوضح تأثيرا.

وهذه شهادة اثنين من أبطال هذه الحرب..

الأول.. ضابط مقاتل عاشها وواجه الموت بالرصاص فيها. ووسط ظلام خنادقها ورائحة البارود والموت. عرفه العدو الحقيقي. واكتشف طريق النور لنفسه ولشعبه.

الثاني.. كاتب صحفي نادر، حمل قلمه إلى أرض المعركة، وارتدى الملابس العسكرية لأول مرة في حياته، وسجل بأمانة لبني قومه تفاصيل هذه الحرب وما سبقها وما حدث فيها.

وعلى السطور القادمة تفاصيل شهادة الاثنين..

مذكرات جمال عبدالناصر.

ويوميات محمد حسنين هيكل !

الفصل الأول

وخرج جمال عبدالناصر من السينما.. ليكتب مذكراته.. بعد حوالي نصف قرن أو بالتحديد 49 عاما من توقيع اتفاقية 1899 بين مصر وبريطانيا. وهى الاتفاقية التي سمحت بسيطرة الإنجليز على الجيش المصري. دخلت مصر حرب فلسطين.

كانت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس قد أعلنت في حوالي منتصف عام 1947 أنها سوف تنهي الانتداب عن فلسطين يوم 14 مايو 1948. وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت بالفعل قرارها بتقسيم فلسطين. هذا التقسيم الذي منح اليهود نحو 50% من الأراضي الفلسطينية .

وقد رفض العرب قرار التقسيم..

وبعد هذا الرفض انطلقت العصابات الصهيونية الإرهابية تعربد بالسلاح في الأراضي الفلسطينية؛ لإجبار سكانها البسطاء غير المسلمين على هجر بيوتهم وقراهم ومزارعهم خوفا على حياتهم.

وكما يقول أحمد حمروش، فإن العصابات الصهيونية استولت على مدن طبرية وحيفا وصفد والأحياء الغربية للقدس؛ هاجمت القرى الآمنة، وارتكبت مجازر وحشية ضد العرب، دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال، ومن أكثرها بشاعة مذبحة دير ياسين التي جرت يوم 9 إبريل 1948، وانتهت بقتل أكثر من 250 عربيا، وبلغ عدد القرى العربية التي تعرضت للهجوم حوالي مائة قرية فلسطينية.

ويقول حمروش: هكذا التقى رفض العرب لمشروع التقسيم مع نقص قدراتهم العسكرية مع المخطط الصهيوني التوسعي القائم على استخدام القوة.

وانتهى الأمر بإعلان بن جورين لدولة إسرائيل مساء يوم 14 مايو 1948، واعترفت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الحكومة بعد دقائق من إعلانها!

كيف دخلت مصر حرب فلسطين؟

وهل كانت الظروف السياسية والعسكرية والداخلية تسمح بدخول هذه الحرب؟

وهل كانت هناك استعدادات كافية؟

وهل كانت حماسة الشعب المصري فقط وراء الدخول في هذه الحرب؟

وكيف فجرت العصابات الصهيونية الوضع داخل فلسطين، مما أثار حمية وغضب العرب؟

يقول أحمد حمروش إن المشاعر المضادة لأعمال العصابات الصهيونية تصاعدت، وبدأت عمليات تطوع الذهاب إلى فلسطين تبنتها الجامعة العربية وأمينها العام عبدالرحمن عزام باشا، وشكلت كتائب تحت قيادة القائمقام أحمد عبدالعزيز الضابط بسلاح الفرسان، والذي كان مدرسا للتاريخ في الكلية الحربية، ومعه كمال الدين حسين فيما بعد وعدد من الضباط.

وهكذا بدأ القتال في صورة حرب عصابات..

حرب بين المتطوعين العرب والعصابات الصهيونية. ووجدت فكرة التطوع أنصارا كثيرين في الجيش، ومن بينهم اللواء محمد نجيب، الذي آمن بأن الوسيلة المثلى للقتال في فلسطين لا تكون إلا باستخدام حرب العصابات.

