تونس.. الياسمين والدم!

13:11

2014-11-27

نبيل عمرو

أيها العرب.. اذهبوا إلى تونس، أعطوها كل ما تحتاج، وخذوا منها أهم ما تحتاجون.
وإذا كانت تونس الخضراء السلسة الجميلة، لا تملك ثروة فائضة تهبها لمن يحتاجونها، فإنها تملك ما هو أهم وأغلى؛ «الحكمة والنجاح».
فلقد تحررت تونس، بقيادة المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة ورفاقه، بالحكمة والذكاء، بما هو أفضل من طوابير القتلى والجرحى، كانوا يقدمون الشهداء حين لا يكون مفر من تقديمهم، فقد كانت الحكمة التونسية تقول: «خذ وطالب، خذ ما تستطيع أخذه والاحتفاظ به وتطويره، وطالب بما يكتمل الاستقلال الحقيقي به، وبين الخطوة الأولى والأخيرة، دهاء وذكاء وإبداع».
وحين اكتمل الاستقلال، انصرف التونسيون إلى بناء بلدهم، وإثبات جدارتهم بكيانهم الجديد، لم يصابوا بعقدة الأجنبي، بل حقنوا في روحهم وعقولهم ووعيهم، معادلة حياة... خذ من الأجنبي أفضل ما فيه لا تنغلق عليه لا تثأر منه، ولتُدَر العلاقة معه بحسابات ذكية، أساسها مصلحة الدولة التونسية والشعب التونسي.
وعلى مدى عقود، كنت تتجول في أسواق تونس، فلا تجد سلعة أجنبية واحدة، فكل ما كانوا يلبسون ويأكلون ويشربون، كان من إنتاجهم، مع التضحية الجماعية الطوعية بكل كماليات الجوار الأوروبي، والإغواء الاستهلاكي الذي كان يأتي به السائحون، لم يحرموا أنفسهم من الإنتاج الأجنبي ليس كراهية بمنتجيه، ولكن سعيا لتثبيت قواعد الاستقلال بالاكتفاء الذاتي أولا ربما أخيرا.
وفي شوارع تونس، وأنت تمضي ليلا إلى سهرة في فندق أو عشاء في مطعم، أو زيارة لأصدقاء، كنت تشتم رائحة مدهشة، فما من سور يحيط بمنزل أو قصر إلا وتسلقته الشجرة ذات الرائحة العبقرية التي منحت اسمها للثورة «شجرة الياسمين» التي أثبتت أنها حاملة كلمة السر التي مكنت المجتمع التونسي من تجنب رائحة الدم رغم أنها ملأت أجواء الجوار القريب والبعيد.
كثيرا ما سجل التاريخ ولع الثوار أو من يدعون الثورة، بخلع أوصاف فخيمة على ثوراتهم، أوصاف التعمد بالدم والتلفع بالجراح، والتسابق على الموت أفواجا وراء أفواج، إلا أن التوانسة الذين ألهموا أمة بأسرها كيفية الانتفاض للتخلص من التخلف والاستبداد، وقبل ذلك الاستعمار، اختاروا لثورتهم الحديثة اسما يعني تفضيل الحياة على الموت وتفضيل الشذى العبقري للياسمين، على الرائحة الكريهة للدم الذي يراق في غير موضعه، والذي يزكم الأنوف ببشاعته حين يهدره ذوو القربى، ويستغلونه تحت عناوين متعددة لا صدق في أي منها ما دام الدم سينزف من جسد طفل أو شيخ أو امرأة من أبناء البلد.
فلنأخذ من تونس الحكمة والنجاح، فهذا كل ما نحتاجه منها، بل هذا هو أهم وأغلى ما تملكه ولا تضن به على أشقائها وأبناء جلدتها.
أما ماذا تحتاج تونس من العرب.. فهي تحتاج ما يملكون الفائض الكثير منه، الثروة والناس، والتوانسة ليسوا في وارد انتظار هبات وعطايا، ولا هم في انتظار جيوش وأسلحة أو خبراء قتال، إنهم بحاجة إلى أن يعطوا قبل أن يأخذوا، ولا يحقق ذلك سوى توجيه الجيوش الناعمة إلى البلاد الجميلة الخضراء، وإلى الشعب السلس «العِشَري» المضياف، جيوش على هيئة مستثمرين يربحون ويُربحون، وعلى هيئة سياح ينفقون ويسعدون ويُسعدون.. وهل هنالك من مكان أمتع من بلد مزروعة أرضه بخضرة لا تذوي ولا تذبل، تسيجه شطآن رملية عذبة ناعمة أقل زوارها من العرب وأكثرهم من الجوار الأوروبي الذي كان في أيام ما متحكما برقابهم، وصار بعد الاستقلال الذكي أحد روافع نهضتهم؟
هذا ما تحتاجه تونس من أشقائها العرب أولا، ولا إخال أن احتياجا من هذا النوع، غير مقدور عليه.
إن المسار التونسي الذي توج بالانتقال الديمقراطي من مرحلة إلى أخرى، على طريق الحداثة والنماء، لم يقدم الحكمة والنموذج فقط، وإنما قدم الياسمين بدل الدم، وهذا ما نحتاجه بقوة في زمن الربيع الجامح.