فرص للتعاون التجاري بين اسرائيل وجيرانها العرب

21:26

2014-09-01

الشروق العربي- أشار العديد من المحللين على مدى السنوات الأخيرة إلى تقارب جديد ومفاجئ في المصالح ما بين إسرائيل وجيرانها العرب يتركز بشكل أساسي على المجال الأمني. وقد أكد المحللون على أن الحرب الأهلية السورية والبرنامج النووي الإيراني ونشأة "الدولة الإسلامية" تشكل تهديدات مشتركة لإسرائيل وللدول العربية على حد سواء. فقد دفعت هذه التهديدات المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين والعرب إلى التعاون واضعين خلافاتهم جانبا بالاضافة الى ذلك، أظهرت الجولة الأخيرة من العنف بين حركة "حماس" وإسرائيل أن لدى إسرائيل والعديد من الدول العربية رؤية متشابهة لبعض المسائل. على سبيل المثال، فإن المملكة العربية السعودية، التي تأخرت في شجب إسرائيل، أدانت أيضًا حركة "حماس" لدورها في الجولة الأخيرة من القتال. ومع استمرار المشهد الاستراتيجي في المنطقة بالتغير، يتوجب على إسرائيل والدول العربية إيجاد وسائل جديدة للتعاون من شأنها أن تعود بالنفع على الجانبين. وتكمن إحدى تلك الوسائل المحتملة في التعاون التجاري.


في الواقع، أدى عدم الاستقرار في الشرق الأوسط إلى بروز تهديدات جديدة لطرق التجارة القائمة، وفي بعض الحالات أدى إلى تغييرها تمامًا، مما أسفر عن رفع التكلفة على الدول العربية في ما يتعلق بتجارة السلع في المنطقة. فعلى سبيل المثال، لم يعد من الآمن أن تمر الشاحنات في سوريا، كما أن السفن التي تعبر قناة السويس معرّضة أيضًا لعمليات إرهابية. إلى جانب ذلك، فإن سقوط غرب العراق قضى على إحدى الطرق الأخرى الصالحة للتجارة.

وفيما تتكبّد الدول العربية العناء لحل هذه المشكلة الاقتصادية التي تزداد تعقيدًا، هناك حل ممكن لهذه المعظلة: استخدام إسرائيل كجسر بري يربطها بالبحر الأبيض المتوسط وبالاسواق العالمية. ولا بد من الإشارة إلى أن عددًا من الدول قد تبنى بالفعل هذا الخيار. فتركيا، على سبيل المثال، زادت شحنات المستوعبات عبر إسرائيل بشكل ملحوظ من 17,882 طنًا في العام 2010 إلى 77,337 طنًا في العام 2013 ويتم نقل السلع أولاً بواسطة شاحنات تتوجه من ميناء حيفا إلى الأردن. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن المملكة العربية السعودية هي من الشركاء التجاريين الاساسيين لتركيا، فإن الوصول إلى الأردن عبر إسرائيل يشكل فائدة كبيرة لها.

لكن باستثناء تركيا، يبدو أن معظم الدول الأخرى في المنطقة قررت تجاهل هذا الخيار، ومن المرجّح أن ذلك يعود إلى عقود من عدم الثقة والعداء تجاه إسرائيل. فإن قامت المملكة العربية السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم العربي، بشحن منتجاتها عبر إسرائيل، سيؤدي ذلك إلى خفض التكاليف والوقت. إلا أن الموقف الرسمي تجاه إسرائيل في الرياض لا يزال عدائياً، مما يعيق أي تعاون تجاري محتمل بين البلدين في الوقت الراهن. مع ذلك، مثلما تمكنت تركيا من وضع الخلافات السياسية جانبًا والتركيز على التجارة، يمكن للمملكة العربية السعودية أن تحذو حذوها.

