كيف تكون الديمقراطية فعالة؟

13:16

2016-08-30

عبدالمعم سعيد

لأن لكل أمر بداية، فإن البداية هذه المرة جاءت مع ثورتين كان إعلانهما الأساسى أن للشعب المصرى كلمة ودورا.
كان تشرشل هو الذى قال إن الديمقراطية هى «أسوأ» النظم السياسية، ولكن لا يوجد ما هو أفضل منها. التعبير ذاته توارد فى الأدب السياسى فى صيغ متعددة، ولكنها كلها أشارت إلى أن النظام الديمقراطى فى إدارة الدول ليس مسألة سهلة، وأنها محفوفة بالمخاطر، وأن القائمين عليها عليهم حراستها من شرورها، ودائما يبحثون حسب المحيط والبيئة التى تقام فيها عن الأساليب التى تجعلها أكثر فاعلية وكفاءة. فالحقيقة أننا لم نهتم كثيرا بالنظم الديمقراطية، ولولا بعض الكتابات التى اهتم بها د. وحيد عبد المجيد عن «الديمقراطية» والليبرالية فإن المكتبة العربية ليست عامرة بالكثير من الأدب السياسى فى هذا المضمار. وفى أحيان كثيرة فإن الديمقراطية اقترنت بأنواع من الفوضى، واختلطت بحرية التعبير لكلٍ فيما يعن له؛ وفى أوقات حكم الإسلاميين فإنها باتت نوعا من تصويت «الأغلبية» الذى يحدث مرة واحدة يقول فيها الشعب كلمته وبعدها لا يوجد أمر آخر، ولا يجوز التصويت مرة أخرى. ومنذ فوز تنظيم حماس بالأغلبية فى الانتخابات البرلمانية الفلسطينية فإن الانتخابات لم تتكرر للمرة الثانية.
وربما كان مفهوما أن يصبح الأدب الديمقراطى فقيرا فى مصر والبلدان العربية خلال العقود الماضية بسبب أن الغالبية الساحقة فى البلدان العربية كانت ترى فى الديمقراطية نوعا من الرفاهية التى لا تليق إلا بالبلدان الغربية المتقدمة، أو تعتبرها نبتت وترعرعت فى بيئات خاصة تختلف تماما عن البيئة العربية التى غلب عليها تركيز السلطة سواء فى يد فرد، أو تنظيم، أو مؤسسة، أو حزب، أو أسرة، أو قبيلة. ولكن رغم الكثير من النتائج السلبية التى نجمت عن «الربيع العربى» فإن الثورات المختلفة فى الدول العربية عصفت بنظم حكم مركزية قائمة، كما أنها عرضت بعضها الآخر لأخطار كبيرة نجم عنها أنواع مختلفة من الانفتاح السياسى أحيانا، والتعددية الديمقراطية فى أحيان أخرى. وفى مصر فإن «الربيع» فيها أتى ومعه دساتير تؤكد على ديمقراطية النظام السياسى، وليبرالية الحياة السياسية؛ وبالفعل، وحسب ما جاء فى خريطة الطريق لثورة يونيو ٢٠١٣، فإن مؤسسات الرئاسة، والبرلمان، جرى انتخابها بطريقة ديمقراطية، وبقى على جميع أطراف العملية السياسية فى مصر أن تجعل النظام كله يعمل بفاعلية وكفاءة. وبمعنى آخر فإن النظام فى حد ذاته لا يقوم بمثل هذه المهمة ما لم تكن هناك رعاية ومتابعة ممن يهمهم الأمر لكى تنمو التقاليد الديمقراطية التى تكفل للنظام كله الحياة والتطور. 
الديمقراطية فى جوهرها أربعة أمور: قيم ليبرالية حول الفرد والحرية، ومؤسسات تعبر عن سلطات فى الدولة، وإجراءات أهمها الانتخابات والتصويت على أساس من قاعدة الأغلبية الأقلية، وتقاليد تنمو فى النظام السياسى مع الممارسة. وعندما وضع الدستور الأمريكى فإنه لم تكن هناك قاعدة تحدد فترات وجود رئيس الدولة فى السلطة وإنما تركها مفتوحة؛ ولكن ما جرى كان أن جورج واشنطن الرئيس الأول وجد أن عليه بعد فترتين فى الرئاسة أن يترك منصبه، وهو ما استمر عليه من جاءوا بعده، فصار تقليدا رئاسيا حتى تم تقنينه بتعديل دستورى فى مطلع الخمسينيات من القرن الماضى. وفى دولة مثل بريطانيا فإن غياب الدستور كلية يجعل التقاليد ذات أهمية بالغة بل إنها ذاتها بما تقدمه من سوابق تصير نوعا من الدستور غير المكتوب ولكنه فعال ونافذ. والمعنى هنا أن الأبعاد الأربعة للديمقراطية قد لا تكون متناغمة بالضرورة، فالأفكار والقيم المطلقة لا تتناسب أحيانا مع نسبية الإجراءات بين أغلبية وأقلية، والتقاليد التى يتم بناؤها فى أزمنة مضت لا تتفاعل بسهولة مع سلطات متنافسة فى فهم حاضر مختلف، وهكذا حال، اللهم إلا إذا انضم إلى كل ذلك جهد البشر وحماسهم للنظام كله، مع معرفة أن كل بدائله لا تقدم الخلاص الذى يقدمه. 
