الإمارات والإرهاب

12:41

2014-11-20

كمال الهلباوي

ينبغى أن أقرر فى بداية هذا المقال عدة نقاط أراها قواعد أساسية فى فهم هذا الموضوع الحساس. أولاً، من حق كل وطن أن يحافظ على وحدته وسلامة مواطنيه ضد كل خطر على وحدة الوطن، وعلى صحة المواطن وأمنه. ثانياً، من حق، بل من واجب، الأمة كلها أن تتحد وأن تنسق فى مواجهة التحديات والأخطار التى تهددها من الداخل والخارج وألا تعتمد على غيرها فى حل تلك المشكلات. وأهم تلك التحديات الإرهاب، وخصوصاً فى صورته الداعية الجديدة التى تجاوزت المشروع القاعدى، فكما يقول الشاعر: ما حكّ جلدك مثل ظفرك، فتولّ أنت جميع أمرك. ثالثاً، ضرورة ألا نتخلف عن العالم فى تطبيق التوجه الديمقراطى وتحقيق مقتضيات الديمقراطية، ومراعاة حقوق الإنسان التى يستخدمها الغرب أحياناً سيفاً يسلطه على بعض الدول عند الاختلاف أو الرغبة فى الضغط كما يحدث فى مراجعات أوضاع حقوق الإنسان واتهام الغرب لنا بالإرهاب وليس عندنا «جوانتانامو» واحد والغرب هو الذى أنشأ سجن «أبوغريب» فى العراق واستخدم بعضَنا لتعذيب بعضِنا. علينا أن نسعى للديمقراطية حتى يتيسر الوقت المناسب لتحقيق الشورى وتبيان حقيقتها ومزاياها التى هى أكثر من الديمقراطية، ولكنها لم تجد أرضاً خصبة فى العالم العربى والإسلامى بصورة صحيحة حتى اليوم. رابعاً، أننا فى قراراتنا وتوجهاتنا ينبغى أن نحقق أهدافنا نحن التى تحكمها قيم ومبادئ ليست بالضرورة عند غيرنا، وأن نسعى إلى أن نكون نماذج قد يتعلم منها غيرنا كما نتعلم منهم. خامساً، أن الإمارات العربية لها مواقف مشرفة على المستوى العربى منذ أيام الشيخ زايد رحمه الله تعالى، وبرزت تلك المواقف بوضوح فى موقف الإمارات المشرف من الأزمة التى تمر بها مصر أخيراً. سادساً، أن الدمغ بالإرهاب يكون ضمن استراتيجية كاملة تدمغ كل الإرهاب وتقتلع جذوره فى الاقتصاد والسياسة والاجتماع والإعلام وغيرها من الميادين. سابعاً، فى ظنى أن الإرهاب درجات ومستويات، وكما يقول الشاعر: إن المدرس والطبيب كلاهما.. إن رأى مرضاً داوى الأخطرا. ثامناً، أن الإرهاب حتى اليوم لم يصادف تعريفاً دقيقاً صحيحاً على المستوى العالمى، ويا ليتنا نستطيع حل هذه المعضلة بدلاً من أن يفرض الغرب علينا تعريفه الذى يناسب ظروفه ومقتضياته. تاسعاً، عند اتخاذ قرارات من هذا النوع الثقيل، ينبغى ألا نسد الطريق أمام العمل الخيرى، ولا منظمات المجتمع المدنى، ولا العمل الإسلامى الوسطى السلمى وفق الدستور والقوانين المطبقة والحالة الإنسانية التى يجب أن تحقق الحريات والعدل. عاشراً، وهو الأهم أن يتوافر للمتهم فرصة الدفاع عن نفسه، وهذا يتحقق فقط فى ضوء القضاء المستقل وتطبيق مبدأ أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته. حزنت كثيراً عندما قرأت، بين المنظمات التى ضمتها قوائم المنظمات الإرهابية، منظمات مثل الرابطة الإسلامية فى بريطانيا التى أعرفها جيداً وكنت ضمن المؤسسين لها، بل وأول رئيس لها سنة ١٩٩٧. حزنى على مستقبل هذه المنظمات كبير، سواء كان الاتهام أو الدمغ بالإرهاب صحيحاً وهو يعتبر تحولاً فى التوجهات، أو كان الاتهام باطلاً وحينئذ تكون المظلومية موجودة وينبغى رفعها. أنا شخصياً أعرف أن هناك أفراداً وكيانات فى الغرب من غير تلك المنظمات المذكورة تقوم بأعمال إرهابية أو تحرض عليها، وتشجع الشباب المسلم على التشدد والتكفير والسفر إلى مواقع الصراع والحروب للمشاركة فى تلك الحروب والصراعات باسم الجهاد، وهؤلاء الأفراد يتسترون وراء مظاهر خادعة مثل ادعاء المشيخة والفتاوى الشاذة والتفسيرات الدينية الخاطئة، ولم يرد لهم ذكر فى قوائم الإرهاب. الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدقة والبحث حتى لا نأخذ البرىء بذنب المسىء، ولربما كان من الأولى أن تترك الإمارات أمر المنظمات الإسلامية فى الغرب إلى السلطات الغربية فهى أدرى بها لأنها تعمل فى الغرب والغرب عنده معاييره، ولطالما كان للإمارات العربية فضل دعم بعض تلك المنظمات، وهذا الدور يُكسب من يقوم به منزلة كبيرة فى الدنيا والآخرة، ويعطى قوة لتلك المنظمات الاهتمام بل والتفرغ لمواجهة الاتهامات الباطلة من بعض الدوائر الغربية التى لا تخفى على حكامنا وبلادنا العربية والإسلامية، ويكفى هنا أن نذكر اللوبى الصهيونى فى الغرب الذى يبذل مجهودات ضخمة لدعم الصهيونية واستمرار احتلال فلسطين، أقول هذا الكلام رغم الحساسية الشديدة المحيطة بموضوع الإرهاب. الإرهاب يمكن أن يمزق بلادنا، والإرهاب يمكن أن يشق صفوفنا أكثر مما هى عليه اليوم، والإرهاب يقتل أولادنا باسم الجهاد، والجهاد يحتاج إلى علماء أفاضل لتبيينه والحديث عنه، ويحتاج إلى استراتيجية كاملة لمواجهته وليس فقط دمغه أو حظره بقوائم، والله الموفق.