ماذا بعد 28 نوفمبر؟!

12:44

2014-12-04

مكرم محمد أحمد

منيت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها الجدد من الجبهة السلفية الجهادية، يوم الجمعة الماضى بفشل ذريع، كشف ضعفها المتزايد وغياب قدرتها على الحشد والفعل، وضرب ما تبقى من مصداقيتها فى مقتل، عندما عجزت عن تحقيق أى من أهدافها، ولم تتمكن من الوصول بتظاهراتها المسلحة التى ترفع المصاحف إلى أى من الميادين التى خططت لاحتلالها! وانكمش جهدها فى مسيرات جد محدودة لم يتجاوز قوامها بضع عشرات، انحصرت فى محيط مناطق المطرية وعين شمس وناهيا وكرداسة، لكنها ما لبثت أن تفرقت شتاتاً فى غضون دقائق معدودات بعد مواجهات سريعة مع الشرطة والجماهير!

وكما كشفت أحداث يوم الجمعة هزال فعل جماعة الإخوان المسلمين، كشفت عن وجود دولة قوية مسيطرة استعادت عافيتها، تقدر على حماية شعبها وأمنها وفرض الاستقرار على امتداد مساحة الوطن من الشمال إلى الجنوب، وضعت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها يوم الجمعة فى حجمهم المحدود، مجرد ثغاء بلا جدوى ونباح بلا أثر، والأكثر مدعاة للتفاؤل قدرة الدولة المتزايدة على توجيه ضربات وقائية بلغت أهدافها الصحيحة بسبب دقة معلوماتها، وتمكنت من إجهاض مخططات الجماعة قبل أن تطلع شمس 28 نوفمبر، بحيث لم يعد فى قدرة الجماعة سوى ترويج سيل من الشائعات الكاذبة كشفت خواءها وإدمانها للكذب!

وكما هو الحال فى كل الأزمات والمصاعب أثبت الشعب المصرى مرة أخرى أنه البطل، لم يأبه لتهديدات جماعة الإخوان، ولم يقبع فى المنازل والدور خوفاً من وعيدهم، ولكنه نزل إلى الشوارع واثقاً من أن الهزيمة سوف تلحق بالجماعة وحلفائها، وقبل مغيب شمس يوم الجمعة كان الشعب يحتفل فى عدد من الميادين التى أرادت الجماعة احتلالها بفشل الجماعة وخيبتها الكبيرة، وعجزها المريع عن تحقيق أى من أهدافها.

والأمر الذى لا شك فيه أن هذه الخيبة الكبرى سوف يكون لها آثارها المهمة على أعداد غفيرة من أعضاء الجماعة كانت لا تزال تصدق أكاذيب مكتب الإرشاد، وصدمها على نحو بالغ اختفاء الجماعة يوم الجمعة مثل فص ملح ذاب فى الماء، بعد تهديدات راعدة تواصلت على امتداد الأسابيع الماضية، تنذر بثورة عارمة للشباب المسلم سوف تحتل كل ميادين مصر ولن تغادرها قبل سقوط حكم السيسى! لكنهم جبنوا عن مغادرة بضع حارات معدودة فى أحياء المطرية وكرداسة انحصرت فيها تظاهراتهم هزيلة العدد، لأن الشعب والجيش والشرطة يقفون لهم فى كل مكان بالمرصاد.

والآن ماذا بعد أحداث الجمعة التى كشفت ضعف الجماعة وانحسار تأثيرها على الشارع المصرى، ولم تستطع تجمعاتها هزيلة الأعداد مغادرة بضع حارات فى أحياء المطرية وناهيا وكرداسة؟ ثم جاء يوم السبت يجر خيبة أخرى للجماعة، خيبة بالويبة لأن أعداد الذين خرجوا للاعتراض على أحكام البراءة لجميع المتهمين فى قضية مبارك والعادلى لم تتجاوز بضع مئات، تجمعوا مساء فى ميدان عبدالمنعم رياض ليدخلوا فى مشادات حادة انتهت بمواجهة مع الأمن، تفرقوا على أثرها أشتاتاً رغم الآمال الكبار التى علقتها جماعة الإخوان على استنفار غضب الشباب من هذه الأحكام، غير أن المستشار الجليل محمود كامل الرشيدى قدم أحكامه من فوق المنصة العالية على نحو منطقى شديد الوضوح قطع جهيزة كل معارض، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك حجية أحكام البراءة لانعدام وجود أوامر كتابية أو شفهية صدرت من رئيس الجمهورية الأسبق أو وزير داخليته العادلى بقتل المتظاهرين، الذين أوضحت تقارير الطب الشرعى أنهم قتلوا وأصيبوا بغير رصاص الشرطة التى انهارت قدرتها على مواجهة ضغوط الجماهير، وغادرت مواقعها اضطراراً وسط أجواء الفوضى التى عمت ميدان التحرير، ومكنت جماعات مجهولة من القناصة من اعتلاء أسطح عمارات الميدان، يقول شهود عدول عديدون فى أوراق القضية، إنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين وبعض القوى الفلسطينية التى اقتحمت بوابة رفح مع بداية أحداث 25 يناير، وتمكنت من الاستيلاء على سجن وادى النطرون والإفراج بقوة السلاح عن جميع المسجونين بمن فى ذلك أفراد من حماس وحزب الله وجماعة الإخوان المسلمين، تمكن بعضهم من الوصول إلى ميدان التحرير لمساعدة جماعة الإخوان على السيطرة على الموقف!

أغلب الظن أن نسبة متزايدة من أفراد جماعة الإخوان سوف ينفضون عنها بعد أحداث الجمعة التى أكدت للجميع، إلا من فى نفوسهم مرض، أن الجماعة تواجه حائطاً مسدوداً، وتمضى من خيبة إلى أخرى بسبب عناد قادتها الذين لا يزالون يعيشون فى عالم افتراضى كاذب، ويرفضون رؤية الحقائق على أرض الواقع، ويصرون على المضى فى طريقهم الكارثى رغم إفلاسهم فى الداخل، ورغم مؤشرات إقليمية ودولية عديدة تؤكد للجميع أن الأوضاع على الجبهة الشرقية فى سيناء وعلى الجبهة الغربية على حدود ليبيا تتطور فى غير صالح جماعة الإخوان وحلفائها، وأن المساندة الإقليمية التى تأتيها من قطر وتركيا تتعرض لعمليات تضييق أضعفت نتائجها، ووضعت الدولتين الداعمتين، قطر وتركيا، فى موقف الدفاع، كما أن المساندة الدولية لمخططات الجماعة التى بلغت ذروتها فى مواقف الإدارة الأمريكية من ثورة 30 يونيو تضعف على نحو مستمر كلما زاد هزال الجماعة فى الداخل وتكررت خيباتها، كما تواجه الجماعة موقفاً مختلفاً فى معظم دول الاتحاد الأوروبى التى تساند مصر فى حربها على الإرهاب.

لكن ذلك لا يعنى أن الجماعة اندثرت هباء منثوراً وأن خطرها يتلاشى على نحو نهائى، لأن معظم أفراد الجماعة لا يزالون يعيشون بين ظهرانينا، يمارسون حياتهم العادية وربما يتآمر بعضهم أو معظمهم على وطنه، باستثناء بضع مئات تخضع للمساءلة والمحاكمة، وبضع مئات أخرى تمكنت من الهرب عبر الحدود إلى قطر والسودان وتركيا وليبيا وبعض الدول الغربية، يواصل معظمهم التآمر على مصر مع استمرار الدعم المالى الذى يصلهم من قطر وتركيا والتنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين، لكن ما من شك أن موازين القوى على الساحة المصرية تؤكد استحالة عودة الجماعة إلى الحكم، كما تؤكد استحالة أن يقبل المجتمع المصرى بشراكة سياسية جديدة مع الجماعة، ما لم تتطهر من جرائمها وتراجع عقائدها وسياساتها، وتعلن أسفها على الإضرار بمصالح وطنها، وتقبل بتطبيق حكم القانون على كل من ارتكب جريمة ضد وطنه أو يحمل آثار دماء على يديه، والفيصل النهائى فى هذه الأزمة سوف يظل فى يد دولة قوية يقظة قادرة على أن تحمى أمن شعبها على مساحة امتدادها الجغرافى، شهد الجميع نهوضها القوى يوم الجمعة 28 نوفمبر، كما شهدوا يوم 29 نوفمبر قيام قضاء عادل مستقل لا يتأثر بالسياسة ولا تحكمه ضغوط الشارع، يعطى للدولة مشروعيتها فى مواجهة العنف والإرهاب وكل صور الخروج على القانون.

وفى ظل وجود دولة قوية استعادت هيبتها تقدر على فرض الاستقرار وتطبيق حكم القانون، وقضاء عادل مستقل يرفض ضغوط السلطة التنفيذية كما يرفض ضغوط الشارع، ومجتمع مدنى ناضج يحترم أحكام القضاء، يمكن لقوى المجتمع المدنى ونخبته من رجال الفكر والقانون أن يشكلوا هيئة وطنية للمصالحة لا علاقة لها برئيس الجمهورية، لا تهدف للوصول إلى حل وسط مع جماعة الإخوان المسلمين! ولا تضع الدولة فى كفة والجماعة فى كفة أخرى! ولا توازن فى المصالح بين الوطن والدولة وجماعات العنف والإرهاب، بحيث تكون مهمتها الوحيدة إجلاء طريق من يريدون العودة إلى أحضان وطنهم، سواء كانوا من جماعة الإخوان أو من أى جهة أخرى تورطت فى خصام مع الدولة والمجتمع بضمانات واضحة، تحفظ أمن مصر واستقرارها فى إطار دولة مدنية قانونية ديمقراطية تقبل بحق الاختلاف والتعدد، وتشجع على قيام أحزاب مدنية غير دينية تلتزم معايير الديمقراطية الصحيحة وتحترم حقوق الإنسان، وتعطى الفرصة لمن يريدون الصلاح والتوبة على أمل أن تلتئم الجراح ويتوحد الصف الوطنى إلا من أبى واستكبر واختار العدوان والإرهاب.