يا لعار البرلمان!

20:11

2016-08-29

عدنان حسين

يوم اجتاح بعض المتظاهرين مقرّ مجلس النواب العراقي في نيسان (أبريل) الماضي داخل المنطقة الخضراء في بغداد، صاح رئيس المجلس بأعلى الصوت وردّد وراءه أعضاء مجلسه بكامل عددهم: "يا لهيبة البرلمان"! حتى ذهبت العبارة مثلاً!

نحن، المواطنين البسطاء الذين من أكبر عيوبنا وأخطرها أننا نصدق بكل ما يُقال لنا ونظنّ أن أعضاء البرلمان هم نوابنا الأمناء الذين يذودون عن حياض مناطقهم وأعراض ناخبيهم، تأسّف البعض منّا، وانزعج البعض الآخر، وثارت ثائرة بعض ثالث، حيال التجاوز على "هيبة" البرلمان والبرلمانيين الذين ترجموا انتفاضتهم من أجل هيبة مجلسهم إضراباً عن الدوام في المجلس مدةً من الزمن بذريعة أنّ قاعة الاجتماعات لم تعد صالحة للاجتماع بعدما عاث بها المتظاهرون تخريباً للأجهزة الصوتية.

الحجّة المقدّمة للإضراب النيابي لم تكن حقيقية، فالمجلس يضم قاعة أخرى صالحة لعقد الجلسات، وقد عقدت فيها بالفعل أول جلسة بعد الاجتياح، هي الجلسة التي لعلعت فيها الأصوات دفاعاً عن "الهيبة" التي انتهكها "الرعاع" واستنكاراً لسلوكهم "الهمجي"! (حتى الآن لم يثبت بالدليل القاطع في تقرير رسمي قضائي موثّق أن تكسير الأجهزة الصوتية كان من فعل المتظاهرين).

أول من أمس، وهو اليوم الذي عُقدت فيه جلسة مساءلة وزير المالية، أظهرَ لنا أعضاء مجلس النواب أن لديهم غيرة لا تدانيها غيرة على هيبة البرلمان، وتبجيلاً لا يضاهيه تبجيل لموقعه في الحياة السياسية والاجتماعية، وتقديراً لا يماثله تبجيل لمكانته الرفيعة بين سلطات الدولة، وحرصاً لا يوازيه حرص على سمعة مجلسهم "الموقّر" .. كلّ هذا تجسّد في السلوك الجديد الذي مارسوه تحت قبة البرلمان، وهو من نوع السلوك المعتاد في الشوارع الخلفية للمدن وأزقّة مدن الصفيح.

مشهد العراك المندلع في جلسة أول من أمس، وهو في الواقع إعادة إنتاج أمينة لمشاهد مماثلة في جلسات سابقة، أشهرها الجلسة التي رمى فيها نواب "الإصلاح" رئيس الوزراء حيدر العبادي بقناني الماء وغيرها أثناء ما كان يتقدّم إليهم بمرشّحيه التكنوقراط لعدد من الوزارات .. مشهد أول من أمس يزيد من الشعور بأننا بإزاء طبقة سياسية متنفّذة لا ينبغي، بل لا يجوز أن يُكلّف معظم أفرادها حتى برعي القنافذ، فلمهنة الرعي، أيّاً كان نوعها، أخلاقيّات وقواعد سلوك لا يمكن لها أن تتدنّى إلى المستوى الذي أظهره أعضاء مجلس النواب في سلوكهم المشين في جلسة أول من أمس.

وأنا أُتابع المقطع الفيلمي لمشهد العراك المُسرَّب من داخل جلسة مجلس النواب أول من أمس، اجتاحني في الحال شعور عارم بالقرف والغثيان حيال هذه الطبقة التي تصرّ على أن "تُلعِّبَ نفسَنا" ، وعلى أن تكون مصدر عارنا!