الشباب العربي تائه بين نار التكفيريين ومطرقة الملحدين

12:48

2014-12-12

الشروق العربيالقاهرة – لخّص تقرير “مرصد الفتاوى التكفيرية” التابع لدار الإفتاء المصرية، أبرز الأسباب التي تدفع الشباب إلى الإلحاد، في “الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تنتهج الوحشية والترهيب والذبح باسم الإسلام ما صدّر مفهوما مشوّها لتعاليم الدين الحنيف، ورسّخ صورة وحشيه قاتمة للدين، فنفَّر عددا من الشباب من الإسلام، اتجهوا إلى الإلحاد”.

في تقريره الذي أصدره حول ظاهرة الإلحاد بين الشباب في الدول الإسلامية، الثلاثاء الماضي، كشف مرصد الفتاوى التكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية، أن جميع الأرقام التي أعلنت عن عدد الملحدين في مصر جانبتها الدقة.

وعلى الرغم من العدد القليل الذي أعلن عنه المرصد، وفقا لمركز “ريد سي” التابع لمعهد “غلوبال” (866 ملحدا)، وذلك مقارنة بعدد السكان في مصر والذي يبلغ نحو 90 مليون نسمة، إلا أن المرصد أشارإلى تزايد ظاهرة الإلحاد بين الشباب العربي، لاسيما في الدول التي تمر بمتغيرات سياسية واجتماعية كبيرة.

وكانت بعض وسائل الإعلام المصرية قد حذرت من تزايد عدد الملحدين، وقالت إن العدد تخطى مليوني نسمة، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صفحات الإلحاد والملحدين، ما أعطى للبعض انطباعا بأن الإلحاد أصبح ظاهرة بين الشباب المصري، عكس ما أعلن عنه مرصد الفتاوى التكفيرية، وفي كل الأحوال لا يعني العدد القليل إغفال هذه المسألة، فهي تثير التساؤل حول دلالات انتشار الإلحاد.

وأكد على ضرورة مراجعة ذلك، خبراء في علم الاجتماع السياسي، الذين حمّلوا تنامي الأفكار المتطرفة وإخفاق تيار الإسلام السياسي في إدارة الدولة المصرية مسؤولية تنامي هذا الاتجاه، حيث رصد تقرير وزارة الأوقاف، تصريحات لعدد من الملحدين الشباب الذين جاهروا بإلحادهم، مؤكدين أنهم لا يعارضون الدين، لكنهم يرفضون استخدامه كنظام سياسي.

الأعداد التي نشرها التقرير أيضا، كشفت عن حجم الملحدين الطبيعي في بعض الدول العربية، والتي جاءت أٌقل كثيرا مما أثير خلال الفترة الماضية، حيث أشار إلى أن تونس بها 320 ملحدا، وفي العراق 242 ملحدا، وفي السعودية 178 ملحدا، وفي الأردن 170 ملحدا، وفي السودان 70 ملحدا فقط، وفي سوريا 56، بينما في ليبيا 34 ملحدا، أما اليمن ففيها 32 ملحدا.

ووفق تقرير مرصد الفتاوى التكفيرية، فإن “مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة وفرت للملحدين مساحات كبيرة من الحرية أكثر أمانا لهم للتعبير عن آرائهم ووجهة نظرهم في رفض الدين، بعيدا عن المحاذير التي تخلقها الأعراف الدينية والاجتماعية”.

“العرب” أثناء تصفحها لمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، وجدت عددا من الصفحات تدعو صراحة إلى الإلحاد وتحمل عناوين مثل “أنا ملحد” و”ملحد وأفتخر” وغيرها، والتي لا يتوافق عدد أعضائها مع الأرقام التي أظهرها تقرير دار الإفتاء، ما يدل على أن بعض المشتركين في هذه الصفحات هم أشخاص وهميون أو أن إقبالهم على هذه الصفحات جاء لمجرد المشاركة دون فهم.

مؤسس صفحة “أنا ملحد” (رفض ذكر اسمه)، أكد  تزايد عدد الملحدين بعد ثورة 25 يناير 2011، وأرجع السبب إلى كسر حاجز الخوف عند الشباب، مشيرا إلى أن الأعضاء المسجلين على صفحات الإلحاد لا يمثلون الأعداد الحقيقية، وأن التزايد لا يقتصر على مصر بل في العالم كله. وأضاف، أن مصر تعد صاحبة النسبة الأكبر في أعداد الملحدين بسبب تشدد الخطاب الديني وأن الشعب بات أكثر وعيا، عقب ثورة يناير، وضرب مثالا بلفظي العلمانية والليبرالية، اللذين كان لهما مدلولا سيّئا عند المصريين، لكن بعد الإطلاع والقراءة بات الوضع مختلفا، موضحا في الوقت ذاته، أن ممارسات بعض المتشددين أثناء حكم محمد مرسي كانت سببا في تغيير عقيدة الكثيرين.

