بابان لمجلس التعاون و... طريق إلى جامعة جديدة

15:58

2014-11-24

جورج سمعان

مجلس التعاون لدول الخليج العربية أمام ولادة جديدة... إذا صفت النيات. قمة الرياض الطارئة قبل أيام تمهد الطريق لمثل هذه الولادة الثانية أو الثالثة التي تفرضها الظروف الطارئة في المنطقة. فالمجلس أبصر النور مع قيام إيران جديدة بقيادة الإمام الخميني. ومع اندلاع حرب الخليج الأولى بين نظام الرئيس صدام حسين والجمهورية الإسلامية. وقبلهما مع زحف السوفيات إلى أفغانستان واقترابهم من المياه الدافئة. ومن حدود باكستان التي شكلت على الدوام عوناً وسنداً لأهل الخليج. لم تشهد الدول الست في شبه الجزيرة تهديداً مباشراً كالذي شهدته يومها مع سقوط نظام الشاه. فاقم هذا السقوط مخاوفها المقيمة مع جنون البعث العراقي وتهويلاته وتهديداته وسياساته ومغامراته التي انتهت بغزو الكويت. وجدت هذه الدول يومها فرصة فريدة مع انشغال الجارين الكبيرين بالمواجهة. أعلنت منظومتها لتوحيد مواقفها وتسخير قواها البشرية والعسكرية والاقتصادية وعلاقاتها الاقليمية والدولية من أجل مواجهة هذين الخطرين الزاحفين من طهران وبغداد.

الظروف اليوم لا تقل خطراً عنها في ثمانينات القرن الماضي. لذا لا مفر من ولادة جديدة لمجلس التعاون مع تشكل شرق أوسط جديد ومختلف. المنطقة كلها تعيش على وقع العواصف، خصوصاً المفاوضات النووية بين إيران والدول الست الكبرى. والتداعيات الآتية لا تحتمل ترف إضاعة الوقت، سواء أُبرم الاتفاق الموعود أو أخفق المعنيون بإنجازه. لا مفر من إحياء هذا التكتل الإقليمي والتمسك بوحدته، مع توسعة او شراكة فرضتها وتفرضها الظروف والتحديات الراهنة. هذا ما حصل للمجلس إثر تحرير الكويت من الغزو العراقي. انضمت إلى دوله الست مصر وسورية في ما سمّي «إعلان دمشق». لكن هذا الإعلان لم يعمّر طويلاً، لأن الولايات المتحدة لم تكن لتقبل حينها بشركاء لها في أمن النفط وممراته ودوله. كان على الرئيس حافظ الأسد الذي انضم إلى التحالف الدولي لتحرير الكويت أن يكتفي بإدارة لبنان ويطلق يده في ربوعه وطوائفه وقواه وسياساته الصغيرة قبل الكبيرة. وكان على الرئيس حسني مبارك الذي تولى توفير التغطية العربية لقيام ذلك التحالف، أن يكتفي بالمساعدات الأميركية ويمارس دوره في القضية الفلسطينية تسهيلاً لمشاريع التسوية السلمية فحسب.

أما غياب سلطنة عمان عن قمة الرياض الأخيرة، فلا يعني خروجها من المجلس أو اعتراضها. عبّرت سريعاً عن تثمينها بيان الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وشددت على وجوب التضامن العربي. وأثبتت في أكثر من مناسبة حرصها على هذا التضامن وإن أسبغت على سياساتها نوعاً من الاستقلال والحياد. هي مثلاً عرفت كيف تحافظ على استقلالها في الحرب العراقية - الإيرانية. وحرصت على بقاء علاقاتها مع القاهرة حين اجتمع العرب في بغداد لإخراج مصر من الصف العربي ونقل الجامعة إلى تونس، إثر زيارة الرئيس أنور السادات الى القدس. عرفت كيف توائم بين متطلبات السياسة وحقائق التاريخ، والجغرافيا قبل ذلك. وأفادت من هذا التوجه. ولو لم تكن تتمتع بقدر من الاستقلال ورصيد من الصدقية، لما تدخلت وسيطاً مقبولاً لتسوية صراع مستعصٍ لثلاثة قرون بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية. ويمكنها اليوم أن تشكل جسراً لأي حوار لا مفر منه في النهاية بين هذه الجمهورية والدول الست. مثلما يمكن قطر التي شكا شركاؤها في المجلس من تغريدها خارج السرب في محطات عدة، أن تلعب دوراً في إعادة وصل ما انقطع مع تركيا... والمساهمة في إطفاء الحرائق المشتعلة في العالم العربي بين النخب الحاكمة والأحزاب الإسلامية، وعلى رأسها حركة «الإخوان المسلمين». ولطالما لعبت أدواراً في العقدين الأخيرين من الصومال والسودان واليمن إلى لبنان وسورية وحتى أفغانستان... يمكن مسقط والدوحة أن تشكلا بابين مفتوحين على أكبر أزمتين تواجهان المنطقة: الحضور الإيراني الواسع في ساحات عربية عدة، وسعي تركيا إلى حضور مماثل من جهة، وتمدد القوى الإسلامية المتشددة التي باتت تشكل خطراً على كل دول المنطقة من جهة ثانية.

