السعودية و"الدولة"... ايران و "الدويلة"

18:50

2014-08-21

بديع يونس

3 مليارات دولار أميركي في ديسمبر الماضي, ومليار آخر مؤخرا... تمويل سعودي للجيش اللبناني , المؤسسة الرسمية وركن الأساس في الدولة اللبنانية.
100 مليون دولار أميركي للمجتمع الدولي... لمكافحة الإرهاب.

السعودية تثبّت قدميها في دعم مفهوم "الدولة"... وتؤكد التزامها وثقتها مجدداً بالمجتمع الدولي. 

السيناريو اللبناني غالباً ما كانت قراءته تمثّل الرؤية الخارجية للقوى الاقليمية... وذلك لطبيعة لبنان المذهبية والحزبية, لموقعه الجغرافي, وخصوبة "أرضه" لاستقطاب الأزمات, فيما موقعه الجيو- إجتماعي, والجيو- سياسي يظهران سببية تصادم وتكسّر الأمواج الغربية والشرقية فيه.

ومنذ العام 2005 ولبنان يتخبّط بين مشروعين اثنين, مشروع المستقبل ومشروع العصور القاتمة... مشروع "الدولة" ومشروع "الدويلة" .

لا يُخفى على أحد المشهد اللبناني بصورة شاملة... طرف يدعو الى دولة قادرة تحتكر السلاح والقوة على كل أراضيها بحدودٍ مُرسّمة وشعبٍ انتماؤه وطني لا مذهبي أو طائفي أو عرقي... وطرف آخر انتماؤه خارجي سياسياً وعسكرياً... 

المسألة حسابية وبسيطة... وتتبع حبل المنطق العلمي: ايران تدعم الدويلات على حساب الدول من منظورها الأحادي لـ "أمبراطوريتها" التي تمر بالعراق فسوريا ولبنان وصولا الى فلسطين المحتلّة. تقدّم الدعم المالي والعسكري لميليشيات يكفي وجودها في المعادلة لضرب مفهوم الدولة. فبين حزب الله وحماس وفتح الإسلام والجهاد الإسلامي, يتواصل الدعم الى نظام الاسد. وإذا كان الرابط بين الميليشيات تلك جميعاً مسعى لبناء دويلات تنسف مفهوم الدولة وتقدّم الطاعة لليد الايرانية التي تطعمها, فإنّ التقاءها كلها في المعادلة الحسابية التي ذكرناها آنفاً يعزّز النظرية القائلة أن نظاماً في سوريا اليوم بالنسبة الى ايران ليس سوى فرع بعنوان "دويلة الاسد"... تماما كـ"دويلة حماس", دويلة "حزب الله" ودويلة "فتح الإسلام" في نهر البارد سابقاً.

وعلى الضفة الأخرى, مشروع معتدلٌ, داعمٌ للـ"دولة", أكيدٌ من أنّ الخلاص لا يأتي إلا من باب الشرعية, وحدها ضابطة الايقاع في منطقة, إن لم تضرب الدولة فيها بيد من حديد, يتحوّل المشهد الى ما يبدو عليه اليوم.

غياب الدولة القادرة والجامعة في عدد من بقع المنطقة الجغرافية, تحوّل الى مغناطيس للمناهج المتطرفة في وجه مشاريع "دويلات إيران" المبنية على أسس طائفية ومذهبية.

وفي وجه تهديد الدويلات القائمة تلك, استشعرت شريحة كبيرة بتهديد وجودي, ليتم توظيف هذا التهديد في مصلحة مشروع متطرّف " إرهابي" . 

وبين المشروعين, تبقى الدولة الضامن الوحيد لإعادة ضبط الايقاع... ونبذ التطرف وضرب برنامج "الدويلات"... والإرهاب في آن.

"الدولة"... و"الإرهاب"

من هنا, نلاحظ أنّ قناعة أممية وإقليمية وعربية تتكشّف صريحاً في الآونة الأخيرة... وتكمن في الاتجاه صوب تركيز مفهوم "الدولة" القادرة وحدها على مواجهة خطر الإرهاب.

حكومة جامعة وتوافقية في العراق نالت ترحيباً واعترافاً دوليين, دعم سعودي بـ4 مليارات دولار الى "مؤسسة الجيش اللبناني", زيارات عربية رفيعة المستوى في الأشهر الأخيرة الى أفغانستان وباكستان اتخذت طابعاً سياسيا وعسكريا واقتصاديا. برلمان ليبي يعمل على التخلص من السلاح المنتشر بيد الجماعات غير الشرعية. رئيس جامع في مصر, والمصريون "مستعدون أن يلبسوا ما يفصّله", لهذا الحد ثقتهم كبيرة بالرئيس السيسي... فيما يبدو أنّ الحبل على الجرّار, ومشروع الدولة والشرعيّة هو عنوان هذه المرحلة ضمن الحرب على الارهاب.

تطورات سياسية تكشف عن اتساع في الرؤيا, وعن قناعة جديدة مفادها أنّ انفجار المنطقة ودخول ايران على الخط ـ في فترة ما بعد الثورة ـ بمنهج سياسي- ديني- متطرّف أفضى الى ضرب "الدولة" وثقة الأفراد فيها.. ليستفيد "تجار الدين" من هذه الثغرة ويزيدوها اتساعًا ويوظفوها في مشروع متطرّف لمواجهة التطرّف المقابل. 
سنوات مرّت وازداد المشروعَين بُطشاً... وبات المشهد على ما هو عليه اليوم.

