أزمة السعودية.. عودة قطر.. مباحثات إيران.. قدرك يا مصر

07:45

2014-11-23

نشوى الحوفي

نعم.. للسياسة حسابات ومواءمات ومواقف لا تعبّر عن المشاعر ولا القيم ولا المبادئ. لا قيم فى السياسة، فقط مصالح. يتفق العالم على هذه القاعدة دون أن يضع فى اعتباره مَن هم مثلى من الذين يرون استحالة قبول مبادرة السعودية للمصالحة بين مصر وقطر ويردون عليها باختصار بالعبارة الرائعة للراحل أمل دنقل: «لا تُصالح». فمن هم مثلى يعرفون الفعل القطرى فى مصر، ومن هم مثلى لا يبيعون دماء أبناء هذا الوطن بمليارات العالم، ومن هم مثلى يعرفون أن قطر وحكامها مرهون بقاؤهم على وجه الكرة الأرضية برضاء القابعين فى مؤسسات اتخاذ القرار فى بلاد العم سام.

ولكن ليس بمشاعرنا تؤتى السياسة، ولكن بمصالحنا وعلاقاتنا العربية والدولية التى تفرض علينا استشعار الخطر ومساندة الأصدقاء، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية. فالرياض تستشعر الخطر من تهديد واضح لمصالحها بعودة قوية للمنافس الإيرانى الذى فرض وجوده على المنطقة فى الجنوب اليمنى، الحد الاستراتيجى الأهم للمملكة وأمنها، وفرض نفوذه عند حدودها الشمالية عبر حزب الله فى لبنان وشيعة العراق ودعم النظام السورى. بالإضافة لترقبها للتقارب الغربى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران واجتماعات فيينا المستمرة منذ أسبوع والمتوقع انتهاؤها غداً الاثنين 24 نوفمبر بإعلان اتفاق نهائى تُنهى به إيران العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ سنوات، وتواصل به برنامجها النووى عبر الحصول على موافقة الغرب بزيادة عدد أجهزة الطرد المركزى لتأمين وقود كاف للمفاعلات المستقبلية، بينما يحاول الغرب الضغط على طهران لا لمنع ذلك، ولكن لتقليص العدد فقط. هكذا تستشعر الرياض ومعها القاهرة الخطر من تزايد القُرب المعلن بين طهران وواشنطن وما يُبذل من جهود دبلوماسية لن تؤدى فى النهاية إلا لزيادة النفوذ الإيرانى فى المنطقة.

من ناحية أخرى يجىء الضغط الروسى لصالح الملف السورى ونظام الرئيس بشار الأسد، ليزيد من قلق المملكة السعودية وشعورها بالتهميش فى علاقتها بقطبَى العالم، وذلك بعد إعلان موسكو عن مبادرة لحل الأزمة السورية من خلال إعادة ترتيب صفوف المعارضة السورية فى الداخل والخارج، وإجلاسها على مقاعد المفاوضات للتباحث مع ممثلى النظام الروسى فى موسكو، يسبق ذلك جلسة مشاورات تبدأ الأربعاء المقبل فى موسكو مع وفد النظام السورى بقيادة وليد المعلم. وتستند المبادرة الروسية على أسس مؤتمر «جينيف 1» ولكنها تشترط الإبقاء على بشار الأسد والحفاظ على نطاق صلاحياته ومساندة مؤسسات الدولة السورية. ولعل هذا ما دفع بوزير خارجية السعودية سعود الفيصل لزيارة موسكو لإيجاد صيغة تفاهم مع القطب الروسى (الذى أهملته الرياض فى السنوات الأخيرة ظناً منها كالعادة أن واشنطن بيدها كافة ضمانات الاستقرار والحفاظ على هيبة ملك آل سعود) ولتطييب خاطره بعد إهانة لحقت به حينما عرضت الرياض على موسكو مبلغ 15 مليار دولار نظير التخلى عن بشار الأسد، وهو ما رفضته روسيا وقتها بغضب.

وهكذا تأتى مبادرة التصالح الخليجى - الخليجى مع ذاته خوفاً على مصالح دوله ومنع انفراط عقدها بتهديد خلايا إسلامية نائمة فى أحضان حكمه وميليشيات عسكرية تحيط بحدوده، حتى لو لم يصدق الملك عبدالله قُبلات تميم حاكم قطر لرأسه. وهكذا تأتى أهمية الانضمام المصرى لهذه المبادرة بالتصالح مع قطر والتجاوز عن سيئاتها لصالح المملكة وأمنها الداخلى والخارجى. ومن هنا كان إدراك القاهرة لأزمة الشقيقة وكان إعلان القاهرة قبول المبادرة دون التصريح بكلمة مصالحة. أتذكّر هنا كلمات الرئيس السيسى يوم الاحتفال بذكرى انتصارات أكتوبر الأخيرة، وهو يشرح الظروف الدولية المحيطة بنا حينما نظر للمدعوين من العرب قائلاً: «لن أحدثكم عن الوحدة ولكننى أطالبكم فقط بتنسيق المواقف». وهى عبارة حملت لى معنى النصيحة الممزوجة باليأس من تكرار الشتات العربى الواهم أبداً بسراب النجاة فى أحضان غربية، ولكنه يفيق دوماً على مساندة الأمة المصرية.