ولم يكن لجوء النقراشي للقوة المسلحة ودخول الحرب أمرا واردا حتى يوم 11 مايو 1948؛ عندما غير رأيه فجأة بين عشية وضحاها، وطلب يوم 12 مايو عقد البرلمان المصري لجلسة سرية لطلب دخول القوات المسلحة المصرية أرض فلسطين.

يضيف أحمد حمروش: وكان هذا التغير المفاجئ في موقف النقراشي مثيرا للانتباه والدهشة. وسأله فؤاد سراج الدين زعيم المعارضة الوفدية في مجلس الشيوخ عما إذا كان قد قام بتقدير موقف الإنجليز ووعد بلفور، وعن احتمالات طعنهم للجيش المصري من الخلف؟

فكان جواب النقراشي: إنني متفائل ونحن نعرف قوة اليهود تماما، وأحب أن أطمئنك بأن الإنجليز أيضا هم الذين شجعوني على ذلك!

وعندما اعترض إسماعيل صدقي باشا على دخول الجيش المصري لأنه غير مستعد من الناحية العسكرية، أكد له النقراشي أنها ستكون نزهة للجيش!

ولكن ماذا عن موقف الملك فاروق من حرب فلسطين؟

لم يكن فاروق أقل تحمسا، بل إنه أمر بتحريك الجيش قبل موافقة البرلمان، وأعطى الأوامر بذلك لمحمد حيدر وزير الحربية دون علم النقراشي رئيس الوزراء !

هكذا دخل الجيش المصري حرب فلسطين يوم 15 مايو 1948.. فجأة!

يقول نجيب محفوظ أديب العرب: خرجت مظاهرات 1948 تطالب بالحرب. وكانت مظاهرات شعبية واسعة.. وفى البرلمان وقف محمود فهمي النقراشي ليقنع النواب بأن الجيش مستعد للحرب. وأكد ذلك الفريق إسماعيل صدقي باشا، الذي كان عضوا في البرلمان وقتئذ. وأجرى مصطفى أمين حوارا معه شرح فيه وجهة نظره التي كانت تقول إن إسرائيل دولة نشأت برغبة العالم، وبالتالي سندخل في صدام واسع مع الغرب. ومن ناحية أخرى فإن الجيش المصري ضعيف!

ويضيف نجيب محفوظ: لكن إسماعيل صدقي كان ذا سمعة سيئة ووقفنا ضده، وكان حزب الوفد مع الحرب، وأقنعت الحكومة الشعب بأمرين؛ أن الجيش قوي، والإسرائيليين مجرد عصابات!

وطبعا كانت كلمة عصابات وقتئذ تعني شراذم ضعيفة.

الحكومة قالت إن الجيش قادر، من أين لنا أن نعرف الحقيقة التي لم تعلن؟

طبعا صدقنا الحكومة..

ولكن للأسف الحقيقة كانت على خلاف ذلك تماما، لقد خدعنا كشعب!

ومن فلسطين وصلنا صوت المفتي الحاج أمين الحسيني، كان يطالب بالعون المادي والمعنوي. وكان ضد تدخل الجيوش العربية!

وكنت أتابع وقائع القتال..

كنت منغمسا مثل بقية الناس، وأذكر حصار الفالوجة جيدا، وشاركنا في استقبال القوة المصرية عند عودتها. وكان بينها جمال عبدالناصر. وأذكر جيدا قائد القوة، كان معروفا بالضبع الأسود.

وكنت مقتنعا مع الناس أننا انتصرنا في الفالوجة.

ولم أكن أدرى أننا خدعنا مرة أخرى!

كيف كان حال الجيش المصري فعلا؟

يعود أحمد حمروش ليقول: لقد اتخذ قرار الحرب في لهفة وعجلة، ودون دراسة متروية، في وقت كان الجيش المصري فيه ما زال يعانى من نقص التسليح، فلم تكن بريطانيا قد أمدته بالأسلحة التي طلبها، وكان الجيش المصري حتى هذه الفترة بعيدا عن تنظيم المعركة؛ فلم يكن قد عرف نظام التشكيلات بعد؛ أي أنه كانت أسلحته منفصلة لا تنسيق فيما بينها ولا تجميع للقتال، وكان التدريب مقصورا ومتخلفا عن مناورات المعركة!

ولم تكن طوابير الجيش تشاهد إلا في مواكب المحمل النبوي والجنازات، وكانت هذه الحقيقة يدركها كل ضباط الجيش. ولكن الدعاية الجارفة أشعلت الحماس للقتال، وجرائم العصابات الصهيونية التي واصلت عدوانها الإرهابي جعلت رجال الجيش يقبلون على المعركة بروح معنوية عالية.

وكل هذا كان فيه خدمة بريطانيا، التي كانت قواتها ما زالت تحتل منطقة قناة السويس، وذلك بهدف إشغال الجيش المصري بمعركة خارج الحدود؛ لإبعاد خطر المطالبة الوطنية بخروج قوات الاحتلال!

وكان الموقف يخدم النظام الحاكم!

فقد كانت القضية الوطنية معلقة بعد فشل المفاوضات، وكانت الانتفاضة الوطنية قد دفعت جميع طوائف الشعب إلى المظاهرات والإضراب، بمن فيهم ضباط البوليس، ودفع الغلاء بعض الجنود إلى وضع أرغفة الخبز على سناكي بنادقهم أثناء المظاهرات!

هذا كان حال مصر قبل حرب فلسطين مباشرة..

كانت مليئة بعوامل الضجر التي تهدد قواعد النظام، الذي كان يستند على ملكيته، فاحت رائحة فساد رجالها، إلى الحد الذي أضعف تماما من مركز الملك فاروق. 

وهكذا وجدت حكومة النقراشي في دخول حرب فلسطين، تنفيذا لأوامر بريطانيا والسراي؛ إنقاذا لها مما عجزت عن مواجهته، ووجد فيها الملك والاستعمار طوق نجاة يتعلقان به لإنقاذهما من غضب الشعب يوما بعد يوم.

وأعلنت الأحكام العرفية..

وفتحت المعتقلات في معسكر هايكستيب الذي امتلأ بالمئات من المعتقلين وفرضت الرقابة على الصحف. وقيدت الاجتماعات العامة. ولم تكن الدولة قد عبأت نفسها للحرب، بل لم تكن هناك إدارة للتعبئة، وأول كتيبة دخلت أرض فلسطين كانت تحملها أتوبيسات أحضرها أحد المقاولين!

ماذا قالت الصحافة المصرية صباح يوم دخول مصر حرب فلسطين؟

حملت الصحف المصرية صباح ذلك اليوم مانشيتات تقول:

"الطائرات المصرية فوق تل أبيب والمستعمرات اليهودية"!

"إلقاء منشورات بطلب تسليم اليهود في ظرف ساعة"

"دخلت الجيوش العربية فلسطين"!

وكان هذا اليوم هو يوم الإشاعات في القاهرة!

فقد أشيع أن الإسكندرية وقع فيها حوادث، وأشيع أن داود عدس صاحب محلات عدس قد قتل وأن محله نهب، وأشيع أن الفريق حيدر باشا سافر إلى الحدود، بينما كان في اجتماع عسكري!

وأشيع أيضا أنه تم نسف الأزهر الشريف بالديناميت!

وظهرت إشاعات أخرى عن ذبح 3 حاخامات في مذبح القاهرة!

وإشاعة عن قتل 250 يهوديا في ميدان الملكة فريدة!

وكانت الصحف المصرية في ذلك اليوم تحمل خبر إعلان قيام دولة إسرائيل، واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بها.

وعاش أهل القاهرة في حيرة..

