تونس.. ربيع قصير جداً.. لكنه يعود (2)

10:34

2014-12-03

أحمد المسلماني

فى عهد «النهضة» أصبحت تونس مقصداً ومنبعاً للتطرف الدينى.. وأصبحت «القاعدة» موجودة على نطاق واسع فى البلاد.. وفى فبراير 2013 أعلن وزير الداخلية عن سقوط شبكة «عقبة بن نافع» التابعة لـ«القاعدة»، وتحت الضغوط المحلية والدولية اضطرت الحكومة إلى تصنيف حركة «أنصار الشريعة» الموالية لـ«القاعدة» كتنظيم إرهابى.

وفى ديسمبر 2013 قال السفير الأمريكى فى تونس «جاكوب والس»: «إن تونس لا تزال هدفاً للقاعدة».. «إن الاغتيالات السياسية وقتل عناصر من الجيش والشرطة وراءها تنظيم أنصار الشريعة المرتبط بالقاعدة».

وذكرت بعض التقارير أن محاولة جرت للسيطرة على تونس من قِبل تحالف بين حركتى «أنصار الشريعة» فى ليبيا وتونس.. وأن المخطط كان يضم مقاتلين من عشرة آلاف من أعضاء الحركتين حاولوا الانطلاق من الجنوب، لكن الجيش التونسى تصدى له. وحسب صحيفة «هيرالد تريبيون» فإن المنطقة الحدودية بين ليبيا وتونس والجزائر توجد فيها «القاعدة» بقوة.. وهى تملك أكثر من ألف صاروخ مضاد للدبابات والطائرات.. ويمكنها إسقاط مروحيات وتدمير مدرعات.

لقد حاول هؤلاء الحركة باتجاه العاصمة، واضطر الجيش التونسى إلى قصف «جبل الشعانبى» على الحدود الجزائرية بالطائرات.. كما قصف الجيش بالطائرات مواقع فى جبل «دوار إسماعيل» فى ولاية باجة القريبة من العاصمة.

(1)

تحاول «القاعدة» أن تجعل من جبال تونس «تورابورا» جديدة.. ويقول باحثون إن عناصر «القاعدة» ترى تونس مكاناً استراتيجياً للعمل الإقليمى والدولى.. ذلك أن تونس تطل على مضيق صقلية الذى تعبر منه السفن القادمة من قناة السويس باتجاه جبل طارق أو العكس.. وعلى مرمى البصر يوجد الأسطول السادس الأمريكى المتمركز فى سردينيا الإيطالية القريبة من جزيرة جالطة التونسية.

ويرى التنظيم أن الحسم التام لصالحه هو الطريق الوحيد.. ويهاجم أى محاولات للتقريب فى وجهات النظر أو التقارب بين حركة النهضة والتيار المدنى. وفى شهر أكتوبر 2013 وجّه «أيمن الظواهرى» زعيم تنظيم القاعدة خطاباً جاء فيه: «فى تونس تتكرر المأساة نفسها التى حدثت فى مصر.. فمنهج التوافق مع أعداء الإسلام على حساب عقائد الإسلام وأحكامه وشرائعه يشهد اليوم فشلاً ذريعاً وسقوطاً فظيعاً.. ها هم العلمانيون الذين سعى المتنازلون للتنازل لهم.. ينبذونهم ويتبرأون منهم ويتكبرون عليهم»!

(2)

لقد وضعت حركة النهضة الاتجاهات المتطرفة فى حساباتها أكثر مما وضعت المصلحة الوطنية والوسطية الإسلامية.. وشأن تجربة الإخوان المسلمين فى مصر كانت محاولة إرضاء المتطرفين تسبق فى الأولوية مصلحة الجماعة ذاتها.. وبدلاً من أن ينتشِل الإخوان الحركات المتطرفة من انحرافها وغلوِّها، نجحت هذه الحركات فى الأخذ بالإخوان إلى مناطقها!

وعلى الرغم من خُفوت صوت النداء المعتدل داخل الإخوان فى مصر، كان صوت نائب رئيس حركة النهضة «عبدالفتاح مورو» عالياً وصادقاً.

(3)

أبدى القيادى الإخوانى والزعامة التاريخية لحركة النهضة التونسية «عبدالفتاح مورو» تسامحاً مع الماضى السياسى لتونس.. وأبدى تقديراً لبعض معالم تجربة حكم الرئيس «الحبيب بورقيبة». وهو ما جرّ إليه حنق وغضب شباب «النهضة» الذين تحلّقوا أكثر وراء «الغنوشى»، رافضين محاولات «مورو» لتجاوز الأحقاد الأيديولوجية والسياسية لأجل بناء المستقبل.

ثم مضى «مورو» فى طريقه يقول ما يرى بشأن تجربة «النهضة» فى الحكم.. وانتقد فى وضوح سلبيات «النهضة»، وقال: «خسرنا المثقفين ورجال الأعمال وبدأنا نفقد ثقة الشعب».. «على الإسلاميين أن يفهموا الواقع قبل أن يحكموه».. «هذه المرحلة ليست (تمكين) المشروع الإسلامى بل (امتحان) المشروع وحامليه».. «الحركة فقدت ثقة الناس بمن فيهم محبوها والمناضلون فى صفوفها».

ثم واصل الشيخ عبدالفتاح مورو انتقاداته الحاسمة لـ«النهضة» وقادتها -فى حديث لمجلة «ماريان» الفرنسية- بقوله: «إن راشد الغنوشى يدير الحركة كما لو كانت شأناً عائلياً».. «لا يكفى أن تكون مسلماً لكى تقود الشعب.. بل يجب أن تحب الشعب وتدرك رغباته وتطلعاته».. «إن السلفيين قاموا بالاعتداء علىّ وأصابونى فى وجهى وحركة النهضة لم تدافع عنّى».. «الإسلام دين حضارة وبدون تقدم لا يكون إسلاماً».

«إن الغنوشى لديه ثقافة أحادية فى بلد مرّت عليه (25) حضارة».. «إننا لم نقُم بالثورة لكى نمنحها للسلفيين والشيوعيين».. «مكان النهضة هو فى المعارضة.. الشعب التونسى لم يعد يرغب فى استمرارها.. ويلزم مرور بعض الوقت لنسيان أخطائها».. «يجب على راشد الغنوشى أن يتنحى حتى يمكن إقامة السلم الاجتماعى فى تونس».. «أتمنى ظهور جيل جديد فى الحركة الإسلامية يجمع الإسلام والحداثة».

(4)

لقد تطورت الأحداث فيما بعد، وتراجعت «النهضة».. وشهدت تونس موجة جديدة من «عودة الأمل».. أو «تجديد الربيع العربى».. الذى أحاله المتطرفون إلى خريف.

بعد ربيع قصير جداً.. يعاود الربيع الظهور من جديد..

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر