الفوارق بين التنظيمات الإرهابية خلافات مؤجلة أم صراع محتوم (1-2).. "داعش" و"القاعدة" و"النصرة.. صراع على السلطة

18:01

2014-12-03

الشروق العربي 

دفعت الخلافات الأيدلوجية بين الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسلحة، والتي أعمقها وأخطرها الاختلافات الفكرية، إلى التناحر فيما بينها رغم ما يجمعها من مشروع فكري واحد، فالخلافات الفقهية دفعت هذه الجماعات لإعلان الحرب الداخلية فيما بينها، والمثال يبدو واضحًا بين أبرزها ممثلًا فيما يسمى بالدولة الإسلامية "داعش"، و"قاعدة الجهاد"، و"جبهة النصرة لأهل الشام".

فرغم أن "داعش" نشأت في حضن "القاعدة"، وأعلنت ولاءها لقياداته منذ اللحظة الأولى، إلا أنها خرجت عليه لحد وصفها لزعيم تنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري بالشيخ الخرف، واتهمت "التنظيم" بالخروج على الثوابت الفقهية الراسخة، وضربت مثالًا لذلك بفتواها بعدم قتال الشيعة أو ما أسمتهم بالروافض.

ورغم أن "جبهة النصرة لأهل الشام" جزء لا يتجزأ من تنظيم "داعش"، على اعتبار أن التنظيمات الثلاث، "القاعدة" و"داعش" و"جبهة النصرة"، يمثلون مجموعة حلقات متداخلة تعود النشأة الأولى لهذه التنظيمات للمجموعات التي تم إرسالها لأفغانستان في العام 1979 تحت مسمى "المقاتلين العرب" أو "المجاهدين العرب"، إلا أن "داعش" انقلبت على "الجبهة" ووصفت قائدها أبو محمد الجولاني بـ"الناكص"، "المرتد"، "ناقض البيعة"، وهو ما دفع "داعش" للتفرغ لقتال "جنود الجبهة" وقطع رؤوسهم، ففجأة اعتقدت أن "مقاتلي الجبهة" الذين اصطفوا في صفوفها لقتال الأمريكان وغيرهم في وقت من الأوقات، أنهم أصبحوا أخطر من نظام بشار الأسد، وهذا إن دل فإنما يدل على عمق التناقضات والاختلافات الفكرية والفقهية بين هذه التنظيمات حتى وإن اجتمعوا على حرب عدو واحد.

والخلافات الفكرية والفقهية بين التنظيمات الإسلامية المسلحة في المنطقة العربية تهدد بحرب طويلة الأمد بين هذه التنظيمات، قد تؤدي في النهاية على اختفاء جماعات وظهور أخرى، وإعادة ترسيم العنف والإرهاب من جديد.

 

أبعاد الخلاف بين "داعش" و"القاعدة" و"النصرة"

وقع خلاف بين "القاعدة" المجموعات "القاعدية" التي ذهبت للقتال في العراق، والتي أطلقت على نفسها فيما بعد الدولة الإسلامية، رغم أنهما كانا يمثلان تنظيمًا واحدًا يسمى "قاعدة الجهاد"، نشأ على يد أسامة بن لادن بعد انتهاء الحرب الأفغانية وباتفاق، وتنسيق مع عبد الله عزام وبعض القيادات الأخرى.

أبعاد هذا الخلاف لها علاقة بالسلطة، فرغم تطور الخلاف الذي تبادل فيه الطرفان الاتهامات والسباب العلني على المواقع والمنتديات الجهادية، التي وصلت لحد تكفير كل طرف للآخر، إلا أن القاعدة مؤخرًا حاولت التقرب ثانية لـ"داعش" بأن أعلنت تضامنها معها ضد ما يسمى بالتحالف الدولي ودعت الجميع لمناصرتها ضد الحرب الأمريكية!

