حوار مع النار (2 - 2)

13:08

2014-11-26

ثروت الخرباوي

كنت أروى لكم قصة مذهلة، تحار فيها الألباب، إذ عندما كنت أسير فى ليلة باردة فوجئت بنار عظيمة تهبط علىّ من السماء وتحدثنى بلغة عربية سليمة، تخوّفت فى البداية من هذه النار الغريبة، وظننتها شيطاناً من شياطين الجن، ولكن النار قالت وهى تكلمنى إنها ليست من الجان ولا علاقة لها بإبليس، ولكنها من خلق الله ممن ينطبق عليهم قوله تعالى «وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ».

قالت النار لى: لقد أتيت لأتحدث معكم فى أمر مهم، لقد رأيت من العالم الذى أعيش فيه دنياكم، ورأيت أن عالمكم منقسم إلى دول متقدمة ودول متخلفة، ثم رأيتكم يا أهل مصر من العالم المتخلف، وقد أسعدنى أن قامت فى بلادكم ثورات على الحكم المستبد، ومع ذلك وجدت الخلافات قد وصلت عندكم إلى حد القتل وسفك الدماء، ونفس الشىء يحدث فى دول متخلفة مجاورة لكم، وأنا الآن أريد أن أعرف سبب ذلك.

أومأت برأسى علامة الفهم، وقلت للنار: والله يا عم النار المسألة فيها بعض اللخبطة، نحن فعلاً من العالم المتخلف، ويكفى أن تعرف أن من أسباب التخلف هو الخلافات الدينية، إذ إن البعض يريد أن يفرض رأيه علينا بالقوة.

قالت النار: هذا شىء عجيب! ولكن ما سبب الخلافات التى نشبت فى بلادكم بعد ثورتكم؟!

قلت للنار وأنا أدارى خجلى: والله يا حضرة النار نحن كنا فى البداية شيئاً واحداً، الإسلامى مع الليبرالى مع الاشتراكى، وهكذا، ولكن بعد ذلك تحوّلنا فى طرفة عين وانتباهتها إلى فرق متناحرة، وبغرابة شديدة استطاع الإخوان ركوب الثورة ثم تاجروا بشعارات الدين وكسبوا انتخابات الرئاسة، ولكن الحمد لله ارتكبوا أخطاءً كثيرة، فثار الشعب عليهم، وأظنك تعرف باقى الأخبار.

قالت النار وهى تهرش بجمرة يدها على رأسها المحمومة: وما هى أحوال التيار السلفى عندكم وما هى الـ...

قاطعته قبل أن يكمل كلامه، وقلت له: والله يا أخ نار حالهم لا يسر عدواً ولا حبيباً، السلفيون مارسوا لعبة جميلة، فريق منهم مع الإخوان، وفريق منهم ضد الإخوان ومع الشعب، وفريق منهم ضد الشعب والإخوان، وفى الوقت ذاته كل فرقهم هى فى النهاية شىء واحد!!

التهبت النار من العجب وقالت: كيف هذا؟

وجدتها فرصة، فجلست من النار موقف الأستاذ من التلميذ وقلت: والله يا أخ نار المسألة معقّدة، إذ إن كل أنصار الإسلام السياسى يكفّرون المجتمع، ولكن بعضهم يستخدم التقية، وهم فى الوقت ذاته يتلاعبون بمشاعر البسطاء من خلال شعارات الدين.

وماذا فعلوا بعد ذلك؟ قالتها النار وحسيس صوتها يتلمظ.

قلت بأدب: قويت شوكتهم، وخرج دعاتهم يقولون: إن الفن حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام، والرسم حرام، وآثار الفراعنة حرام ويجب طمسها، والسياحة حرام، والحرام حرام، والحلال حرام، والليبرالية والاشتراكية والقومية ومناهج الحكم التى فكر فيها البشر وأنضجتها قريحتهم كفر وحرام.

ومَن هم العلماء الذين يقولون هذا الكلام الغريب؟ قالتها النار وهى تضرب أخماساً فى أسداس.

قلت بصوت منخفض كالهمس: خذ عندك.. محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأبوإسحاق الحوينى وحازم شومان وعبدالمنعم عبدالمقصود وياسر برهامى وعبدالمنعم الشحات ومحمد الزغبى، والغريبة أن معهم فى هذا الفكر معظم علماء الأزهر الشريف وغيرهم كثير.

عادت النار إلى الحديث، وقالت: وماذا فعل الإخوان والسلفيون بعد إذ؟

قلت: قاموا بمظاهرات كثيرة وعندما واجههم الشعب أخذوا يمارسون الإرهاب وقتل الأبرياء، وهم الآن يتوعّدون الشعب بيوم حافل بالقتل.

قالت النار: فى أى يوم؟

قلت: الجمعة المقبل الموافق الثامن والعشرون من نوفمبر.

قالت النار: لقد برقت فى رأسى فكرة واشتعلت فى عقلى مسألة، سأعطيك يا فتى فرصة عمرك.

فرصة عمرى: قلتها وأنا أرتعد.