بيان الملك عبدالله لم يكن صحوة مفاجئة. جاء في سياق خطوات تدرّجت بهدوء في السنوات الأربع الأخيرة. أدركت المملكة ودول مجلس التعاون، غداة اندلاع عواصف التغيير في العالم العربي قبل أربع سنوات أنها باتت مكشوفة. بل ازدادت انكشافاً بعد خروج العراق من حسابات الأمن الإقليمي، وبعد انزلاق سورية إلى محور إيران ومعها لبنان إلى حد ما. لذا كان لا بد من إعادة النظر في المنظومة القائمة. فكانت حزمة من الإجراءات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية داخل بعض دول مجلس التعاون، ثم إقرار مساعدات لكل من سلطنة عمان والبحرين. وبعدها كان إرسال قوات من «درع الجزيرة»، إلى المنامة رسالة واضحة إلى إيران وغيرها، أن أمن هذه الجزيرة جزء من أمن المجلس ودوله. وأُطلقت مبادرة خليجية رسمت معالم التغيير الهادئ في اليمن.

وأكملت دول الخليج سيرها، فوجّهت دعوة إلى كل من الأردن والمغرب ليكونا شريكين فاعلين، تمدهما بما يحتاج إليه اقتصادهما لتجنيبهما رياح التغيير العاتية والمدمرة... وتستقوي بهما كتلة مضافة ووازنة، سياسياً وبشرياً وعسكرياً، في ظل غياب الجامعة وتفككها وضعف آلياتها ومؤسساتها. أي أن هذه المنظومة التي اتهمها بعض العرب بعد أزمة الكويت بأنها ترغب في الاستقلال عن الجامعة العربية، سارعت إلى ملء فراغ خلّفه غياب هذه الجامعة وتفككها. وقدمت الغطاء المطلوب للتحرك الدولي في ليبيا. ولم تتأخر بعض دولها في المشاركة في العمليات العسكرية التي عجّلت في إسقاط نظام معمر القذافي، ولم تتأخر في الدفع نحو مبادرة عربية لتسوية الأزمة السورية. وكانت من دعائم كتلة «أصدقاء الشعب السوري» ولا تزال. وهي شريك في تحالف دولي يخوض حرباً على «الدولة الإسلامية» وحركات الإرهاب الأخرى.

أما مصر التي بدت غائبة عن المشهد قبل سقوط حكم «الإخوان»، فبدأت تعود تدريجاً إلى دورها، وتشكل اليوم سنداً لأهل الخليج مثلما هم منخرطون في إنعاش اقتصادها المتهاوي. لذلك لم يكن مفاجئاً دعوتها إلى الشراكة مع مجلس التعاون واستجابتها بلا تردد. وقد لا تكون وحدها مرشحة لأداء دور في المنظومة المتجددة. تونس قد ترى في ذلك مصلحة إذا قُيّض للباجي قائد السبسي أن يفوز بالرئاسة، وهو المرجح بعد فوز حركته «نداء تونس» في الانتخابات البرلمانية. وحتى الجزائر ستجد مصلحة في الانحياز إلى فضاء هذه المنظومة إذا تفاقمت الأوضاع في ليبيا، ولم تجد مصر بداً من التدخل لحماية أمنها الوطني، وتوفير سبل النجاح لحملتها على الإرهاب في شبه جزيرة سيناء. فمن ينخرط إلى هذا الحد في معالجة الحدود «المفتوحة تحت الأرض» مع قطاع غزة، لن يجد مفراً من التدخل لعلاج الأزمة الليبية التي لن ينجو من تداعياتها كل الشمال الأفريقي.