وبث "الظواهري" على خلفية هذا الخلاف، تسجيلا صوتيا نشرته المواقع الجهادية دعا فيه الطرفين، "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة لأهل الشام"، إلى نبذ الخلاف بينهما، كما دعا "داعش" إلى الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها في العراق، مع تقديم الدعم المادي والمعنوي لـ"جبهة النصرة لأهل الشام"، كما أعلن "الظواهري" تولي أبو بكر البغدادي أميرًا لتنظيم دولة الإسلام مدة عام بعدها تقر القيادة العامة في تنظيم القاعدة استمراره من عدمه في تولي شئون الدولة، ونفس الشيء فعله مع "جبهة النصرة" وأميرها أبو محمد الجولاني، ويتحدد موقفهما بعدما يرفع مجلس شورى كل تنظيم تقريرًا عن طبيعة وسير العمل بقيادة كل أمير إلى القيادة العامة المخول لها استمرارهم أو تعيين بدائل لهما.

دعوة "الظواهري" دفعت "داعش" للرد عليه بتسجيل صوتي آخر منسوب لأبو محمد العدناني، المتحدث باسم "الدولة الإسلامية" كان مليئا بالاتهامات ووصف فيه "الظواهري" بـ"الشيخ الخرف"، وأن دعوته الهدف منها شق صف المجاهدين.

فجزء من هذا الخلاف له علاقة بشعور "داعش" أنها أصبحت دولة، بينما "القاعدة" مازالت تنظيما، وبالتالي كانت ترى "الدولة الإسلامية" بضرورة مبايعة قادتهم في تنظيم القاعدة للدولة التي أعلنوها على جزء من الأراضي السورية والعراقية.

لم يشفع لـ"القاعدة" عند "داعش" أنها كانت مسموعة الكلمة، أو أنها سبب النشأة الأولى، وأن رجالها كانوا يقفون من "القاعدة" موقف الولاء التام للقيادة العامة في "القاعدة"، وكانوا يستمعون لنصائح أسامة بن لادن على وجه التحديد، وكانت "القاعدة" تتعامل معهم كما يتعامل الأستاذ مع تلميذه بالنصح والإرشاد والتوجيه، تعامل القائد مع جنوده، فجزء من توتر هذه العلاقة يعود لسياسة خليفة "بن لادن" في قيادة "التنظيم".

أما فيما يتعلق بالخلاف بين "جبهة النصرة" لأهل الشام "داعش"، فمرجعه الأساسي الاعتقاد أن "الجبهة" نكصت على عهدها وبيعتها، وهنا بررت "الدولة" وجوب محاربتها وقتالها، على خلفية صراع كل منهما على "السلطة" على رحيل نظام بشار الأسد.

 

رعاية "القاعدة" للخلافة

حملّ "الظواهري" في التسجيل الصوتي أبو بكر البغدادي الحسيني، الملقب بخليفة المسلمين، خطأ إعلانه دولة العراق والشام الإسلامية، دون استئماره أو استشارته، بل ودون إخطاره، كما وجه نفس اللوم إلى أبي محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة لأهل الشام، إعلانه رفض الانضمام لدولة العراق والشام وإظهار علاقته بالقاعدة دون أن يَستئمر "الظواهري" أو يستشيره، بل ودون إخطاره.

وعلى هذا الأساس أخذ "الظواهري" عددا من القرارات منها، إلغاء دولة العراق الإسلامية في العراق والشام، على أن يستمر العمل باسم دولة العراق الإسلامية والولاية المكانية لهم في العراق، وأن جبهة النصرة لأهل الشام فرع مستقل لقاعدة الجهاد يتبع القيادة العامة والولاية المكانية لهم سوريا.

