قرار دولي باستمرار معاناة السوريين

12:43

2014-12-04

عثمان ميرغني

الأوضاع في سوريا تسير من سيئ إلى أسوأ، والتغيير الكبير الذي أعلنته الإدارة الأميركية قبل أشهر بالتركيز أولا على دحر «داعش» وتأجيل النظر في الجوانب الأخرى المعقدة للأزمة، لم يسفر حتى الآن عن أي تغيير جوهري يقلب المعادلات على الأرض. فالضربات الجوية ضد «داعش» لم تحدث الأثر المطلوب، وهو ما حذر منه الكثيرون عندما قالوا إن القصف الجوي وحده ضد تنظيم سائل ومتحرك مثل «داعش» لن ينجح في القضاء عليه. ومع انهيار الاستراتيجية الغربية، وصعوبة تصور حدوث اختراقات كبرى خلال العامين الأخيرين من ولاية أوباما الذي سيواجه صعوبات جمة مع الكونغرس الذي يسيطر عليه خصومه الجمهوريون، سوف تزداد معاناة السوريين الذين تراجع الاهتمام بهم وحل ما يوصف في الغرب بالتعب من الشفقة أو الإرهاق من الإحسان.
هذا التعبير يستخدم عادة عندما تتراجع المساعدات الدولية المخصصة لمواجهة أزمة إنسانية بسبب تراجع الاهتمام أو لتعدد الأزمات الدولية وعدم وجود موارد كافية، سواء من تبرعات الدول أو الأفراد. الضحية هذه المرة الشعب السوري الذي يعاني منذ أزيد من 3 سنوات من حرب لا يبدو في الأفق ما يبعث على الاعتقاد أنها ستجد حلا قريبا. فما أعلنه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قبل أيام عن أنه بات مضطرا لوقف توزيع كوبونات أو قسائم الطعام على نحو مليون وسبعمائة ألف لاجئ سوري بسبب أزمة التمويل والتبرعات، يعد فضيحة دولية وأخلاقية بكل المقاييس. ففي إطار هذا البرنامج كانت توزع قسائم للاجئين السوريين المحتاجين في لبنان والأردن والعراق ومصر وتركيا يستخدمونها لشراء المواد الغذائية، ومن دونها لن تجد أسر كثيرة ما تسد به الرمق. المحزن أن الأزمة لم تحدث بشكل مباغت؛ لأن البرنامج كان قد وجه نداء وتحذيرا للمجتمع الدولي قبل 3 أشهر من أنه سيضطر إلى وقف قسائم الطعام بسبب تراجع الموارد المالية وعدم تسديد مانحين لالتزاماتهم التي تعهدوا بها.
برنامج الأغذية العالمي وصف الأمر بالكارثة، خصوصا على أعتاب فصل الشتاء، حيث تزداد معاناة اللاجئين والنازحين الذين تعيش أعداد كبيرة منهم في المخيمات في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها بالغة القسوة. وحذر البرنامج من أنه إضافة إلى المخاطر على صحة اللاجئين وسلامتهم لا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى، فإن الأمر قد يؤدي إلى مزيد من التوترات في الدول المضيفة التي تواجه ضغوطا على الموارد والخدمات. المأساة لا تتوقف عند هذا الحد، لأن البرنامج حذر من أنه سيضطر الشهر المقبل إلى وقف مشابه لبرنامجه المخصص لمساعدة نازحين يعتمدون على المساعدات داخل سوريا.
هذه المعاناة المستمرة والمتفاقمة تعكس حجم الفشل الدولي في مواجهة الأزمة على جميع المستويات، عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا وإنسانيا. فالحقيقة المؤلمة أنه لا توجد رؤية واضحة، ولا إرادة سياسية قوية للإسراع في إيجاد حل للأزمة التي لم تعرف سوى التخبط رغم كثرة المؤتمرات واللقاءات التي عقدت باسمها. وفي غياب أي استراتيجية واضحة أو خطة سلام محددة ومتفق عليها، حاولت أطراف غربية أخيرا تسويق خطة «الحد الأدنى» المتمثلة في تجميد القتال، وهدنة من اتفاق غير مكتوب يلتزم فيها الطرفان، النظام والمعارضة، بوقف تام لإطلاق النار وتبقى قوات كل طرف في مواقعها. وجرى التسويق لهذه الخطة الفضفاضة من باب أنها ستسمح بفتح المعابر لتدفق المساعدات الإنسانية، أما الهدف الآخر فهو أن تسمح هذه الهدنة لقوات النظام والمعارضة «المعتدلة» بالتفرغ لمقاتلة «داعش» والحركات الجهادية الأخرى. هذا التفكير يبدو أشبه بأحلام اليقظة أو بسيناريوهات الخيال العلمي. فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تصور أن يقاتل النظام والمعارضة في خندق واحد ضد «داعش» والتنظيمات الجهادية الأخرى، وفي ذهنهما أنه بعد الفراغ من هذه المهمة سيتفرغان لقتال بعضهما البعض.
مثل هذه الخطط غير الواقعية ليست إلا ذرا للرماد في العيون، أو محاولة لتغطية عورات سياسة العجز الدولي. خلال ذلك ستبقى المنطقة تتحمل تبعات استمرار الأزمة السورية، ويدفع الشعب السوري أفدح الأثمان. فمعاناة هذا الشعب الذي كلفته الحرب حتى الآن أكثر من 200 ألف قتيل، وأزيد من 6 ملايين نازح في الداخل و3 ملايين لاجئ في الخارج، لا تأتي على رأس الأولويات لأن الأولوية صارت لحرب «داعش». تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس أكدت هذا الأمر بجلاء وأنذرتنا مجددا بأن هذه الحرب سوف تستمر سنوات عدة، وإذا كان للمرء أن يستخلص أي دروس من تجارب العراق وأفغانستان، فإن الحرب على «داعش» ستكون طويلة جدا، ومكلفة جدا ولا ضمان بحدوث استقرار أو أمن بعدها. إنه حكم على السوريين بالحياة في المعاناة لسنوات طويلة مقبلة، وهذا أمر مخز.