الهلال الطائفي الإيراني يربك مصر بنشاط شيعي محلي

12:41

2014-12-12

الشروق العربيالقاهرة- التصور العام السائد لدى المهتمين بأدبيات تيارات الإسلام السياسي وتنظيراتها، يقوم على إقرار متسرع بوجود تمايزات بين الإسلام السياسي الشيعي و«نظيره» السني، لكن التمعن في حقيقة الصلات العميقة تفيدُ بأن التيارات الإسلامية تتفق على ثوابت كبرى بل لا تعير اهتماما كبيرا لاختلافاتها المذهبية، وشواهد «العناق الإسلامي» الشيعي السني كثيرة ومتعددةـ بدءا من الثورة الإسلامية في إيران وصولا إلى تجربة حكم الإخوان في مصر. لذلك تبدو قراءة وضع التيار الشيعي في مصر اليوم، أكثر من مفيدة، لتلمس جدل التأثير والتأثر داخل إسلام سياسي متمايز مذهبيا، متفق أيديولوجيا.

على الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية حول عدد الشيعة في مصر، لكن تشير التقديرات إلى أنهم يشكّلون حوالي 2.5 مليون نسمة من إجمالي عدد السكان، ومن أبرز الجماعات الشيعية في البلاد نجد الاثني عشرية، والإسماعيليين، والفاطميين، وهم يعتبرون سلالة الشيعة الأولى، التي دخلت مصر في عام 969، وحكمت البلاد لمدة 200 سنة، وأسست وقتها الدولة الفاطمية. ورغم أن جماعة التيار السلفي ترى أن الشيعة أكثر خطرا على الإسلام من اليهود، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين بعد فوز مرشحها محمد مرسي بالرئاسة، مدت جسور التواصل مع الشيعة وإيران، وكان الرئيس السابق أحمدي نجاد أول رئيس إيراني يزور مصر منذ ثورة 1979.

 

التماثل الشيعي الإخواني

 

في جوهر العقيدة الأيديولوجية لجماعة الإخوان المسلمين التي تحاول التحالف مع أي جماعات من الإسلام السياسي بعد 30 يونيو، فإن المجهود السياسي ينصب في المقام الأول على التقليل من شأن الخلافات الدينية بين الطوائف المسلمة، خاصة بين السنة والشيعة، رغبة من جماعة الإخوان المسلمين، وفق قراءتها للمشهد السياسي والديني بعد الحراك العربي الأخير، في قيام نموذج يحاكي الثورة الإيرانية ويزرعه في القلب النابض للأمة العربية وهو القاهرة. وهذا ما كان عاملا رئيسيا وراء توتر علاقتها مع حلفائها من التيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي (المتطرفة) الأخرى.

وقد أصبح هذا التصوّر المرتكز على الهيمنة الإيرانية عبر الأداة الطائفية، مُنتشرا على نطاق واسع في المجتمعات العربية التي لا توجد فيها غالبية طائفية بعينها (أو هي سنية عموما)، حيث تحاول إيران تصدير مرجعيتها الشيعية إلى عدد من الدول العربية، وعلى رأسها العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو ما يعني غزو الهلال الشيعي الذي تقوده إيران، والذي يشكّل تهديدا للتوازن المجتمعي الديني في الشرق الأوسط الذي يعتبر من أكثر المناطق حساسية في العالم لتنوعه الإثني والطائفي والديني.

 

الهدف هو البرلمان

 

واللافت إلى الانتباه في النشاط السياسي للشيعة في مصر، أنهم أنشأوا منابرهم الخاصة من جمعيات ومنتديات، وامتدت أهدافهم إلى إنشاء حزب سياسي ذي خلفية طائفية شيعية.

وهذا ما يجعلهم في قلب جماعات الإسلام السياسي التي ثار المصريون ضدها في يونيو الماضي بكل ما تحمله تلك الثورة من شعارات مدنية، مطالبة بالحرية وفصل الدين عن السياسة والحزبية.

