تهافت أوباما وخامنئي وطبخة البحص النووي!

13:03

2014-11-15

راجح الخوري

عقدت الجولة التاسعة من المفاوضات النووية بين الأميركيين والإيرانيين في مسقط وسط ظروف ضاغطة على الطرفين بدت مؤشراتها واضحة جدا، مما يدفع إلى القول إنه وإن لم يتم التوصل إلى اتفاق في هذه المرحلة، فإن الرغبة متصاعدة لدى الطرفين للتوصل إلى تفاهم قبل انتهاء المدة المحددة في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
ولكن هل يعني عدم الاتفاق في الموعد المحدد بعد أسبوعين، إقفال هذا الملف على الفشل النهائي؟
ليس بالضرورة.. أولا لأن الإيرانيين سيحاولون تمديد الموعد بالحصول على وقت إضافي للتفاوض، وهذه سياستهم منذ 10 أعوام تقريبا، وقد جعلت المفاوضات أشبه بطبخة بحص ساعدتهم على المضي في تطوير تجاربهم النووية، ولن يكون في وسع الرئيس أوباما أن يدير ظهره لهذه المفاوضات لأسباب معروفة جيدا تتصل بقحط سياسته الخارجية.
على امتداد 4 جولات من المفاوضات استغرقت كل منها 3 ساعات، لم تسجل المناقشات أي تقدم في الوقائع الفنية والشروط الضامنة، لكنها وفرت مؤشرات واضحة على رغبة متصاعدة لدى الطرفين في التوصل إلى اتفاق مقبول، يمكن الدفاع عنه داخليا سواء بالنسبة للنظام الإيراني، أو بالنسبة للرئيس الأميركي أمام الرأي العام الداخلي، إضافة إلى كونغرس جديد متشدد يكشر عن أنيابه ولم يتوانَ بعض أعضائه عن التلويح بفرض عقوبات جديدة على إيران!
قبل الدخول في التفاصيل، ضروري أن نلاحظ أن أسعار النفط كانت مع بدء المفاوضات في حدود 81 دولارا للبرميل، ومع انتهاء المفاوضات هبطت إلى 79 دولارا، وهذا يشكل عاملا إضافيا ضاغطا على الجانب الإيراني تحديدا الذي يعاني من سلة العقوبات المفروضة عليه.
محمد جواد ظريف تعمد لدى وصوله إلى مسقط القول إن العقوبات على إيران لم تحقق أي نتائج للغرب، في حين أعلن علي أكبر ولايتي أن إيران لن تتخلى عن حقوقها في ما يتصل بالمنشآت النووية في فوردو وناتانز وآراك وحجم أجهزة الطرد المركزي، لكن إعلان المرشد علي خامنئي يوم الاثنين الماضي دعمه للمفاوضات شكل مفاجأة صريحة تؤشر على رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق على الملف لكن دون أن يقفل في وجهها مجال المناورات النووية في المستقبل!
خامنئي قدم في حسابه على «تويتر» الذي يديره معاونوه المقربون، 9 نقاط لدعم المفاوضات بعدما كان قد دأب على التشكيك في نجاحها منذ انطلاقها في عام 2009، وأبرزها الرغبة في الانتهاء من الملف الذي «يريد الخصوم إطالة أمده»، و«الانتهاء من شرور الشيطان الأكبر (أي أميركا) وتسوية المشكلة»، وتكرار القول إن «إيران لا ترغب في امتلاك السلاح النووي»، والثناء على «المفاوضات التي سمحت لإيران باختراق العزلة» التي كانت قد فرضت عليها في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية!
هذا الموقف المفاجئ من خامنئي بدا نتيجة طبيعية لأمرين ضاغطين؛ الأول هو عدم الرغبة في استمرار العقوبات الدولية الخانقة، خصوصا الآن مع تراجع أسعار النفط، والثاني التبدل الكبير في اتجاهات السياسة الأميركية، وهو ما كشفته نتائج انتخابات الكونغرس الأميركي، الذي سيطر عليه الجمهوريون بأكثرية لم تتوافر منذ الحرب العالمية، وهو ما سيزيد من الصعوبات والعراقيل التي سيواجهها أوباما الديمقراطي، خصوصا في الملف الإيراني!
