خطبة الجمعة الموحدة في الإمارات تحت عنوان "القناعة"

13:17

2014-11-21

الشروق العربينشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 21 نوفمبر(تشرين الثاني)، تحت عنوان "القناعة". 

وتناولت الخطبة الأولى لصلاة الجمعة الحديث عن نعم الله وأهمية القناعة للمسلم وأثرها في نفسه، وفضل الرضا والشكر بما كتب وقدر للإنسان، وحثت على ضرورة أن يقنع الفرد بما لديه ويسعى للخير دون طمع أو تذمر، فيما ذكرت الخطبة الثانية أن من حرم القناعة فقد قل يقينه بربه واتبع هواه.


الخطبة الأولى
أيها المسلمون: لقد خلق الله تعالى الإنسان وأكرمه وأعطاه، فمنهم الرضي القانع، ومنهم الجشع الطامع، قال تعالى:( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن* وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن).

والموفق من رضي بقسم الله تعالى وعطائه، ولم يتذمر أو يتسخط، قال سبحانه:( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا).

فالقناعة هي الرضا بالموجود، وترك الحزن على المفقود. ولها ثمرات عظيمة في حياة الإنسان، فهي عزة في النفس لا تشترى، وسعادة لا تنقطع، ومال لا ينفد، وحياة هانئة آمنة، قال الله تبارك وتعالى:( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).

والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد ذكر المفسرون عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم: أنهم فسروا الحياة الطيبة بالقناعة.

ومن رزق القناعة فقد أفلح، وكللت مساعيه بالنجاح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه".
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قنوعا بما آتاه الله عز وجل يطلب الآخرة، ويرجو مرضاة ربه، ويدعوه قائلا: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا". أي اكفهم من القوت بما يغنيهم عن المسألة.

عباد الله: إن "النفس البشرية ميالة للزيادة، ومحبة للاستكثار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا". ويقول الشاعر:

والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهذب سلوك أصحابه بما يجنبهم شدة التطلع للزيادة، ويحقق لهم القناعة والسعادة، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال يا حكيم: إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى. فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا.

وقد تلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التوجيه بصدق ويقين، فكانوا يربون أولادهم على القناعة وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس، فهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول لابنه: يا بني إنك لن تلقى أحدا هو أنصح لك مني ... إياك والطمع، فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس فإنه الغنى. أي القناعة .

أيها المسلمون: ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطرق والوسائل التي ترشدنا إلى القناعة والرضا، وأساس ذلك أن يوقن الإنسان بأن الرزق والنعم من الله تعالى، قال سبحانه:( وما بكم من نعمة فمن الله) وقال عز وجل:(إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين).

وأن يتأمل نعم الله عليه، ولا يقارن بينه وبين الناس، وإذا قارن فلينظر إلى من هو أقل منه كي يستحضر نعمة الله عليه ولا يزدريها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".

فلا تستقر القناعة في النفس حتى يتخلى الإنسان عن التطلع إلى ممتلكات الناس وما في أيديهم، وإذا رضي بما قسمه الله تعالى له كان أغنى الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس" فالغنى الحقيقي في عفة النفس عما ليس لها، قال صلى الله عليه وسلم :"ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".

ولا يزال الناس يكرمون عزيز النفس، ويعاملونه بتقدير واحترام، ويهبونه ما لا يهبون للمتطلع الطامع، قال الحسن البصري: لا تزال كريما على الناس، ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تتعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك وأبغضوك.

ومن رزق القناعة أبصر نعم الله عليه فشكرها، ومن لم يقنع جحد ولم يشكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس.

فاللهم ارزقنا القناعة في أمورنا، وهب لنا الرضا بما أعطيتنا، ووفقنا جميعا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن من حرم القناعة فقد قل يقينه بربه واتبع هواه، قال سبحانه:(ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون).

وكان أحد الصالحين يقول: من أكثر نعم الله على عباده وأعظمها شأنا القناعة، وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضـاء، والثقة بالله تعالى.