وبين مزدوجين وقبل استكمال المقال يجدر التذكير بماهية الدولة وأهدافها وأركانها. (فإنّ الدولة بإنشائها هدفت الى وضع ضوابط بين أفراد قرروا التخلي عن بعض حقوقهم الشخصية لمصلحة الحق العام, ومصلحتهم الفردية لصالح المصلحة العامة, على أنّ تؤمن الدولة في المقابل 
أمنهم الاجتماعي والشخصي وتضع أفرادها على قدم مساواة أمام القانون الوضعي... ومتى دخل ثالث بين الموقّعَين على هذا العقد, اختلط الحابل بالنابل وفُقدت الثقة... وساد قانون الغاب مجددا, وحكم القوي).

والتجارب المأساوية في العقد الأخير, مع صعود تنظيم القاعدة وانتشار عملياته الإرهابية قبل أن يحمل داعش الشعلة مؤخرا... إنما تثبت هوية هذه التنظيمات التي لا تعرف إلا قانون الغاب... فيما تتخذ لنفسها ملاذاً آمناً في بلدان متعارف على هشاشة التركيبات الداخلية فيها, بلدان مبنية على انقسامات مذهبية وطائفية وسياسية.. لتتكئ الجماعات الإرهابية في انتشارها على غياب الدولة القادرة وما يستتبع ذلك حكماً من غياب للأمن، فتسهل حركة عناصرها, ويسهل ايصال السلاح اليها, وتجنيد عناصر جديدة, ورسم استراتيجيات بأريحيّة شبه تامة. وخير دليل ومثال، أفغانستان وباكستان والعراق واليمن وسوريا.. أما لبنان فكان جديد وجهة تلك الجماعات, بببيئة مهيّأة، وحدود يصعب ضبطها، ودولة ثابتة في الغياب... إلا أن أحداث عرسال الأخيرة, وهبة السعودية الى الجيش الشرعي, والإجماع الدولي على إعادة هيبة هذه المؤسسة تشير الى دلالات تصبّ في مصلحة القرار بـ"تقوية الدولة في وجه الإرهاب". 

السيناريو العراقي 


السيناريو العراقي الذي تم اعتماده, والاتفاق عليه يشير الى اختيار "الدولة" و"الشرعية" لمواجهة خطر داعش. وهذا ما يمكن التماسه من الإصرار الغربي والعربي على أنّ " أول العنقود " يبدأ بالحل السياسي. من هنا, فإنّ مراقبة الشهرين الأخيرين والتصريحات الأميركية والغربية عموماً, وإنما تشير الى أنّ الضربات الجوية لم تكن تغييرا في الموقف الأميركي من الحدث العراقي... بل بقيت واشنطن متمسكة حتى آخر دقيقة بوجوب التوصل الى حكومة توافقية تضم الأطراف السياسيين كافة, من دون المالكي, حجر العثرة أمام الوحدة بسبب سياساته الإقصائية خلال ولايتيه... وهذا ما حصل . 
وقد أفادت مصادر مطلعة وقتها بما يجري في الاروقة الديبلوماسية الأممية والأميركية, وأكدت أنّ الأفرقاء الغربيين مقتنعون بأنّ أيَّ حل أمني وعسكري لا يمكن أن يستمر, وذهبوا حتى التشديد على أنّ نتائجه آنية لا دائمة, وهكذا نتائج ليست من مصلحة العراق ولا دول الجوار, ولا المجتمع الدولي. 
الاميركيون كانوا متأكدين من الإجماع في الداخل العراقي على عدم ترشيح المالكي لولاية ثالثة... فيما تمكسه بموقفه حينها وضع عراقيل أمام تشكيل حكومة شرعية. وفي ظل غياب الشرعية في الداخل العراقي كانت المصادر الأميركية تؤكد أنّ الدولة العراقية لا يمكن أن تقوم. و
وكنا تابعنا مقالات غربية نقلا مصادر ديبلوماسية في واشنطن تقول إنّ التجربة أظهرت أن الارهاب والجماعات المتطرفة تتكئ الى الثغرات الامنية التي يولدها غياب الدولة القادرة ليتخذ الارهاب ملاذا آمنا في هذه البقع. 

كما ذهب الاميركيون الى تحذير أكبر وهو تراجع الدعم الدولي للعراق إذا ما تعطلت العملية الدستورية الشرعية, متهمين ضمناً نوري المالكي بوضع "العصا في دولاب الحل".

اليوم, وقد تم تكليف حيدر العبادي تشكيل حكومة عراقية توافقية, انقلب السحر على الساحر... وبات المالكي من الماضي, وقد سقطت "دويلته" لصالح "الدولة" التي يتم العمل صريحاً على إنشائها اليوم في وجه إعصار الإرهاب. 

المعادلة بسيطة كانت... المالكي حاول القضاء على أخصامه السياسيين من خلال بروباغندا مكافحته الإرهاب ووضعهما في السلة عينها... إلا أنّ الحل السياسي الجديد والإجماع على إنشاء الدولة, لم يعطه فرصةً لمواجهة القرار ميدانيا., وإلا كان ليُعتبر في صف واحدْ مع داعش.
وقد أصبحت اللعبة على المكشوف, والأطراف اتخذوا مواقعهم, نلتمس اليوم إجماع سياسي على إنشاء دولة توافقية, متمثلة بكل مكونات الشعب العراقي... ليبقى على الضفة الثانية, داعش "الإرهابي".