قالت النار: نعم.. فأنا وإن كنتَ تجهلنى، بل وكل جنسك البشرى يجهلنى، فقد وهبنى الله عِلماً من الكتاب، والله يهب العلم لمن يشاء، هل قرأت عن العبد الصالح الذى أتاه الله علماً من الكتاب فحمل عرش «بلقيس» إلى النبى سليمان، فاخترق بعلمه قوانين المكان والزمان، والعبد الصالح الذى رافق سيدنا موسى فى رحلته وقد أوتى طرفاً من علم الغيب، أما علمى فهو علم الزمن، وعلم الأبعاد الزمنية، وما أوتينا من العلم إلا قليلاً.

فقلت للنار: آه أنت إذن من أصدقاء العالم المصرى زويل، فهو أيضاً متخصص فى علوم الزمن والفيمتوثانية.. «زويل» هذا ابن جِن مصوّر يبدو أنكم من فصيلة واحدة، فصيلة الجن الأحمر.

«زويل».. «زويل».. يبدو أننى سأغير رأيى فيك: قالتها النار وهى تشمئز منى.. ثم استرسلت وكأنها تراجع نفسها: لن أتوقف عند هذا الهزر، فيبدو أن هذا هو مبلغ حكمتكم وعلمكم، ويجب أن أكون حليماً معك، ولله فى خلقه شئون.. انظر يا أخ، أنا سأساعدك بعلمى كى تقطف عنقوداً من عناقيد هذا العلم، سأرسلك إلى المستقبل القريب لتعيش فيه وتعرف ما الذى سيحدث فى الثامن والعشرين من نوفمبر.

كيف هذا؟ أساحر أنت يا عم الحاج نار؟: قلتها وأنا أتعجب، ثم استرسلتُ قائلاً: أنا لا أحتاج إلى الذهاب للمستقبل، فلن يحدث أى شىء، هم مجرد فقاعات، والشاعر يقول: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا فابشر بطول سلامة يا مربع.

قالت النار وهى تنطق بلسان الحكمة: نعم لن يحدث شىء، صدقت، ولكن أتعرف يا سيدنا لماذا لن يستطيع الإخوان ومن يحملون رايتهم ويرفعون شعارات الدين فعل أى شىء؟

قلت للنار: لماذا أيتها النار العظيمة؟

هزت السيدة المحترمة/ نار رأسها النيرانية يميناً وشمالاً، ثم قالت بصوت انطلق لهيبه: لن يفعلوا شيئاً لأنهم على باطل أيها الرجل، والله قال فى القرآن الذى أرسله إليكم «إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ»، وخذ بالك أيها الرجل، الله لم يقل فى القرآن إن الله لا يصلح عمل الفاسدين، ولكنه قال المفسدين، ولفظ الفاسد لم يرد فى القرآن، ولكن ورد فقط لفظ الفساد، أما من شدد الله عليهم فهم المفسدون، وهل تريد أن تعرف لماذا هم مفسدون؟

أخذتنى الرهبة من الحِدة التى كانت النار تتحدث بها، ولفنى الخوف واعتقل لسانى فلزمت الصمت، فأعادت النار تكرر السؤال بنفس الألفاظ، إلا أننى التزمت الصمت، فكاد صبر النار ينفد، وزامت وتحرك لهيبها نحوى، فكدت أن أثب جارياً مستنجداً إلا أننى سمعتها وهى تقول: سأتحملك من أجل إصلاح حال بلادكم ثم حال المسلمين، اسمع يا رجل، هؤلاء الإخوان ومن معهم كلهم من المفسدين، ولذلك كن على ثقة من أن الله لن يصلح عملهم، فى كل تاريخهم كان عملهم يبوء بالخسران، حتى عندما وصلوا إلى الحكم باء عملهم بالخسران، لأنهم من أمة هذا الزمان، انشغلوا بالآخرة ولم يعملوا لها، واستعمرهم الله فى الأرض ولم يعمروها، نهاهم الله عن الكذب فكذبوا، ونهاهم عن النفاق فنافقوا، قال الله «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ»، فقالوا ولم يفعلوا، وجعلوا كل فقههم حرمان خلق الله من رحمة الله، فجعلوا الجنة لهم وحدهم، وفعلوا ما نهاهم الله عنه عندما أعلمهم بخبر الأمم التى سبقتكم بقوله «وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ»، أصابتهم الأمراض فجعلوا بلادهم بتخلفهم تتذيل الأمم، ونشروا الفرقة والخلاف فى كل مكان وتحزّبوا، أخذوا من اجتهادات السابقين ولم يجتهدوا لمستجدات العصر، كل قولهم أخذوه من «ابن تيمية»، وكانت الفتنة التى نشروها هى الاستعلاء على الآخرين، وتوسيع دائرة التكفير، واضمحلال التفكير، والتمسك بالفروع، وإهدار الأصول.

سمعت خطبة النار البليغة، وكانت النار آنذاك تتلمظ من الغيظ، ثم أخذت ترتفع إلى السماء، فقلت لها قبل أن تختفى: أريد أن أعرف يا نار، هل نار الآخرة شديدة بالفعل كما سمعنا؟

قالت النار: قد تكون فى الجنة وأنت فى النار.

تعجبت من قول النار، وقلت لها: كيف هذا؟!

قالت: إذا لم تر الله فأنت فى النار، ولو كنت فى الجنة.