قرى تجرى تحتها سراديب الإرهابيين.. والجيش يهاجم بيوت مهجورة وأنصار بيت المقدس يظهرون ليلا بالسيارات

16:21

2014-12-10

القاهرة - الشروق العربييعيش أهالى مناطق العمليات الأشد قسوة فى قرى «التومة» و«المهدية» و«المقاطعة» و«نجع شيبانة» و«العجراء» و«أبولفيتة» فى شمال سيناء بمدينتى الشيخ زويد ورفح. منازل مهدمة وأخرى تظهر عليها آثار التدمير، فيما تتخذ الطلقات من حوائط البنايات مرقدًا لها.. تظهر بقع سوداء على جانبى الطريق، معلنة عن انفجار سابق لعبوة ناسفة، فيما تظهر آثار الآليات العسكرية وسط الصحراء.. صباحًا تظهر أرتال عسكرية فى حملات أمنية عنيفة ضد الخارجين على القانون، وفى الليل يظهر أنصار التنظيم بدراجاتهم البخارية وسياراتهم، وتنقطع عن تلك القرى خدمة الهواتف المحمولة والأرضية، فلا يستطيعون إبلاغ الجيش فى حال محاولة زرع عبوات ناسفة أو غيرها مما يقوم به عناصر الدولة الإسلامية، وتعتبر هذه القرى الحدودية الخمس مسرحًا للعمليات بين الحملات الأمنية والعناصر المسلحة فى حرب يدفع ثمنها المواطن السيناوى.

كان تنظيم «أنصار بيت المقدس» قد أعلن عن مبايعته تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام «داعش»، وأعلن أن سيناء ولاية تابعة للدولة. فرض حظر التجوال وحالة الطوارئ بتلك المناطق يرهق أهالى المنطقة، إلا أنهم يتقبلونه إذا ما كان فى مصلحة مصر، فهم يتعايشون مع ذلك بالفعل منذ بدأت العمليات العسكرية قبل نحو عام، لكن الإجراءات الأمنية المتبعة مع الحملات تسببت فى انعدام فرص الحياة لمدة قد تصل إلى نحو أسبوع كامل إذا ما استمرت الحملة كذلك، ولا ينكر أبناء تلك المناطق سعى «دواعش» سيناء إلى فرض قانون البقاء للأقوى، وتصفية المختلفين معهم، لكنهم يشعرون بالصدمة جراء ضحايا الموت الخاطئ من قبل الأمن.

فى قرية «المهدية» المتاخمة للحدود الإسرائيلية مباشرة، ولا يفصلها سوى 2 كيلومتر عن خط الحدود، هذه القرية معروف عنها أنها موطن للعناصر المسلحة، ويتعين الحذر الشديد عند دخولها، لذا استعنا عند دخولها بمعرفة سابقة مع شخص رافقنا هو وعدد من أهالى القرية.

لا يتحدث إليك أحد خوفًا وريبة، ويمنعونك من التجول كثيرًا فى القرية التى كانت بمثابة المركز المالى لضخ الأموال للحركات المسلحة، نظرًا لاشتغال أهلها بالتجارة عبر الأنفاق، وتجارة العبيد الأفارقة، وتهريبهم إلى إسرائيل، ويمنعونك من رفع الكاميرات خوفًا من التقاط الصور لهم.

فى «المهدية» الكلمة تساوى رقبة، هكذا قال أحد الأشخاص الذى عرف نفسه باعتباره أبوناصر الرفحاوى، مضيفًا: حينما نتحدث فإن تلك الكلمة تساوى رقبة، فالمسلحون لا يتركون الكلمة تمر دون رصد أو تفتيش عن صاحبها.

فى القرية تظهر بيوت هى أشبه بالقصور المحروقة، وأخرى مهدمة، وثالثه خالية من ساكنها الذين رحلوا خوفًا من قذيفة هاون تحمل توقيع الدولة الإسلامية، أو شظايا صاروخ تطلقه الحملات الأمنية المستمرة على القرية. تشتت أهلها ما بين الشيخ زويد وقلب مدينة العريش أو أطرافها، أو رحلوا باتجاه مدينة بئر العبد لدى أقارب لهم لحين هدوء الأوضاع واستقرارهم، هكذا يضيف «أبوناصر».

ويكشف «أبوناصر» عن قيام عناصر الدولة الإسلامية بطرد أسرة أحد سكان القرية، ثم تفخيخ المنزل وتفجيره عن بعد بدعوى تعاون ذلك الشخص مع الجهات الأمنية.

ويضيف: فى الصباح بشكل شبه يومى تظهر أرتال عسكرية من المدرعات والدبابات وقوات الانتشار السريع التابعة للقوات المسلحة، مدعومة بغطاء جوى من عدة مروحيات من طراز أباتشى، كما تشارك عربات الكشف عن المفرقعات ورصد الاتصالات، وتأتى كلها لمداهمة العناصر المسلحة وأماكن تجمعهم، وهو ما يستدعى هروب عدد من الأهالى، وبالطبع اختفاء عناصر التنظيم التى تعاود التواجد ليلًا بعد رحيل الحملة. ومن بين ما يكشفه «أبوناصر» العثور على عدد من الملاجئ السرية الخاصة بالمسلحين أسفل المنازل، أو أسفل الأرض فى الصحراء، مضيفًا: قبضت العناصر المسلحة على عدد من شباب القرية بتهمة التعاون مع الجهات الأمنية، واقتادتهم للتحقيق معصوبى الأعين، وقال هؤلاء الشباب عقب الإفراج عنهم إنه حينما كانوا يسمعون أصوات «الزنانة» كان المسلحون يقتادونهم إلى مخابئ تحت الأرض حتى لا ترصدهم الطائرات، كما تستخدم تلك المخابئ للهروب فى حالة المداهمات أمنية.

