هل تخيلت سيناريو «ما بعد السيسى» يا أستاذ وحيد؟

07:48

2014-11-23

محمود الكردوسي

بينى وبين الأستاذ وحيد حامد صداقة تتجاوز الثلاثين عاماً، أظنها بدأت منذ فيلم (الغول) أوائل ثمانينيات القرن الماضى. الأستاذ وحيد ليس مجرد كاتب سيناريو «طاغية» فى حرفته، بل صاحب موقف سياسى واجتماعى أسبق وأكثر اتساعاً من طاقة الكتابة. ولا أظن أن كاتباً أحرص على «الدولة المصرية» منه، لكن عداءه السافر للإسلام السياسى بكل أطيافه -و«الإخوان» فى الصدارة بطبيعة الحال- يظل الموقف الأكثر وعياً ونبلاً وتأثيراً.. لا فرق فى ذلك بين نص درامى ومقال أو حوار فى صحيفة. لا أتذكر أننا اختلفنا، بل يشرفنى أن تحوم «موجتى» -منذ تعارفنا- حول «موجته» لعلها تلحق بها، ولن تلحق، لكننى سأحاول.

فى حواره الأخير لجريدة «المصرى اليوم» شن الأستاذ وحيد هجوماً ضارياً على أداء حكومة «محلب»، وقال إن المؤشرات كلها تؤكد أن الدولة تعود إلى الخلف: على الأقل سيبقى كل شىء على حاله. الفساد والانفلات وتردى أوضاع الاقتصاد وغياب الرؤية والبطء فى صناعة وتنفيذ القرار والاجتراء على هيبة الدولة، وأتفق معه، وأزيد عليه بأن الحكومة -باستثناء وزراء يعدون على أصابع اليد الواحدة- تبدو وكأنها «تتآمر» على الرئيس دون أن تدرى، أو بحسن نية. ليس عيباً أن تكون «حكومة موظفين» إذا كانت «الكفاءة والإخلاص» معيارين، أما أن يلهث الوزراء طول النهار وراء مشكلات المواطن فهذا يعنى أنها «حكومة خدامين»، تروح وتجىء بـ«الطلبات»، ثم تخلع «مريلة الشغل» آخر النهار وتحمل «صرتها» وتعود إلى البيت.

كان الطموح أن تكون «حكومة حرب»، وأن يكون على رأس أولوياتها تطهير الوزارات من «فساد» مبارك و«أخونة» الجماعة الإرهابية، وإصلاح ما أفسدته حكومة الببلاوى، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. وارتفع سقف الفشل إلى حد أن «الحاجة ناهد العشرى»، وزيرة القوى العاملة والهجرة، سعت باستماتة إلى توظيف مستشارها القانونى «أسامة الصعيدى» -قاضى التحقيق فى قضية «أرض الطيارين»، والمحال إلى الصلاحية بشبهة «تربُّح»- للعمل مستشاراً قانونياً لوزير العمل والشئون الاجتماعية القطرى «عبدالله بن صالح الخليفى»، اعتباراً من 19 أكتوبر الماضى. ووفقاً للتقرير الذى نشره موقع «المصرى اليوم» فى 17 نوفمبر الحالى.. فإن «الحاجة ناهد» -التى لا أعرف كيف أفلتت من «كشف الهيئة» قبل تكليفها بهذه الحقيبة المهمة- استندت فى موافقتها على منح «الصعيدى» إجازة خاصة بدون راتب لمدة سنة إلى القانون 47 لسنة 1978 وقرار رئيس الوزراء رقم 186 لسنة 2000، وهى التى تدخلت لدى وزير العمل القطرى أثناء مشاركته فى مؤتمر العمل العربى الذى استضافته القاهرة فى سبتمبر الماضى، واستخدمت نفوذها فى الضغط عليه لتشغيل مستشارها القانونى، رغم أن استشارة القانونيين فى وزارتها والتى أعطتها هذا الحق.. كانت تمنحها أيضاً حق رفض طلب الإجازة. ونوهت مصادر «المصرى اليوم» إلى أن «الحاجة ناهد» هى الوحيدة بين أعضاء حكومة محلب التى كرمها الخائن محمد مرسى خلال احتفالات عيد العمال، نظراً لدعمها وزير القوى العاملة الإخوانى «خالد الأزهرى».

وزيرة إخوانية، وأضعف الإيمان «متعاطفة»: ما الذى تتوقعه؟. قلها ولا تخف: إذا كان رب البيت بالدف «ناهد».. فشيمة أهل البيت «الأخونة». من المسئول عن هذه المصيبة؟. من الذى اختارها، ومن الذى يراقب أداءها ويحاسبها؟. وإذا كانت الحاجة «قوى عاملة» بهذا الوضوح والتبجح.. فماذا عن الوزراء الآخرين؟. هل هذه «حكومة حرب» يا «حاج محلب»؟. ألا يكفى أنهم موظفون فاشلون؟. ألا تلاحظ أن حكومتك بهذا الأداء ستدق إسفيناً بين الرئيس و«قاعدته» الجماهيرية؟. ألا تشعر أن المواطن البسيط بدأ يحتقن، لكن الحياء والالتزام بالعهد يمنعانه من فقدان الثقة بالرئيس الذى «تعب فيه» وعلق عليه آماله؟.

مد الأستاذ وحيد الخط على استقامته، وتجاوز رئيس الحكومة وصولاً إلى رئيس الدولة: «إذا كانت التركة ثقيلة على السيسى فليتركها»، وأنا أسأله: وماذا بعد أن يتركها يا أستاذ وحيد؟. هل تخيلت لمصر سيناريو «ما بعد السيسى»؟. هل لديك بديل وأنت أعلم الناس بالخواء السياسى الذى تعانى منه مصر؟. يتركها لمن يا أستاذ وحيد: للكراكيب التى تتخبط وتملأ المشهد بضجيج من دون طحين.. أم للنحانيح وتجار الثورات ودعاة الفوضى ومرتزقة 25 يناير؟. اطلب إصلاحاً وتطهيراً كما شئت، وأنا معك. هاجم وتشاءم وافضح كما شئت، وأنا معك. لكننى أستكثر على تاريخك المشرف أن ترفع فى وجه السيسى «بطاقة حمراء».. حتى إذا لم يعجبك أداؤه. أستكثر عليك -واعذرنى- أن تطالب الرئيس بـ«تركها» بعد أيام قليلة من تبنى ممثل تافه، مخنث، للمطلب نفسه!.

أنت تتحدث عن «فوضى» فى الشارع، وتطالب الدولة بأن تكون أكثر تشدداً وحسماً، وأنا معك، وأزيد عليك بأن الشارع المصرى أصبح يحتاج إلى ما هو أكثر من الحسم: يحتاج إلى «عصا تأديب» وليس «عصا سحرية». لكننى أستكثر عليك أن تلقى بمسئولية أربعين عاماً من الفساد والتجريف وانفلات الأخلاق.. على كاهل رئيس لم يكمل شهره السادس فى الحكم، واسمح لى أخيراً بأن أنوه إلى أن جبهة السيسى لم تعد «إرهاباً» فقط كما كنا نتصور، بل اتسعت لتشمل كل شبر فى دولة كانت أصلاً قاب قوسين أو أدنى من الضياع.. لولا أن استجاب هذا الرجل لإرادة المصريين، واستردها.