خطبة الجمعة الموحدة في الإمارات بعنوان: الاتحاد

15:33

2014-11-28

الشروق العربينشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني)، تحت عنوان "الاتحاد".

وتناولت الخطبة الأولى لصلاة الجمعة، أهمية الاتحاد، وأثره على المجتمعات، وبينت أن الإسلام حث على الوحدة و الترابط ونبذ الفرقة والتشتت ومضاره على الأوطان والشعوب، وذكرت الخطبة بما حققه اتحاد الإمارات للوطن والمواطنين من نعم ورخاء، وحثت على ضرورة العمل للحفاظ عليه ، فيما دعت الخطبة الثانية إلا إدراك قيمة الاتحاد والابتعاد عن الفتن لحماية الوطن.

الخطبة الأولى 

أيها المسلمون: تتعاقب الأيام وتمضي الليالي، وتجيء أجيال وتنقضي آجال، ونحن ننعم بالخير العظيم، ونهنأ بالعيش الكريم، وكل هذا شاهد على أن الاتحاد أساس الأمجاد، وطريق الرفعة والبناء، وسبيل الألفة والهناء، وقد أوصى ربنا سبحانه في كتابه العزيز أن نتحد على طاعته، ونجتمع على كلمته، فقال تعالى:( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أي اعتصموا بالجماعة، وقال بعض أهل العلم: فإن الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة.

فهذا هو أمر الله تعالى لمن آمن وصدق، وتدبر وتحقق، فاحرصوا على امتثاله والمحافظة عليه، فالاتحاد من أجل النعم التي يمن الله تعالى بها على عباده، وإذا كان الاتحاد نعمة ورحمة، فإن الفرقة عذاب ونقمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الجماعة رحمة، والفرقة عذاب".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما لبعض الناس: "الجماعة الجماعة، فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها".

نعم عباد الله؛ إن نعم الله علينا عظيمة، فلقد كنا متفرقين فاجتمعنا، حتى غدا اتحادنا آية من آيات الله تعالى في تحقيق الوحدة والفوز بعظيم نفعها، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم :" يد الله مع الجماعة" فبالاتحاد تغنم الأمم، وتنجو من الفتن، وتعلو الدول، ويزهو العلم، وما من أمة تمسكت بالوحدة واعتصمت بحبل الله إلا نجحت وارتفعت، ومن هنا أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضرورة الجماعة والاتحاد، وحذر من تفرق القلوب والأجساد، فقال صلى الله عليه وسلم :"عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".

الفرقة والشتات 
فالفرقة ضعف وشتات، والاتحاد قوة وثبات، قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".

عباد الله: إن "من يتأمل التنزيل، ويراجع التفسير والتأويل، يجد أن الله تعالى لم يخاطب عباده متفرقين أو منفردين، بل خاطبهم بصيغ تحثهم على الوحدة والاجتماع، لأن الوحدة مدعاة للاستجابة وسبب للتعاون"، فيقول تعالى: "يا بني آدم" و" يا أيها الناس" و "يا أيها الذين آمنوا" في دلالة قرآنية، وإشارة قوية إلى أهمية الوحدة والاتحاد، وقد حذرنا الله تعالى من النزاع والفرقة؛ فقال تعالى:( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)".

فبالاتحاد تزدهر المجتمعات، وتقوم الحضارات، وقد كانت أول لبنة شيدها رسول الله صلى الله عليه وسلم توحيد المسلمين، فآخى بينهم، فصاروا بالاتحاد أعوانا وأنصارا، وأصبحوا بالوحدة قوة ومنعة، وتحولت حياتهم من تنازع وفرقة إلى اجتماع وألفة، وتبدلت اهتماماتهم من صراع على الماء والكلإ والعصبية البغيضة، إلى بناء حضارة إنسانية، أساسها الوحدة والعلم والرحمة والتلاحم، فنزع الله تعالى من نفوسهم الغل والبغضاء، وألف بينهم بالمحبة والصفاء، قال الله سبحانه:(هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين* وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم). فاتحدت قلوبهم، وتآلفت نفوسهم، وتجانست أرواحهم، فكانوا كما قال صلى الله عليه وسلم :"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا".

أيها المسلمون: "وانطلاقا من هذه المبادئ القرآنية والإرشادات النبوية، تأسس أول صرح متين للوحدة في منطقتنا العربية، وأثبت فاعليته منذ ثلاثة وأربعين عاما حينما بزغ فجر الاتحاد بين الإمارات العربية المتحدة، بفضل إخلاص قيادته وتكاتف أبنائه، وها هي ذكراه تتجدد بيننا، فنحياها آمنين مطمئنين، ونعيش منعمين، وما الفضل في ذلك إلا لله تعالى أولا، الذي من علينا بقيادة استلهمت معاني الحكمة والرشاد من كتاب الله تعالى وسنة خير العباد، فأوفوا لأبنائهم، وبنوا صرح بلادهم، فغدا الوطن شامخا بين الأوطان، مزدهرا عامرا بالإيمان، وصار حب الشعب لقيادته كحب القيادة له، وبذلك صار شعب الإمارات العربية المتحدة من أسعد الشعوب، وتحققت في أرضنا معالم الخير الوفير، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:« خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم". ثم خلف الآباء المؤسسين الأبناء العاملون المحافظون على عهود السابقين، ليكملوا تلك المسيرة العطرة، وتحولت أرض الإمارات العربية المتحدة إلى جنة غناء، يؤمها الناس من كل أقطار المعمورة، وشجرة وارفة يستظل بها كل من قصدها".

عباد الله: إن ما يجب أن تتعلمه الأجيال من ذكرى الاتحاد في كل عام أمور كثيرة، ومعان غزيرة، من أهمها حب الوطن، وأهمية الانتماء إليه، وقيمة الولاء للقيادة الرشيدة، والمحافظة على المكتسبات، حتى تمضي مسيرة نهضة الوطن، متمسكين في ذلك جميعا بحبل الله المتين، وسنة نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم .

فاللهم بارك لنا في إماراتنا، واحفظ لنا قيادتنا ووحدتنا، ووفقنا جميعا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن الاتحاد نعمة كبيرة تستوجب الشكر، وشكرها بالمحافظة على أسبابها، لتبقى وترقى، ومن أسباب بقائها: الابتعاد عن الفتن، التي تبدد الخير وتجلب النقم، والتمسك بروح الاتحاد، والتعاون على البر والتقوى، فهو سبب لمرضاة الله تعالى وتوفيقه، ومحبته وتأييده، والأخذ بوسائل التطور والتقدم، والمشاركة في بناء وطننا مشاركة فعالة، والمحافظة على أمجاده وإنجازاته، ومعرفة الفضل للذين أقاموا الاتحاد وأسسوه، ووضعوا لبناته وشيدوه، فجزاهم الله عنا أعظم الجزاء، قال سبحانه:( إنا لا نضيع أجر المصلحين). والالتفاف حول قيادتنا الرشيدة -سدد الله خطاها، وحفظها ورعاها- وهي التي لا تألو جهدا ولا تدخر وسعا في سبيل ازدهار الوطن ورخائه، وتشييد صرحه، وتطوير بنائه، فنسأل الله عز وجل أن يرعاهم بعنايته وحفظه، وهو على ذلك قدير، ونعم المولى ونعم النصير.