لم يكن أحد يعرف ماذا يحدث في فلسطين؟

وتاهت الحقيقة في طوفان البرقيات والإشاعات والخطب الحماسية.

بينما كانت هناك دماء تسيل على أرض فلسطين.. في نفس اليوم!

***

 

بعد مرور خمس سنوات على حرب فلسطين..

سجل اثنان من شهود الحق على هذه الحرب شهادتيهما على أحداثها وخلفياتها. وما دار في كواليسها.

الأول.. كان الأستاذ محمد حسنين هيكل.. وكان وقتها محررا عسكريا لدار "أخبار اليوم". وكان الصحفي الوحيد الذي ذهب إلى فلسطين، وحاول أن يرفع الستار عن حقيقة ما كانت تخفيه الظلال على صورة ما كان يجري.

بعد خمس سنوات من حرب فلسطين روى الأستاذ هيكل شهادته دون رقابة وبلا قيود أو ظلمات. وبعد أن تخلص عقله من ظروف الزمان والمكان. ولم تعد تخطف أعصابه أحدث بعينها، أو تبهر عينه زاوية من زوايا الصورة فيتجه إليها ولا يرى غيرها!

الرجل الثاني.. كان جمال عبد الناصر نفسه.. المقاتل الذى خاض غمار المعركة بكل قطرة من دمه، وحصل فيها على أرقى وسام عسكري مصري والثائر الذى استلهم عبارات وعظات حرب فلسطين. والتي كانت هي نفسها إرهاصات  ثورة يوليو التي قام بها مع رفاقه بعد أربعة أعوام من هذه الحرب!

في يومياته قال الأستاذ هيكل:

"لقد عشت حرب فلسطين.. قبل أن تبدأ هذه الحرب رسميا!

عشت هذه الحرب ذات يوم من أيام شهر مارس سنة 1948. وكنت قد حملت حقائبي وذهبت اليها أبحث عن الحقيقة..

وأذكر أن "أخبار اليوم" كتبت في مقدمة التحقيق الصحفي الأول من أورشليم –القدس– تقول: إن الحقيقة تتوه في طوفان البرقيات والإشاعات والخطب والإذاعات. ولا يعرفها إلا من يحاول البحث عنها تحت الانقاض وعلى ألسنة اللهب، وفى السهول آلتي تتناثر عليها جثث القتلى، ويبلل الدم فيها زهور البرتقال!

وأنا أشهد الآن بعد مرور خمس سنوات، أن ما رأيته تحت الانقاض، وعلى ألسنة اللهب، وفى السهول التي تتناثر فوقها جثث الموتى، ويبلل الدم فيها زهور البرتقال، لم يكن كل الحقيقة؛ بل لم يكن الجزء الأكبر أو الأهم منها!

وأشهد أيضا أن الجزء الأكبر والأهم من هذه الحقيقة كان بعيدا عن أرض فلسطين كلها!

كان مسرحه مكاتب أنيقة ناعمة معطرة!

مكاتب متناثرة ما بين القاهرة وغيرها من عواصم الدول العربية.. وبين لندن وواشنطن ونيويورك.. وتل أبيب!

***

 

أما جمال عبدالناصر فقد كتب مذكراته عن حرب فلسطين بعد حوالى سبع سنوات من هذه الحرب!

كانت الثورة قد قامت في مصر..

وكان عهد جديد قد بدأ، وصفحة أخرى من صفحات التاريخ قد فتحت!

ولم يكن يخطر على بال جمال عبدالناصر أن يكتب أية مذكرات عن حرب فلسطين.. لولا أنه شاهد في السينما فيلما بوليسيا!

ذات يوم دخل جمال عبدالناصر إحدى دور السينما..

وكانت تعرض فيلما بوليسيا مثيرا.. فيلم أمريكي من الأفلام التي كانت هوليوود تتفنن في صناعتها تلك الأيام. ويتبارى مخرجو هذه الأفلام في حشدها بكل ما يشد أعصاب الناس ويحبس عليهم أنفاسهم بالحبكة والمفاجأة وقوة المؤثرات الفنية!