النظرة إلى الديمقراطية فى مصر الآن تفيد بأنها مثل أمور كثيرة فى مصر فإنها «شبه ديمقراطية»، فالحديث عن القيم والأفكار الديمقراطية متواتر وذائع، ومع ذلك فإن تجاوز ذات الأفكار والقيم ذائع أيضا تحت شعارات مختلفة من أول الأمن القومى إلى «الخصوصية». والمؤسسات والسلطات متنافسة إلى حد كبير أكثر منها متعاونة، والانطباع الذائع هو أن السلطة التنفيذية تحاول فرض سيطرتها على النظام السياسى كما كان شائعا من قبل؛ وأن السلطة القضائية تتدخل فى أمور هى من صميم اختصاص السلطة التنفيذية أو التشريعية؛ كما أن السلطة التشريعية لا تخلو من مراهقة فكرية وعملية تبدت فيما يعانيه رئيس المجلس فى جمع الأعضاء داخل قاعة الاجتماع. وأخيرا فإن التقاليد قليلة وشحيحة، فما كان خلال فترات الحزب الواحد، أو حزب الأغلبية القائد دائما، خلق حالة من القطيعة مع التقاليد التى تكونت أثناء الحقبة الليبرالية (١٩٢٢-١٩٥٢).
ولأن لكل أمر بداية، فإن البداية هذه المرة جاءت مع ثورتين كان إعلانهما الأساسى أن للشعب المصرى كلمة ودورا، وأنه أيا كانت القدرات والمواهب لأفراد أو أحزاب أو جماعات فإنه لا يمكن القفز على الشعب المصرى. أن يكون الشعب حاضرا فى الحسابات السياسية دوما هو البداية الأولى للديمقراطية؛ ولكنه للأسف يشكل أول أنواع الخطر عليها بل قد يجعلها مشلولة كلية. فمن ناحية فإنه يفتح الأبواب لما هو معروف «بالشعبوية» حيث يصعد أفراد على أكتاف معرفة الأوتار الشعبية التى يمكن اللعب عليها لكى تدفع فى اتجاه الديكتاتورية. وحينما تسود أزمات وطنية اقتصادية أو سياسية فإن تعبئة الشعور الشعبى قد يكون أقرب الطرق إلى الهلاك. «الشعبوية» فى جوهرها هى المزايدة على آلام الجماهير وإحباطاتها وخيالاتها المريضة أحيانا والتى يمكن تحريكها بنظريات المؤامرة والخوف من المجهول نحو القبول بتدمير النظام الديمقراطى مقابل نوع ما من الخلاص. مثل ذلك يحدث بكثرة فى مصر سواء من قبل الأحزاب السياسية، أو جمعيات فى المجتمع المدنى، أو من أجهزة الإعلام المتحمسة دائما لتحويل الواقع الدرامى إلى تراجيديا محكمة.
ولا يقل عن الشعبوية خطرا على الديمقراطية سوى التنافس ما بين السلطات. فالأصل الدستورى للموضوع هو أن للديمقراطية ثلاث سلطات تشكل النظام الديمقراطى كله، بحيث يكون الفصل فيما بينها، والتوازن أيضا، هو المنتج للفاعلية والكفاءة الديمقراطية. ولكن الخطر يكون قائما عندما لا تقوم كل سلطة بوظيفتها الأصلية، وبعد ذلك تجور على السلطات الأخرى أو تعطل عملها. والجائز هنا أن كل سلطة تعتقد فى نفسها بأكثر مما يخوله لها النظام الديمقراطى من وظائف؛ وقيام السلطة التنفيذية بإدارة شؤون البلاد لا يجعلها المنقذ للدولة بالضرورة، كما أن انتخاب أعضاء مجلس الشعب لا يجعل أعضاءه المعبرين دائما، وفى كل اللحظات، عن الشعب، والسلطة القضائية لا يحولها طابع الموضوعية والحياد إلى إدارة أمور الدولة أو الحلول محل ممثلى الأمة فى الموافقة على اتفاقيات دولية. وهكذا فإن حل معضلات العلاقة بين السلطات يبدأ بمعرفة الوظائف التى خولها الدستور لكل سلطة، وعمل كل سلطة على القيام بوظائفها أولا وبكفاءة وفاعلية، وحينما تفعل ذلك فإنها تكون قادرة على تعليم وإعلام الرأى العام بالدور الذى تقوم به فى خدمة النظام السياسى الديمقراطى.
وإذا كانت «الشعبوية» تمثل مرضا أوليا فى النظام السياسى المصرى، والتداخل غير المحمود بين السلطات يمثل مرضا ثانيا، فإن البيئة السياسية والاقتصادية تمثل مرضا ثالثا ضاغطا على العملية السياسية كلية. مثل هذه البيئة تستحق حديثا منفصلا حتى يكون الوقت، والأهم المساحة، ملائما.