مواجهة الإلحاد

 

الواقع أن المشاركين في صفحات الإلحاد، ليسوا بالضرورة ملحدين، فهناك من يدخل بهدف الدفاع عن الدين والرد على ما ينشره الملحدون على صفحاتهم بالحجة والإقناع. الجماعات التكفيرية التي خرجت من جحورها عقب ثورة 25 يناير، شوّهت صورة الإسلام من خلال تطبيق مفهوم خاطئ لتعاليمه، وتقديم العنف وانتهاك حقوق الإنسان، وفي المقابل فإن البعض يتشدّق باسم الحرية في اعتناق أي ديانة أو فكر، معتبرا أن أي محاولة لتصحيح مفاهيم الدين ما هي إلا تدخل سافر في الأمور الشخصية، وتسعى وزارة الشباب المصرية إلى مواجهة هذه الاتجاهات، وعمل قوافل تجوب المحافظات البعيدة بالتنسيق مع الأزهر الشريف، لشرح مفاهيم الدين الصحيح، ليس لمواجهة الإلحاد فحسب، بل خوفا من استقطاب الشباب من قبل الحركات التكفيرية المسلحة.

في هذا السياق، أكدت نادية حليم، أستاذ علم الاجتماع السياسي أن الفارق كبير بين من يعتنق فكرا مثل الفكر الماركسي، وبين من يعترف بوجود الله، مشيرة إلى أن الشباب في الماضي كانوا يستندون إلى آراء وأفكار، وكانوا كثيري الإطلاع، أما الآن فالبعض يتخذ الحرية سبيلا للفوضى، والإلحاد وسيلة للشهرة.

وأوضحت حليم أن الخطاب الديني المتشدد أحد أهم أسباب انتشار ظاهرة الإلحاد، وأن هذا الخطاب الذي تصدره الجماعات المتشددة، تُؤصّل لأهم مشكلات التدين في العصر الحاضر وهو الصراع بين الجوهر الروحي والخلقي الذي يمثل حقيقة الإسلام وبين القشرة الشكلية، مشددة على ضرورة احتواء الشباب والاهتمام بالثقافات المختلفة حتى لا ينجرفون إلى الأفكار الوهمية ومن ثم الوقوع في أيدي الجماعات المسلحة.

بعض الشباب يحاول نشر الإلحاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما تعمل المؤسسات الدينية المصرية على مجابهته من خلال التنسيق بين الجهات المعنية، لتطوير وسائلها للوصول إلى قطاعات الشباب والتواصل معهم واحتوائهم وعدم تركهم فريسة لتلك الجماعات المتطرفة التي تخالف الشريعة الإسلامية في أهدافها ومعتقداتها.

أفكار مريضة

 

لفت تقرير “مرصد الفتاوى التكفيرية” إلى أن “السنوات الأربع الماضية شهدت ظهور عشرات المواقع الإلكترونية على الإنترنت تدعو إلى الإلحاد وتدافع عن الملحدين”. وفي مواجهة ذلك، حذّر نصر فريد واصل، مفتي الديار المصرية السابق، من المواقع التي تدعو إلى الإلحاد على شبكة الإنترنت، موضحا في تصريحات خاصة لـ”العرب” أن الأمر بالغ الخطورة، ويستدعي تكاتف الهيئات الدينية وتطوير الوسائل الدعوية للوصول إلى قطاعات كبيرة من الشباب وعدم تركهم فريسة لتلك الأفكار المريضة، كما طالب الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء وكل التيارات والجمعيات العاملة في مجال الدعوة، بتنسيق الجهود لحماية الشباب وتحصين عقائدهم.

بدوره، قال أشرف السويسي، أستاذ مقارنة الأديان إن ظاهرة الإلحاد تزايدت مع انتشار استخدام “الفيسبوك”، وظهرت صفحات من عيّنة الملحدين الجدد والإلحاد لمن يعرف.

وأشار إلى أنه يظهر في الإسلام للشخصيات القلقة في إيمانها ويعود هذا القلق إلى بعض المذاهب التي تقف عند ظاهرة النص الديني، وضرب مثلا بمنهجية الشك عند الجاحظ، التي عبّر بها عن استيعاب الأفق الإسلامي للعقلانية بكل تجلياتها، فأجهض فكرة اللجوء إلى الإلحاد.

وبيّن أستاذ مقارنة الأديان أن الإلحاد ظهر في مصر في العصر الحديث عام 1937 على يد الدكتور إسماعيل أدهم الذي كشف في كتابه “لماذا أنا ملحد” عن إلحاده، وظهرت ردود إسلامية راقية عليه وقتها ولم يكفّرونه ولم يهدرون دمه وانتهت القضية برمتها بانتحار إسماعيل أدهم نفسه عام 1940.

وقال السويسي، عضو لجنة حوار الأديان بالأزهر، إنه لابد من التحاور بالحسنى مع الملحدين، وإرجاعهم إلى الإيمان بالبيان، وتوضيح المفاهيم الخاطئة حول ما يؤمنون به.

لم يتوقف الإلحاد عند الشباب المسلم، فالشباب المسيحي أيضا سجّل حضوره في الظاهرة، وهو ما يؤكد أن مفهوم الحرية الذي جلبته ثورات الربيع العربي، عاد بالسلب أكثر من الإيجاب على الشباب العربي وقادهم إلى التكفير أو الانتحار أو الإلحاد أو اليأس.

ولتجنّب ذلك، رأى علي ليلة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، ضرورة التدخل لحماية الشباب العربي من الانجراف خلف الأفكار المتطرفة، وشدد في تصريحاته  على تفعيل دور المؤسسات الدينية لمواجهة أي مخططات فكرية تهدف إلى النيل من عقول الشباب الذين هم مستقبل الأمة.