في هذا السياق، ليس خافيا أن أوباما الذي فشل فشلا ذريعا في كل سياساته الخارجية سواء في الملف الفلسطيني ووعوده حول إقامة الدولتين، أو وسواء في معالجة الأزمة السورية وما آلت إليه من مشكلة «داعش» والإرهاب، أو في علاقاته مع مصر بعد رهانه الساذج والخاسر على أخونتها تمهيدا لأخونة المنطقة كلها، وسواء في مواجهة ملف أوكرانيا، أو في الحصاد التدميري الذي آلت إليه سياسة الانسحاب العشوائي من العراق وتركه لقمة سائغة للإيرانيين.. بعد كل هذا ليس خافيا أنه يتلهف لتحقيق الاتفاق مع طهران كتعويض أو «إنجاز» وحيد يوازن طوفان فشله!
لقد بدا هذا واضحا عبر تهافته على الاتصال بالرئيس حسن روحاني عندما كان في نيويورك، وعبر انخراطه خلسة في مفاوضات سرية لمدة 5 أعوام مع الإيرانيين في عمان، من دون أن يطلع أو يشرك حلفاءه الخليجيين، خصوصا أن المفاوضات جرت وتجري في «أحضانهم»، لكن من وراء ظهورهم.
كل هذه العوامل السياسية والاقتصادية المتراكمة والمستجدة التي تقاطعت فوق جولة المفاوضات النووية في مسقط، كانت توحي بإمكان حصول اختراق يفضي إلى اتفاق يحلق به أوباما قبل أن يقصقص الكونغرس أجنحته ويتنفس به خامنئي قبل أن تزيد نسبة الاختناق الاقتصادي في إيران بما يوسع من دائرة التململ الشعبي.
لكن عدم إنجاز الاتفاق في مسقط لن يعني تسليم الطرفين بالفشل المر. وعلى هذا الأساس يستطيع المراقب أن ينظر إلى تاريخ 24 نوفمبر الحالي على أنه موعد لاتفاق محتمل على تمديد جديد لمهلة التفاوض أو طبخة البحص، وهذا سيكون حتما في مصلحة إيران، التي لطالما راهنت على المماطلة وكسب الوقت عبر المفاوضات، لتعكف على تطوير برنامجها النووي. والدليل أنه مع بدء المفاوضات كان الحديث يدور دائما عن اتجاه إلى الموافقة على حصولها وتشغيلها 500 جهاز طرد مركزي، بينما يدور الحديث الآن في كواليس المفاوضات في مسقط عن القبول بحصولها وتشغيلها ما يقرب من 4500 جهاز طرد مركزي، بما يعني أن القافلة النووية الإيرانية تسير، والصراخ الأميركي الأوروبي لا يوقف العجلات!
صحيح أن أوباما وجون كيري تحدثا عن «صعوبات جدية ومباشرة تعترض الاتفاق»، وأن الإيرانيين تحدثوا عن الفجوات الكبيرة المستمرة، وأنهم متفائلون بالتوصل إلى اتفاق بحلول موعد 24 من الشهر الحالي، لكن الواضح أن الطرفين يدرسان في هذه المرحلة مشروع اتفاق إطار وضعه الأميركيون ويقع في 10 صفحات وملاحق فنية من 40 صفحة.
لكن الخلاف حول عدد أجهزة الطرد المركزي ونسبة التخصيب وتسليم المخزون إلى الروس، والمراقبة الجدية لمفاعل آراك لوقف إنتاج المياه الثقيلة بما يمنع الحصول على البلوتنيوم لصنع قنبلة نووية، وكذلك وقف عمليات التخصيب في منشأة فوردو السرية، والإصرار الإيراني على رفع فوري لا متدرج للعقوبات، ثم الخلاف حول المدة الزمنية للاتفاق الشامل (10 أو 20 سنة).. كل هذا سيفرض تمديدا جديدا لهذه المفاوضات، التي تضيق فرص نجاحها رغم اتساع رغبة أوباما وخامنئي في نجاحها!