كيف ننصر دين الله؟

13:08

2014-11-27

كمال الهلباوي

جاء فى بيان الجبهة السلفية - خالد سعيد، بشأن الدعوة إلى ثورة إسلامية أو تظاهرات أو انتفاضة، أن الأهداف الرئيسية من هذه الدعوة هى الحفاظ على الهوية الإسلامية، ورفض الحكم العسكرى، ورفض الهيمنة. ذكر البيان أموراً كثيرة خلط فيها بين كل شىء، خصوصاً أهداف الثورات الشعبية العظيمة التى قامت فى مصر، وهما ثورة يناير ٢٠١١ وثورة يونيو ٢٠١٣. عندما ترى فى البيان كلمات مرصوصة رصاً خادعاً، خصوصاً للشباب المتحمس، حيث يقول: (فقد أسفر الباطل عن وجهه صريحاً قبيحاً ليقود حراكاً علمانياً على الثورة يهدف لاستئصال الهوية وإقصاء الإسلام عقيدة وشريعة)، عندما نرى ذلك التضليل نعرف مباشرة الأهداف الخبيثة من وراء ذلك. تشير هذه الجملة إلى الباطل لتصور للشباب المسلم أن هناك معركة بين الحق والباطل، وليست معارك سياسية، أو ليست معارك على السلطة، كما كانت الدعوات فى اعتصامى رابعة والنهضة تنادى بعودة «مرسى»، ومن بين المعتصمين الجبهة السلفية وخالد سعيد، حتى قال «البلتاجى» فى ذلك إن الإرهاب سينتهى فى ثانية لو عاد «مرسى» إلى الحكم. لم يكن هناك خوف على الهوية، ولم يكن هناك خوف على الإسلام عقيدة وشريعة، كما جاء فى البيان المضلل الذى نراه اليوم. الإنسان يمكن أن يخشى على الشريعة عندما تكون هناك دساتير تهمل الإسلام أو تعادى الإسلام، أما فى وجود دستور ينص فى مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة، فلا خوف على الشريعة، والتضليل يتضح كذلك من الخوف على العقيدة، والعقيدة شىء يحرك الإنسان السوى من الداخل فلا يقول ولا يفعل ما يخالف تلك العقيدة الصحيحة. ويدرك خالد سعيد أن هناك خلافاً واسعاً بين العلماء فى شروحات الأمور المتعلقة بالشريعة، حتى اختلف بعض الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، فى موضوع رؤية الله تعالى، ولم يتحدث أحدهم عن الباطل، بل الحديث عن الصواب والخطأ. ويعلم خالد سعيد أن التوجهات الدعوية السلفية اليوم قد تتفاوت فى فهم العقيدة والتعبير عنها، وأن أطياف السلفية المعاصرة تتعدد من الوسطية إلى التكفيرية. أما أن هناك حراكاً علمانياً على الثورة يهدف لاستئصال الهوية، فهذا تضليل واضح آخر لأن الثورتين لم تكن تخشيا على الهوية ولم تتحدث أى منهما عن ذلك، بل كانت شعارات ثورة يناير هى العيش والحريّة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. لم يكن هناك حديث عن الهوية، ولم يكن هناك خوف عليها، كما أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يخرج فى مظاهرات فى المجتمع المشرك أو الكافر فى مكة المكرمة لتصحيح العقيدة، بل عمل على ذلك فور البعثة بكل عقل وحكمة، ودار الأرقم شاهد على ذلك، وبرامج التربية النبوية شاهد على ذلك. تعددت الأفهام اليوم واختلفت فى شرح العقيدة للناس، وظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس، ومن ذلك بدع التكفير والتشدد والعنف والغُلو فى الدين رغم أقوال الرسول العديدة، صلى الله عليه وسلم، عن الحلم والرحمة والخلق العظيم ومعاملة الجيران، وكلها من الأخلاق العظيمة التى نفتقر إليها اليوم ليقوم الناس بالقسط واتباع الرسول الأكرم، عليه الصلاة والسلام، فضلاً عن أن دستور المدينة ساوى بين الجميع فى حقوق المواطنة وواجباتهم تجاه حماية الدولة. الخوف كل الخوف على الدين من التشدد والتطرف والعنف والتسيب كذلك، ولكن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ»، كما يقول القرآن الكريم، وعليكم السعى لتجديد الدين بالحكمة والموعظة الحسنة. «إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة دينها»، كما جاء فى الحديث، والتجديد هنا يعنى كما أفهم أمرين؛ أولهما إعادة ما انتقص من الدين إليه، وتنقية الدين مما أضيف إليه وليس منه، وهذا من أهم واجبات الدعوة الإسلامية والدعاة إلى الله تعالى.

جاء الإسلاميون إلى الحكم سنة كاملة ومن قبلها كانوا فى البرلمان، ولم تشعر غالبية الشعب المصرى معهم بالأمان أو الراحة، وأرادوا أن يدخلوا فى موضوع العقيدة عن طريق الدستور لأول مرة أموراً لا علاقة لها بالعقيدة ولا الدساتير ومن ذلك المادة ٢١٩ الشهيرة، التى لا يستطيع أن يفهم فضلاً عن أن يحقق ما جاء بها إلا المتخصصون. لو استفاد الإسلاميون من المدة التى كانوا فيها فى الحكم فى إظهار صورة صحيحة من الإسلام الوسطى ومن ملامح ومعالم الحكم الرشيد، لما ثار ضدهم أغلبية الشعب المصرى فى يونيو ٢٠١٣، ولكنهم فشلوا فى ذلك أيما فشل، وكانت الدولة كلها بما فيها وما عليها تسير تحت قياداتهم الإسلامية نحو الفوضى والفشل. لو أظهر الإسلاميون بعضاً من أمارات وعلامات الحكم الرشيد لبقوا فى الحكم إلى ما شاء الله تعالى، ولكنهم خسروا أنفسهم وخسروا ترحيب ودعم الشعب المصرى، بل العربى، لهم ولمشروعهم لأنهم فكروا بهذه الطريقة التى يفكر بها خالد سعيد، هم الحق أو على الحق، وما عداهم باطل أو على الباطل، والسياسة ليست هكذا، ومن لا يعرف ذلك لا يمكن أن يحكم أو أن يدير بلداً، خصوصاً بحجم مصر، ولا يمكن أن ينجح فيما يدعو إليه من تدمير.. والله الموفق.