العجيب أن "الظواهري" طلب بعد هذه القرارات التي شقت صفوف التنظيمات الثلاث من "الدولة الإسلامية في العراق"، على قدر استطاعتها ما تطلبه جبهة النصرة لأهل الشام من إمدادها بالرجال والسلاح والمال ومن مأوى وتأمين، وطلب في نفس التسجيل الصوتي من جبهة النصر أن تفعل نفس الشيء مع "دولة العراق الإسلامية" مع العلم أنه قال إن الولاية المكانية لهذه الدولة العراق فقط وليست سوريا، ومفهوم أن أوضاع المقاتلين في سوريا تحتاج لدعم وهو ما دفع مقاتلي العراق للقتال على الأراضي السورية.

وطالب "الظواهري" أن يتوقف الطرفان عن أي اعتداء بالقول أو الفعل ضد الطرف الآخر، وأن يراعي كل منهما حرمة الخوض في أعراض "المجاهدين".

وأثار تدخل "الظواهري" في شأن تنظيم "الدولة الإسلامية" وقياداته، فخرج أبو محمد العدناني المتحدث الرسمي باسم "الدولة"، بتسجيل صوتي آخر بعنوان "عذرًا أمير القاعدة"، جاء فيه أن الدولة الإسلامية كانت تتعامل مع أمراء وشيوخ الجهاد في "القاعدة"، كما يتحدث التلميذ لأستاذه، وكانت "القاعدة" وأمرائها يسدون النصح، حتى أن "الدولة" لم تضرب إيران رغم أنها قادرة على تحويلها إلى برك من الدماء، رغم أن أعضاءها كانوا مستشيطين غضبًا، وتحملت "الدولة" في سبيل ذلك اتهامها بالعمالة من قبل إيران لعدم استهدافها، تاركين "الروافض" ينعمون فيها بالأمن والأمان حفاظًا على مصالح "القاعدة" وخطوط إمدادها في إيران، كما جاء على لسان "العدناني".

ووجهت الدولة الإسلامية اتهامًا مباشرًا للقاعدة بعمالتها لإيران، عندما جاء على لسان أبو محمد العدناني، "حفاظًا على مصالح القاعدة وخطوط إمدادها في إيران"، مستدلة على ذلك بوجود إحدى زوجات أسامة بن لادن وبعض أبنائه على أراضيها.

وعمق أبو محمد العدناني الخلاف، بقوله في التسجيل الصوتي، "إن الدولة كبحت جماح جنودها وكظمت غيظهم من أجل الحفاظ على وحدة كلمة المجاهدين، وليسجل التاريخ أن للقاعدة دينًا ثمينا في عنق إيران، وبسبب القاعدة لم تنفذ الدولة أي عمليات في بلاد الحرمين، وبسبب القاعدة لم تتدخل الدولة في مصر أو ليبيا أو تونس، والهدف توحيد الكلمة حول كلمة التوحيد وعدم شق صف المقاتلين والمجاهدين".

واتهم "العدناني"، "الظواهري" بأنه لبّث على الناس، وأوهمهم أمرًا أجهد نفسه لإثباته ولم يثبته، وأخرج مقاطع سرية على الإعلام وحملّت "الدولة" جرمًا ارتكبه "الظواهري" و"تنظيم القاعدة"، قالت أنت اقترفته وتحملت كبره وأنت من يُسأل عنه.

وإزاء تعميق الخلاف قال أبو محمد العدناني، "إن الدولة الإسلامية لم تكن فرعًا للقاعدة ولن تكون كذلك، ووجه لومًا لقبوله دعوة من أسمتهم الدولة الإسلامية بالغادر الناكص كما عبرت، وهو يقصد أبو محمد الجولاني، محملًا الظواهري مسئولية شق صف المجاهدين، وزاد على ذلك بأنه لو قُدّر أن تطأ أقدامكم أرض الدولة الإسلامية فلا بد أن تبايعها وتبايعوا أميرها "القرشي"، حفيد الحسين، فلا يصح لدولة أن تبايع تنظيمًا، وهنا يتفاخر العدناني بإعلان دولة إسلامية بينما القاعدة مجرد تنظيم".