إسرائيل.. انقلابات بلا جنرالات

12:46

2014-12-04

نبيل عمرو

في عالمنا العربي وبعض العوالم التي تشبهه، كان الانقلاب العسكري يتم على النحو التالي..
عدة دبابات تتوجه إلى القصر الرئاسي، تحاصره وتنادي على ساكنه بمكبر الصوت أن اخرج لتلقى عقاب الشعب إما بالإعدام رميا بالرصاص، أو بالسحل في شوارع العاصمة، وفي ذات الوقت يكون عدد آخر من الدبابات قد حاصر مبنى الإذاعة واستولى على الميكروفون وأصدر البلاغ رقم واحد الذي يبشر الشعب بإسقاط الطغمة الحاكمة وأن الجيش تولى مقاليد الأمور، ليعيد الأوضاع إلى نصابها ويبدأ مسيرة التحرير والوحدة والحرية والاشتراكية.
هكذا كانت الانقلابات، أما في أيامنا هذه حيث لم يحدث ولو مرة واحدة أن وقع انقلاب مثل هذا في إسرائيل، فإن حنين الدولة العبرية إلى هويتها الحقيقية كدولة عالم ثالث، جعل الطبقة السياسية فيها تفكر في القيام بانقلاب لا يرتدي أبطاله رداء الجنرالات ولا رتبهم، ولا يستخدمون الدبابات ومكبرات الصوت بل يحافظون على مدنيتهم وأصول اللعبة الديمقراطية في تنفيذ الانقلاب.
ولمن يستغرب هذا العنوان وهذه المعالجة فإليه الحكاية...
قبل أيام اتهم بنيامين نتنياهو خصميه السياسيين والعقائديين بالتخطيط لانقلاب حكومي ضده، وقد أعلن ذلك صراحة وكان إعلانه بمثابة تمهيد لإقصاء خصميه عن الحكومة وهما لبيد وليفني شريكاه في الائتلاف، ولكي يضمن ألا ينجح الانقلاب عليه، فقد اجتهد في المبادرة بالانقلاب عليهما بطردهما من الحكومة ودعوتهما للمبارزة في الانتخابات المبكرة التي تقول استطلاعات الرأي إنه وحلفاءه من المتدينين والمتشددين والمتطرفين سيفوزون فيها بأغلبية أعضاء الكنيست، ما يتيح لهم فرصة «ديمقراطية» لإقصاء من يختلفون معهم، وتثبيت تشريعات يعتبرها المستنيرون في إسرائيل ضربة قاصمة للغلاف الديمقراطي للدولة، لمصلحة ختم جديد تُختم به الدولة العبرية، ككيان ديني صرف في زمن يعترض فيه العالم كله على إدخال الدين في السياسة والحكم.
وهذا النوع من الانقلابات الداخلية التي تستخدم الهياكل الديمقراطية لتنفيذ أبشع السياسات وبلوغ أسوأ الأهداف، لا يختلف في الجوهر والمحصلة عن انقلابات الجنرالات الذين تنوء أكتافهم تحت الرتب، ويمتطون الدبابة كأقرب مسافة بين المعسكر وسدة الحكم، فبدل الرتب العسكرية هنالك بدلات أنيقة وطلاقة لسان في المؤتمرات الصحافية، وغلاف ديمقراطي ناعم يخفي تحته ما كان يظهره الجنرالات من ولع بالسلطة واستعداد لحرق البلد من أجل بلوغها.
ورغم أن إسرائيل دولة حروب واحتلالات ودولة تمييز وقمع ومصادرة لحقوق الآخرين، فإنها برعت في تسويق نفسها كواحة ديمقراطية حضارية في صحراء الشرق الأوسط، كما برعت كذلك في استغلال الظواهر المتخلفة في جوارها العربي، لفرض مقارنة بين نظم الانقلابات العسكرية ونظام الديمقراطية اليهودية، ودائما ما كانت المقارنة تسجل لمصلحة التجربة الإسرائيلية، ليس لجودتها وإنما لبؤس ما كانت تقارن به، إلا أن ما يحدث الآن في إسرائيل سواء من خلال الانقلاب الحكومي الذي حدث فعلا، أو من خلال التشريع المقترح بختم إسرائيل كدولة يهودية، وكذلك من خلال توجهات ليبرمان بما يسميه تبادل السكان والمناطق، كل ذلك مضافا إليه السياسة التقليدية للاحتلال على صعيد الاستيطان ومصادرة حقوق المواطنين الفلسطينيين، والتمييز الظاهر والفاضح بين المواطنين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، حتى إن العرب منهم يلاحقون على نبض قلوبهم، إن كل ذلك وجه وباقتدار ضربة قاصمة لصورة وإيقاع الدولة الديمقراطية الحضارية، ليحل محلها وفي وقت قياسي ما هو أقل شأنا من دولة عالم ثالث إلى دولة دينية تعتمد تمييزا مبررا بالتشريع ضد قطاع مهم وكبير من مواطنيها، وحين تنزلق الدولة العبرية إلى هذا المنحدر الخطير في البنية والمحتوى، فبوسعنا التأكد من أن الحنين إلى واقع دولة عالم ثالث انتصر أخيرا على الغلاف الحضاري والعصري الذي ينعاه الآن كل المثقفين في إسرائيل وفي مقدمتهم رؤساء الدولة العبرية الذين يجاهرون برؤيتهم للانحدار ويحذرون من خطر المضي فيه وفق نزعات ونزوات رجل يرى بقاءه في رئاسة الحكومة يوما إضافيا أهم ألف مرة من تراجع إسرائيل حضاريا وأخلاقيا عقودا إلى الوراء.