على الرغم من أن مثل هذا التعاون الاقتصادي بين إسرائيل والدول العربية قد يبدو مستحيلًا نظرًا إلى العلاقات السياسية المتوترة، الا انه يمكن للمصالح الأمنية المشتركة أن تكون بمثابة الأساس لمبادرات جديدة. فكما قال السفير الأمريكي السابق لدى مصر وإسرائيل وأحد وسطاء صفقة الغاز بين البلدين إدوارد ووكر: "عندما تبرز مصالح مشتركة حتى بين عدوين، ويتوافقان على كيفية التعامل معها بحيث يستفيدان منها معًا، فذلك وضع مثالي... وفي الغالب سيتجاوز ذلك تاريخًا طويلاً من الأحكام المسبقة وغيرها من العناصر السلبية لأن الناس يحبون المال، وللمال الكلمة الأخيرة".

في هذه الحالة، قد يكون الربح المادي هو الحافز الرئيسي الذي سيتيح التعاون الاقتصادي من خلال القطاع الخاص. بالتالي، يمكن تجنب الخلافات والقيود السياسية من أجل المكاسب الاقتصادية المتبادلة. فمثلاً، بالرغم من الأزمة السياسية بين تركيا وإسرائيل التي نتجت بعد حادثة سفينة "مافي مرمرة" في العام 2010، فإن تجارة القطاع الخاص ابقت العلاقات مستمرة بين البلدين.

ستشكل إسرائيل على المدى الطويل طريقًا تجاريًا يتمتع بأهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج العربي. في الوقت الحالي تسود هذه الدول ما بين 80 و90 بالمائة من غذائها، وبالتالي فإن أي تعطيل في قناة السويس أو مضيق هرمز- وهو أمر مرجح أكثر من أي وقت مضى نظراً الى الوضع الإقليمي الراهن- من شأنه أن يؤدي إلى نقص حاد في المواد الغذائية. من هنا، فإن استكشاف طرق بديلة للتجارة، كتلك الإسرائيلية، أمر بالغ الأهمية في مثل هذه الحالات الطارئة.

إسرائيل أيضًا قد تستفيد من توسيع نطاق التجارة مع دول مجلس التعاون الخليجي. إذ تظهر بعض التقديرات أن صادرات إسرائيل إلى مجموعة الدول الخليجية تصل إلى 500 مليون دولار سنويًا، معظمها من خلال دول أوروبية أو دول من خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. من هنا فإن استخدام طريق بري مباشر عبر الأردن سيحد في الغالب من الكلفة والوقت بالنسبة إلى إسرائيل، كما سيؤدي إلى توسيع نطاق تجارتها مع دول المجلس.


في هذا الإطار، سبق أن بدأت إسرائيل تستثمر موارد ضخمة في تحسين البنية التحتية بغية نقل السلع عبر البلاد من خلال طريقين رئيسيين. أولًا، لقد بدأت إسرائيل ببناء خط سكك حديد يربط ميناء حيفا ببيت شيعان، وهي مدينة تقع على مقربة من الحدود الأردنية. ثانيًا، تخطط إسرائيل لإنشاء خط سكك حديد يربط ميناء أسدود بميناء إيلات، ومن المقرر إنجاز المشروع حوالي العام 2020. ويُشكل المشروعان طريقين بديلين لدول مجلس التعاون الخليجي التي لا تعتمد على قناة السويس أو على مضيق هرمز. إضافة إلى ذلك، وفي الوقت الذي يخطط فيه مجلس التعاون لدول الخليج العربية لبناء خط سكك حديد يربط بين أعضاءه الستة وربما ايضاً الاردن، من الممكن ضم الجسر البري الإسرائيلي إلى شبكة السكك الحديد الإقليمية هذه.

إن اقامة علاقة اقتصادية مثمرة بين إسرائيل والعالم العربي ما زالت ممكنة على الرغم من عقود طويلة شهدت اختلافات شائكة بين الجانبين. فالمال لديه سلطة قوية حتى في الشرق