وجلس جمال عبدالناصر في مقعده بدار السينما يتابع أحداث الفيلم..

وفيما بعد روى عبدالناصر ما حدث فقال: كان لقصة الفيلم -ككل قصة فيلم– بطلان!

البطل الأول استولى الشيطان على قلبه وعقله.. وزرعهما بالشر والدهاء!

والبطل الثاني رجل طيب يؤمن بالخير وبالحب بين الناس..

وتمضي أحداث الفيلم..

ويرتكب الرجل الذى ملكه الشيطان جريمة قتل، وأكثر من ذلك يرتب مسرح الحادث؛ بحيث يلقي التهمة كلها على الرجل الطيب!

وتمشي الأحداث إلى ذروة الإثارة ..

وتحيط الشبهات من كل جانب بالرجل الطيب، وتطبق عليه الريب من اليمين ومن الشمال، وتلاحقه نظرات الشك، وتضعه داخل قفص الاتهام الرهيب!

ويفقد الرجل الطيب أعصابه..

ويكاد أن يجن!

ينكر ويلح في إنكاره.. فلا يجد من يسمع أو يصدق.. حتى أقرب الناس إليه!

يحاول أن يدفع عن نفسه شراك العنكبوت التي وقع في حبائلها، فإذا الشواهد الملفقة -والتي أحسن تلفيقها- تشده بأغلال حديدية!

ويتخبط الرجل الطيب..

يضيع.. وينهار..

يملكه اليأس على نفسه، وتختلط معالم الحق في وجدانه المهزوز بمعالم الباطل الذى دس عليه.

وحتى هو..

أخيرا من ضغط الإلحاح عليه، وشدة الحصار حوله، يكاد يعترف على نفسه بجريمة لم يرتكبها.

ولم يفكر يوما في ارتكابها!

***

 

قال جمال عبدالناصر في مذكراته عن حرب فلسطين:

"ولقد ذكرتني هذه القصة بجيش مصر في فلسطين"!

لقد كانت في فلسطين هزيمة!

كما كان في قصة الفيلم جريمة!

ولكن من الذي هزم في فلسطين؟

في رأيي أن جيش مصر لم يرتكب جريمة فلسطين!

وإنما ارتكبها غيره.

وزيف عليه الأدلة.

ودبر الشبهات حتى تلاحقه.

وتحمله الوزر الذي هو منه.. براء .

وكما حدث في الفيلم.. حدث في الجيش!

كاد الجيش الطيب نفسه يصدق مهزلة هزيمته، وكاد أقرب الناس إليه -شعب مصر وغيره من الشعوب الصديقة- ينطلي عليه الزور ويصدقونه!

لكن الأمر انجلى.. وبان الحق في قصة الفيلم بعد ساعة أو أكثر.. وخرج البريء رافعا رأسه من القفص، ودخل المجرم الداهية كي يلقى حسابه.

ولكن فيا المأساة التي عشناها في فلسطين..

مضى الكابوس رهيبا..

سنوات طويلة.. مظلمة.

وحين قلت إن الجيش المصري لم يهزم في فلسطين، لم أكن أقول كلاما حماسيا، ولا كنت أريد أن أرفع من معنويات الجيش.

كنت أقول الحقيقة التي عشتها..

كنت أحاول أن أمزق نسيج العنكبوت التي وقع جيشنا فريسة لها.

كنت أريد ببساطة أن أقول..

إن هذا الجيش لم يرتكب هزيمة فلسطين!

وأن الهزيمة لفقت عليه.

ودبرت مظاهرها من حوله افتراء وبهتانا.

لقد كان هناك مجرم آخر يجب أن يحاسب على الهزيمة.

أما الجيش المصري، فيجب أن يخرج من قفص الاتهام!