إعادة الرياض الروح إلى مجلس التعاون وفتح أبوابه أمام شراكة دول عربية وازنة يجب أن يشكلا في النهاية مقدمة لإعادة تشكيل الجامعة وتجديدها وإصلاحها الذي طال الحديث عنه عقوداً. ولا مبالغة في أن الدينامية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية ستدفع كل اللاعبين في مسرح الشرق الأوسط إلى إعادة النظر في حساباتهم وسياساتهم، وإلى إعادة تموضع لا بد منها. فإلى تاريخ قريب، شكلت المملكة لسنوات عماد ثلاثية مع مصر وسورية قادت الدول العربية في خضم صراعات لم تنفك يوماً في منطقة تنتج ثلث النفط العالمي... وفي إقليم تقاطعت وتلاقت فيه ولا تزال مصالح الدول الصناعية الكبرى. وهو ما حال دون قيام نظام أمني عربي مستقل عن هذه المصالح التي ترجمت معاهدات وقواعد عسكرية على طول الخليج. ولا شك في أن الظروف الإقليمية والدولية الحالية تتيح فرصة ثمينة لوضع أسس نظام أمني اقليمي يغلّب مصالح العالم العربي على ما عداها. فالولايات المتحدة تستعد لنقلة جذرية نحو المحيط الهادئ، لاعتبارات كثيرة سياسية وأمنية واقتصادية. وروسيا تتخبط في صراع مع الغرب عموماً للحفاظ على فضائها الأمني المباشر في دول الجوار.

يبقى التحدي الكبير أمام مجلس التعاون وأي منظومة عربية مواجهة الدول الإقليمية الكبرى وعلى رأسها إيران التي يعطيها حضورها في المنطقة العربية تأثيراً يتجاوز ما لروسيا وربما عادل ما للولايات المتحدة. وهناك بالطبع تركيا التي سجلت، عشية العواصف العربية «فتوحات» في الساحة العربية. حتى أن شركاءها في حلف شمال الأطلسي راحوا يقدمونها نموذجاً للنظام الإسلامي الحديث. لكنها اليوم تتعثر بسبب السياسات التي يعتمدها رجب طيب أردوغان داخلياً وخارجياً. بدأت تبتعد تدريجاً من نموذج الإسلام المعتدل والمتصالح مع الحداثة وقيم الديموقراطية ومفاهيمها. بدأت تجربة «حزب العدالة والتنمية» تفقد بريقها، وتكاد تضع نفسها اليوم في مواجهة أكثرية عربية بعدما استثمرت كثيراً في رفع لواء القضية الفلسطينية والتقارب مع دول الجوار، من العراق إلى سورية ولبنان والأردن... وحتى في الصومال واليمن وليبيا. القريبون من الرئيس التركي بدأوا يلاحظون ابتعاده من نمط انفتاح واعتدال مارسهما طوال عقد... ولا يجدون مبرراً لانزلاقه وراء حركات الإسلام السياسي المتشددة.

الاستراتيجيات القديمة في شرق يتبدل جذرياً كل يوم لم تعد تجدي. لا بد من دور مختلف لمجلس التعاون. الشكوى من «تفرد» قطري و «حياد» عماني و «إملاء» سعودي يفترض أنها سقطت في خضم ما يعصف بالمنطقة. لا بد من رؤية مختلفة لعناصر النظام العربي ومقومات هذا النظام وشروطه. ولا بد من دور عربي فاعل في رسم صورة هذا النظام بدل التظلم من سياسة الرئيس باراك أوباما حيال إيران، والاكتفاء بالتحذير من الحضور الطاغي للجمهورية الإسلامية في هذه العاصمة العربية وتلك، ومن مساعي تركيا إلى دور موازٍ. إن خطوة السعودية لرأب صفوف مجلس التعاون، وفتح أبواب الشراكة أمام مصر والأردن والمغرب، يشكلان نواة عمل مشترك قد يستعيد العرب معه موقعهم ويُصلحون الخلل الذي أصاب ميزان القوى الإقليمي... فهل تنجح السعودية؟