تونس.. ربيع قصير جداً.. لكنه يعود

13:10

2014-11-26

أحمد المسلماني

تونس بلادٌ خلّابة يسكنها شعبٌ متحضر..

زرت تونس فى عهد «زين العابدين بن على» عدة مرات.. وكتبت وقتها مقالاً فى صحيفة «الأهرام» بعنوان «تونس.. الاقتصاد بديلاً عن السياسة».. وكان تقديرى وقتها أن فلسفة السلطة فى تونس قد تحولت من معادلة «سياسة بلا اقتصاد» فى نهايات حكم «الحبيب بورقيبة» إلى معادلة جديدة هى «اقتصاد بلا سياسة» فى عهد «زين العابدين بن على».

ولقد فاجَأَت تونس العالم بإطلاقها موجة الربيع العربى وسط تفاؤل كبير بشأن مستقبل السياسة والاقتصاد.. لكن مرور ثلاث سنوات على الثورة جاء بأجواء مغايرة.

ففى الذكرى الثانية للثورة.. قال السكان فى ولاية سيدى بوزيد مهد الثورات العربية: لقد أصبحنا أسوأ كثيراً.. وقاموا بطرد القادة السياسيين للبلاد: الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان.. من ساحة الاحتفال.

أما فى الذكرى الثالثة للثورة فقد امتنع القادة السياسيون عن حضور الاحتفال الرسمى فى سيدى بوزيد.. خوفاً من الطرد فى الذكرى الثالثة كما جرى طردهم فى الذكرى الثانية.

وتحدث شباب من حركة «تمرّد» التونسية ومن حركات ثورية عديدة إلى وسائل الإعلام.. وكانت خلاصة آرائهم أن تونس قد انتقلت إلى المعادلة الثالثة «لا سياسة ولا اقتصاد»!

(1)

تمتد تونس على مساحة تزيد على المائة وستين ألف كيلومتر مربع، ويزيد عدد سكانها على العشرة ملايين نسمة. شهدت تونس فصولاً مجيدة من التاريخ الطويل.. وفى العصر الحديث وقعت البلاد تحت الاحتلال الفرنسى عام 1881 واستقلت عام 1956.. وفى 25 يوليو 1957 تم إعلان الجمهورية برئاسة «الحبيب بورقيبة».

مكث الرئيس «بورقيبة» فى الحكم ثلاثين عاماً كاملة «1957 - 1987».. وفى السابع من نوفمبر عام 1987 نجح «انقلاب قصر» قام به رئيس الوزراء «زين العابدين بن على» فى الإطاحة بالرئيس «بورقيبة».. وأصبح «بن على» رئيساً للبلاد. مكث «زين العابدين بن على» -بدوره- مدة طويلة.. وبعد قرابة ربع القرن خرج الشعب التونسى بأشهر شعارين لثورات الربيع العربى «ارحل» و«الشعب يريد إسقاط النظام».

(2)

سقط «زين العابدين بن على» فى 14 يناير وتولى رئيس البرلمان السلطة فى 15 يناير.. ثم تطور النظام الجديد إلى ما يسمى «الترويكا» أو الرئاسات الثلاث: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان.. وقد جاء رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان من أحزاب مدنية وجاء رئيس الحكومة من حزب الإخوان المسلمين «حركة النهضة التونسية».

(3)

جاءت حركة النهضة فى انتخابات 2011 فى المركز الأول فى كل دوائر تونس داخلياً وخارجياً فيما عدا دائرة «سيدى بوزيد» مهد الربيع العربى!

وأصبح الشيخ «راشد الغنوشى» الاسم السياسى الأكبر فى تونس.. وارتبطت باسمه خريطة ما بعد الثورة.

حظى الشيخ «راشد الغنوشى» فى السابق بتقدير واسع فى أوساط الإسلاميين، كما أنه حظى بتقدير يفوق نظراءه لدى التيارات المدنية العربية. وحظيت الاجتهادات الفكرية.. الفقهية والسياسية للشيخ «راشد الغنوشى» باهتمام كبير.. وجرى النظر له باستمرار باعتباره أحد دعاة الوسطية.. لكن صورة الشيخ تغيرت كثيراً بعد السلطة. أدت رغبة حركته فى الاستحواذ على السلطة وضعف الكفاءات بين صفوفها وتعاونها مع التيارات المتشددة إلى غضب الكثيرين من أنصارها وخصومها. وشنَّ المثقفون التونسيون موجات نقد شديدة تجاه «الغنوشى» وعائلته وتجاه حركة النهضة وسياساتها.

وظهرت صفحات على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» من نوع «نطالب بمحاكمة راشد الغنوشى فى تونس» و«معاً لإرجاع راشد الغنوشى إلى لندن».

(4)

دفع تحالف النهضة مع المتشددين إلى غضب واسع فى صفوف التونسيين عقب اغتيال المعارض البارز «شكرى بلعيد» فى فبراير 2013 واغتيال المعارض «محمد براهمى» فى يوليو 2013. وأدى اتهام أرملة «شكرى بلعيد» لحركة النهضة باغتيال زوجها إلى ازدياد حالة السخط لدى ملايين التونسيين.. وهو ما عبّر عنه صعود أعداد الموقعِّين على استمارة «تمرد تونس» إلى أكثر من مليون وسبعمائة ألف استمارة. وخرجت أعداد كبيرة من المتظاهرين التونسيين الذين يطالبون بإسقاط النظام ورحيل حركة النهضة عن السلطة فى البلاد. وقالت مجلة «التايم» الأمريكية إن «تونس تترقب ثورة جديدة تطيح بالإخوان». ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مواطنة فى ولاية سيدى بوزيد أثناء احتفالات الذكرى الثالثة للثورة: إن حياتنا تسير من سيئ إلى أسوأ.. أصبحنا أفقر من ذى قبل، والشىء الوحيد الذى أهدته الحكومة لولاية سيدى بوزيد هو هذا النصب التذكارى لعربة خضار «البوعزيزى»!

ونقلت الوكالة عن شاب تونسى قال غاضباً: كنتُ عاطلاً قبل الثورة وما زلت عاطلاً وسأظل عاطلاً!

(5)

بدورهم كان قادة النهضة يهاجمون ثورة 30 يونيو فى مصر، وزاد الوزير «سليم بن حمدان» فوصف ما جرى فى مصر بأنه «مؤامرة صهيونية»، وقال «عامر العريفى» رئيس المكتب السياسى لحركة النهضة: «هناك جهات داخل البلاد تسعى للانقلاب على مؤسسات الدولة كما حدث فى مصر».. وقال الشيخ «راشد الغنوشى»: «إن جيشنا جمهورى ولن يتكرر فى تونس انقلاب مصر».

الجزء الثانى.. الأسبوع المقبل

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر