لدور أكبر وعودة دائمة للحريري إلى لبنان

18:55

2014-08-21

فيصل عباس

عودة سعد الحريري إلى لبنان محملاً بمليار دولار تعهدت به السعودية لدعم الجيش اللبناني هي بلا شك أمر يدعو للتفاؤل لمن يقرأ بين السطور ولكل شخص يؤمن حقاً بخط الاعتدال.


أولاً، وكما أشار الأستاذ عبدالرحمن الراشد قبل فترة في مقالة بجريدة الشرق الأوسط، فهذه المليار دولار تصب في خانة العمل السياسي الرامي لتطويق الحرب القائمة في لبنان ومحيطه. ولا بد من فهم دلالات ما أشار إليه كذلك في المقالة المذكورة حين اعتبر أن السعودية كان بإمكانها أن تمنح هذه الأموال لإقامة ميليشيا سعودية الميل، تسعى لمحاربة «داعش» السنية و«حزب الله» الشيعي.


لكن السعودية وعوضاً عن ذلك اختارت دعم مؤسسة الجيش وليس أي ميليشيات أو طرف في النزاعات الداخلية اللبنانية، وهو عكس ما تفعله دول أخرى تتعمد دعم حزب معين أو جهة ما لتأجيج النيران الطائفية وتقوية طرف على آخر، وهو ما أوصل لبنان وأبقاه في خانة الساحة المفتوحة لحروب الآخرين.

الواقع هو أن الجهة الوحيدة التي يجب أن توكل مهمة حماية اللبنانيين لها هي الجيش، والجهة الوحيدة التي من المفترض أن يكون في يدها السلاح هي الجيش، وهذا من شأنه أن يحمي ليس فقط اللبنانيين بل يكون صمام أمان للمنطقة كلها، وأن يساعد لبنان للوصول إلى تحييد نفسه عن الصراعات الدائرة حوله منذ عقود، ويعود لمكانته كمركز للإبداع والأعمال والفكر والسياحة.


أما اختيار سعد الحريري لحمل الهبة، فهو في رأيي اختيار موفق وهذا بغض النظر عن العلاقة التاريخية التي تربط المملكة بآل الحريري. فلا بد لنا أن ندرك أننا في مرحلة استقطاب طائفي بشعة، وفي ظل غياب القيادات السنية المعتدلة القادرة على حشد سنة لبنان خلفها وطمأنتهم، فإننا نترك الباب مفتوحاً لأمثال «الشيخ» أحمد الأسير أو «الخليفة» المزعوم أبوبكر البغدادي وغيره من الظواهر الصوتية التي ظهرت فجأة لتلعب دور القائد السني وحامي الطائفة.

 

الواقع أن حتى خصوم المرحوم رفيق الحريري يشهدون أنه لم يكن شخصاً طائفياً، وأنه رجل بنى دولة، وأنه كان يحرص على حق الشيعي والمسيحي والدرزي بقدر ما كان يحرص على حق السني. في مؤسساته وعياداته الخيرية وفي المنح والمساعدات التي وزعها تمت معاملة الجميع بالمثل، وأعطت الفرص للجميع.
سعد الحريري مثل والده يشهد له بأن الاعتدال عقيدته، والتسامح في دمه، فهو وبالرغم من كل ما خضع له وتحمله، وضع يده في يد حسن نصر الله ودعا إلى حكومة وحدة وطنية حين تولى رئاسة الوزراء قبل سنوات.

 

لكن فيما قد يكون الاعتدال والتسامح سمتين يمكن نيلها بالوراثة، فإن لا شيء يصنع القادة سوى سنوات الخبرة والمماحكة. وفيما يكون سعد الحريري قد ورث الزعامة في الماضي، إلا أنه اليوم بات زعيماً بحسب الطلب، وذلك لأن لبنان ـ بكافة طوائفه ـ يحتاجه لحمايته من حريق الفتنة، وللعودة إلى درب الأمان والاعتدال. وعلى خصومه ومن يهددون حياته أن يدركوا ـ إن كانوا وطنيين حقاً ـ أنهم في مواجهة سعد الحريري قد يكسبون جولة ويخسرون أخرى، لكن قواعد اللعبة تبقى ضمن الأطر المعقولة والمتحضرة، وأنهم سيكونون في وضع أفضل ألف مرة معه من البديل. فهؤلاء قد لا يدركون أنهم بمحاربة الخط السني المعتدل يفتحون على أنفسهم أبواب جهنم بكل ما تعنيه الكلمة، فهل يريد أو يتحمل حسن نصر الله حقاً أن تشتعل حرب طاحنة بين «داعش» و«حزب الله» على الأراضي اللبنانية؟


ويبقى القول بأن لبنان، وبالرغم من كل ما مر به من ظروف وتقلبات وتخبطات، قادر على تخطي الصعاب كما فعل دوماً، لا بل ليس من المبالغة القول إنه قادر على أن يتحول إلى واحة للاستقرار في المنطقة إن أراد.

 

لكن رؤية مثل هذه لا تبلغ بالتمني، وفيما السعودية اختارت دعم مؤسسة الجيش وترسية مفهوم الدولة، فهناك أطراف أخرى قد لا تريد الأمر ذاته للبنان، وهنا يأتي دور قادة الطوائف والأحزاب الذين لا بد أن يدركوا أن الوقت قد حان لتحييد لبنان عن الأجندات الخارجية، وهذا يستدعي من سعد الحريري أيضاً إقامة دائمة في بلده والعمل مجدداً مع كافة الأطراف لتثبيت مفهوم الدولة بشكل نهائي