زيارة ورؤية حتمية لأمين عام جامعة الدول العربية

13:13

2016-08-30

نشوى الحوفى

فى زمن بات العبث فيه واقعاً والكابوس حقيقة، تقر الأرقام اليوم بوجود ملايين اللاجئين السوريين خارج حدودهم، هذا غير النازحين منهم فى مختلف بقاع سوريا الحبيبة. يعانون جميعهم وجع البعاد عن أرض وأهل ورفاق فارقوهم تحت ويلات حرب فُرضت عليهم فأجبرتهم على الرحيل وترك موضع الميلاد والصحبة والعشرة الهانئة. ليتحولوا إلى أرقام فى سجلات المنظمات الدولية والعربية، وعبء يضاف إلى أعباء حكومات لم تعد تتحمل توافدهم فأعلنت إغلاق الحدود فى وجوههم وصد تقدمهم ليعودوا للجحيم الذى فارقوه.

لن أتحدث عن حلول سياسية تتأرجح بين مصالح القوى وأصحاب الأجندات، بينما يحدثنى يقينى بأنها ستفرض كلمتها حسب قوة سلاح كل طرف على الأرض. ولن أتحدث عن حقوق إنسان تاهت وتلاشت فى ضمائر العالم الذى يتعامل مع هؤلاء كأرقام فى سجلات. ولكننى سأتحدث عن واقع لا بد من التعايش معه وبحث كيفية التقليل من حجم معاناته لملايين أصبحوا يسكنون الحدود بلا عمل أو مناخ صحى للحياة أو بيئة آدمية للبقاء. وحديثى لأمين عام جامعة الدول العربية الذى أعلم عمق عروبته وحكمة مصريته السيد أحمد أبوالغيط، ليقود جهوداً لتقليل آلام هؤلاء ما دمنا قد عجزنا عن حل مأساتهم.

ودعونا فى البداية نتعامل مع أعداد اللاجئين السوريين وأماكن تجمعهم وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة التى تؤكد استضافة الأردن لنحو 627 ألفاً و287 لاجئاً سورياً يعيش 86% منهم تحت خط الفقر، وهو عدد ضخم بالنسبة لإمكانيات الأردن، وهو ما دفعها لإغلاق بابها أمام معظم السوريين الذين طلبوا اللجوء رغم مخالفة ذلك للالتزامات الدولية التى تنص على إبقاء الحدود مفتوحة أمام اللاجئين الفارين. وهو ما تكرر مع لبنان وتركيا التى أعلنت كل منهما عدم القدرة على تحمل المزيد من اللاجئين الذين بلغوا فى لبنان مليوناً و173 ألف لاجئ سورى يعيش 55% منهم تحت خط الفقر. بينما يبلغ عددهم فى تركيا نحو 1.8 مليون لاجئ بنسبة تقدر بنحو 45% من أعداد اللاجئين السوريين فى كافة بقاع العالم. وتبقى مصر بين كل تلك الدول التى تفتح بابها وأرضها لأشقائنا من سوريا وبلغ عددهم لدينا نحو 132 ألف لاجئ ليعيشوا حياتنا بعيداً عن حياة المخيمات التى صنعتها لهم الدول الأخرى.

لا تتوقف كارثية الوضع السورى يا سادة على تلك الأعداد المذكورة فى التقارير الأممية، ولكن تمتد لتشمل حاجة لتعليم مجتمعى يقى الأطفال فى تلك المخيمات التسرب من التعليم والأمية، وتشمل حاجة لتشغيل يقيهم عوز الحاجة وقلة المعونة المرسلة لهم من هنا أو هناك، وسبل معيشية تقيهم أخطار البيئة الممطرة فى شتاء لا يرحم وصقيع لا يدفأ وحرارة تأتى مع صيف تذوب معه فيه كل أحلام العودة لما كانوا عليه. من هنا مرة أخرى وجب على جامعة الدول العربية قبل أى منظمة أخرى أن تكون حاضرة برؤية لا بمجرد زيارة للأمين العام يوزع فيها الهدايا ويطمئن فيها على الهاربين من جحيم حروب بلادنا ويستمع فيها لمآسى لن تنتهى بزيارته. نعم هم بحاجة لرؤية عربية تستند على تضافر جهود كل منظمات العالم العربى لمدّهم بمشاريع صغيرة تحتوى بطالتهم وعوزهم واحتياجهم الذى أجبرهم على انتظار المعونة، تأتى أو لا تأتى. وبحاجة لتعليم مجتمعى توجد فيه المدارس والمعلم بين خيم المخيمات ليعلم ويربى ويغرس الأخلاق. وبحاجة لاكتشاف القيادات المجتمعية منهم ليكونوا قادرين على توعيتهم وتهدئة مخاوفهم وتوصيل أصوات مشاكلهم ومنحهم بصيصاً من الأمل فى أن الغد لا بد أن يأتى بشكل مختلف حتى ولو طال أمده. هم بحاجة لدعم نفسى من نخب عربية أدمنت الابتعاد عن قلب الأحداث فعاشت على أطرافها متخاذلة أو متفلسفة أو طامعة فى شهرة وصيت على حساب كوارثنا.

ولذا أكرر دعوتى للأمين العام لجامعة الدول العربية وندائى لا ينقطع: «لاجئونا بحاجة لرؤية عربية تعوّض غياب القدرة على تقرير المصير ونزع أشواك الألم. رؤية تمنحهم تعاطف الأمل.. فهل لك أن تبدأ وجميعنا معك»؟