فقد طالب أحد زعماء الشيعة، بهاء أنور، مدير مركز مصر الفاطمية الشيعي لحقوق الإنسان، باعتراف رسمي من الدولة بالجماعة الشيعية في البلاد، ويوضح أن اعتراف الدولة يضمن للشيعة إنشاء قاعات الصلاة والحق في ممارسة شعائرهم دون اضطهاد، وحصة ثابتة من المقاعد في مجلس النواب، ويرى أن الشيعة تمثل ثالث أكبر مجموعة دينية في مصر بعد الأغلبية السُنية والمسيحيين، وهو ما يعضد مطالب الشيعة بتمثيل في البرلمان كما هو الحال مع الأقباط، ويؤكد أن الخلاف الشيعي السُني سياسي، لا علاقة له بالدين كما يزعم مشايخ التيار السلفي في مصر، ويوضح أنه في حال عدم اعتراف الدولة بحقوق الشيعة كأقلية دينية، سيتم إرسال تقارير إلى المنظمات الدولية تثبت التحريض المستمر ضد الشيعة في مصر.

وبالعودة إلى النقاط التي طالب بها هذا الزعيم الشيعي وركز عليها، نرى أنها سياسية بامتياز وليست ذات صبغة دينية (كأقلية تطالب باحترامها والاعتراف بها اجتماعيا). فالمطالبة بمقاعد ثابتة في البرلمان وحديثه عن الخلافات السياسية مع الطوائف الأخرى، إنما يجتران في جوهرهما المقولات الإسلامية السياسية التي تسعى من وراء طائفتها ومقولاتها الدينية إلى مناصب سياسية وامتيازات، أي كأننا مع جماعة الإخوان المسلمين مرة أخرى، ولكن في نسخة شيعية وليست سنية (رغم أن فكرة الإسلام السياسي لا تفرق بين الطائفتين فهمها المناصب وليس الدين).

 

خطر التمايز طائفي

 

وبالعودة إلى تاريخ الوجود الشيعي في مصر، نجده أصيلا وقديما قدم الحضارة الإسلامية بعينها. فمصر كدولة وشعب لها تاريخ عميق مع الشيعة، ويشهد على ذلك الإرث الثقافي من الأضرحة والمساجد التي تخص المذهب الشيعي، منها مساجد الحسين والسيدة زينب والإمام علي، بالإضافة إلى أضرحة أحفاد النبي محمد والصحابة وآل البيت، فضلا عن احتفال المصريين السُنة مع الشيعية في احتفالاتهم مثل الاحتفال بالمولد النبوي، وعاشوراء (ذكرى وفاة الحسين). وبالتالي فالمطالبة بالاعتراف وتخصيص مقاعد في البرلمان والبحث عن التمايز الطائفي عبر هذا الخطاب ليس سوى “إسلام سياسي تقف وراءه قوى إقليمية تريد إنفاذ أجندتها في دولة إستراتيجية هامة مثل مصر”.

ويحذّر كمال حبيب الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية في تصريح له من “الشيعة المتحوّلين الذين آمنوا بالثورة الإيرانية”، وهم أعضاء سابقون في الجماعات الإسلامية مثل الجهاد الإسلامي والإخوان المسلمين، وهؤلاء الرجال يسعون لتنفيذ المخطط الإيراني في نشر الإسلام الشيعي، وقيام الدولة الفارسية التي يجري العمل على تحقيقها تنفيذا لوصايا آية الله الخميني، ولعل التوغُّل الإيراني في العراق وسوريا ولبنان وأخيرا اليمن خير دليل على النفوذ الإيراني في المنطقة.

وقد أكد عديد الباحثين في الأنثروبولوجيا وأيضا في الجماعات الدينية السياسية، خاصة في مصر، أن جهود التبشير الشيعية المكثفة التي ترعاها إيران وقادتها، آتت ثمارها بعد تحوّل عشرات الآلاف من المصريين إلى المذهب الشيعي، والذين يُطلق عليهم (المقنعة والمهتدون الجدد)، كما تعتبر الصوفية في مصر ملجأ لشيعة إيران (“شيعة إيران” تعبير للإشارة إلى الجماعة الدينية الطائفية التي تمارس السياسة وفق المنهج الخميني).

وهناك توقعات بمساعي عدد من قادة الصوفية ومريديها إلى إيجاد موطئ قدم لهم على الساحة السياسية للبلاد، باعتبارهم بديلا للإخوان والسلفيين في البرلمان المقبل، وبالتالي نقطة ولوج إلى العمل البرلماني رسميا من خلال “تقية” معهودة في الفكر السياسي الشيعي.