شيبانة على خط التماس مع قرية «المهدية» يقع «نجع شيبانة»، تلك القرية الصغيرة التى لا حديث لها إلا عن تفجير استهدف أحد المنازل بقذيفتين متتاليتن لتوقع نحو 10 قتلى من الرجال والسيدات والأطفال لم يعرف عنهم تعاونهم مع الجيش أو تطرفهم. وما بين الطائرات الأباتشى والزنانة «الطائرة بدون طيار»، وأصوات القذائف وطلقات الرصاص يعيش أهالى القرية الصغيرة التى تبتعد عن خط الحدود الدولية بنحو 4 كيلومترات. لا يترك لأحد الفرصة للتجول أو التحدث أو التقاط الصور، هكذا يقول لنا «حسن»، مضيفًا: لا ننتظر مساندة من أى من طرفى الإعلام، فـ«الجزيرة» تشوه الجيش، وتتدعى عليه ما ليس فيه، فى حين يستمر الإعلام المصرى فى تشويه أبناء سيناء. «حسن» أب لثلاثة أطفال يحكى عن ساعات الرعب التى يعيشها صغاره، يتبولون على أنفسهم، يبكون بشدة، لا يستطيع أحد أن يوقف بكاءهم سوى سكوت أصوات القذف أو الضرب المتبادل.

فى «شيبانة» الحديث يتجدد عن قرار الـ5 كيلومترات، المنطقة العازلة التى أقرها مجلس الوزراء، فيضيف «حسن»: إذا أردت حماية الأمن القومى المصرى فازرع بشرًا فى المنطقة لكن لا تخليها من أبنائها، فالأمر هنا مختلف من وجهة نظر «حسن»، فإذا كان عدد كبير من سكان «المهدية» قد هجروها، فإن الحديث فى «شيبانة» عن ترك المنازل خوفًا من العنف لا يتحدث عنه أحد. فى الليل تستمر أصوات «الزنانة» تجوب سماء المنطقة، بحثًا عن مطلوبين، فيما يلتزم عدد كبير من الأهالى بقرار حظر التجوال المفروض منذ بضعة أشهر، لكنك تستطيع سماع أصوات الدراجات البخارية تصول وتجول فى المدقات الجبلية.

تلك القرى ليست كباقى سيناء، فإذا ما عادت خدمة الهاتف المحمول إلى رفح والشيخ زويد والعريش، فإنها مازالت متوقفة فى هذه القرى. المقاطعة قبل أشهر اكتسبت «المقاطعة» شهرتها من كونها قرية مفتى التكفيريين الذى قتل برصاص قوات الجيش، لكن ذلك لم يقض على وجود تلك العناصر، فيحكى واحد من أهلها- رفض الإفصاح عن هويته- أن أفراد التنظيم داهموا أماكن بيع الحبوب المخدرة، ووجدوا مجموعة من الشباب وحذروهم من رفع السلاح فى وجه التنظيم، وخيروهم بين الانضمام إليهم فى تنظيم الدولة أو عدم الانضمام، تاركين لهم الحرية فى ذلك، وهو مؤشر على عدم رغبة التنظيم فى خسارة الحاضن الشعبى لهم فى سيناء، بحسب ذلك المصدر.

ويحذر هذا الرجل من أنه إذا ما استمرت الحملات الأمنية فى قتل أفراد عن طريق الخطأ، فإن ذلك يفقد الجيش من أرضيته، موضحًا: نقف خلف الجيش وندعمه فى مواجهة التنظيمات الإرهابية. التومة خالية على عروشها، لم يعد فيها من سكانها إلا ما يعد على أصابع اليد الواحدة، وتعتبر من أسخن مناطق العمليات وأشرسها بين الجيش والعناصر المسلحة، وهجرها أهلها هربًا من الأحداث المشتعلة، وتعتبر قرية «التومة» نقطة الانطلاق لتنفيذ عمليات العناصر المسلحة بحكم موقعها الجغرافى، حيث تتحرك منها العناصر التكفيرية لاستهداف الكمائن الأمنية.

وكما تتشابه «المهدية» مع «التومة» فى هجرة أهلها، فهما متشابهتان فى وجود سراديب ومخابئ تحت الأرض، وأنفاق داخل المنازل للهروب من الملاحقات الأمنية. أبولفيتة تعد قرية «أبولفيتة» من أشهر مناطق الشيخ زويد الغنية بزراعات الزيتون، ويأتى ذكرها مع كل عملية أمنية، ويقول «سامى. م» أحد سكان القرية: إن غالبية سكان القرية هجروها بشكل تام، وتضررت المنشآت الحكومية بها، ويتسلل المزراعيون لمزراعهم سرًا لجنى محصول الزيتون بسبب شراسة العمليات الأمنية نهارًا، بينما ينشط المسلحون ليلًا ويقيمون أكمنة على مداخلها، ولا يسمحون لغرباء بالوصول إليها دون التحقق من شخصياتهم.