غورباتشوف بعد ربع قرن على سقوط جدار برلين

12:49

2014-11-12

خير الله خير الله

قبل خمسة وعشرين عاما، سقط جدار برلين. مع سقوط الجدار. تغيّر العالم. انتهت الحرب الباردة وبدأ العد التنازلي لانهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان قوة عظمى في مواجهة الولايات المتحدة والغرب. اعلن رسميا عن الإنهيار مطلع سنة عندما تبيّن أن النظام الشيوعي الذي يدار من المركز، أي من موسكو، لم يعد قابلاً للحياة.

لم يكن الاتحاد السوفياتي كائنا طبيعيا كي يكون قابلا للحياة. لعلّ أوّل من ادرك ذلك رجل ظلمه التاريخ اسمه ميخائيل غورباتشوف. حاول غورباتشوف انقاذ ما يمكن انقاذه طوال خمس سنوات قبل أن يعترف، من موقع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، أنّ هناك نظاما انتهى وأنّ الآلة العسكرية التي كان الاتحاد السوفياتي يمتلكها ستقضي على الدولة.

في الواقع كانت هناك آلة عسكرية ضخمة تقف على قاعدة هشّة هي الاقتصاد السوفياتي.

بين العام ، تاريخ وصوله إلى موقع الأمين العام للحزب وحتى يوم التاسع من تشرين الثاني ـ نوفمبر ، يوم سقوط جدار برلين، عمل غورباتشوف المستحيل من أجل الحؤول دون انهيار القوة العظمى الثانية في العالم. جرّب الإصلاحات، معتمدا على ما سمّي وقتذاك «بريسترويكا» و»غلاسنوست»، قبل أن يكتشف أنّ الأمل مفقود وأن بلدا من دون اقتصاد قوي ومتين لا يستطيع ان يكون قوة عظمى.

الآن، يقف غورباتشوف الذي صار في الثالثة والثمانين من العمر في برلين ليبدي تخوفه من عودة الحرب الباردة. يقول الرجل الذي اشرف من داخل الكرملين على تصفية الاتحاد السوفياتي: «العالم على عتبة حرب باردة جديدة، وثمة من يقول إنّ هذه الحرب بدأت فعلا».

هل بدأت الحرب الباردة مجددا بعدما تصرّف الغرب، على رأسه الولايات المتحدة، على طريقة المنتصر الذي لم يعد يبالي بالحوار مع الآخرين؟ هذا على الأقلّ ما لاحظه غورباتشوف الذي اعتبر من برلين أن الغرب «كان ضحية انتصاره بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. لهذا السبب، لم تستطع القوى الكبرى التعاطي مع نزاعات يوغوسلافيا والشرق الأوسط وأوكرانيا».

من الواضح أن آخر زعيم للاتحاد السوفياتي يشير إلى أن الغرب تخلّى، في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، عن مسؤولياته. ترك يوغوسلافيا تتفكّك وترك اسرائيل تتصرّف كقوة احتلال بصفة كونها القوة العظمى في الشرق الأوسط، كما فشل في اقامة حوار مع روسيا في شأن أوكرانيا.

ليس ضروريا أن يكون غورباتشوف على حقّ، ذلك أن همّه يبدو محصورا في كيفية استعادة روسيا بعض أمجاد الاتحاد السوفياتي. بكلام أوضح، يريد غورباتشوف أن يقال عنه، في كتب التاريخ، أنّه بقي مواطنا روسيا يؤمن بعظمة بلاده وليس الرجل الذي قاد إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.

يفكّر غورباتشوف حاليا بما سيُكتب عنه بعد رحيله. ولذلك يحضّ الغرب على «رفع العقوبات» التي فرضت على عدد من كبار المسؤولين الروس في ضوء سيطرة موسكو بالقوة على شبه جزيرة القرم وتدخّلها المكشوف في أوكرانيا.

من حقّ كلّ سياسي التفكير بإرثه. ولكن، مهما فعل ميخائيل غورباتشوف، وهو رجل عظيم، بكلّ معنى الكلمة، سيظل اسمه مرتبطا بسقوط «امبراطورية الشرّ» على حدّ تعبير رونالد ريغان واستعادة شعوب اوروبا الشرقية حرّيتها بعدما ظُلمت طويلا.

أمّا مشكلة ما يشهده العالم حاليا من صراعات ونزاعات، خصوصا في الشرق الأوسط، فهي عائدة إلى ان روسيا، لم تتعلّم شيئا من تجربة الاتحاد السوفياتي. الدليل على ذلك أنّها تستغلّ الضياع الأميركي وضعف ادارة اوباما من أجل دعم نظام مثل النظام السوري أخذ على عاتقه الخلاص من شعبه ومن سوريا نفسها. تراهن موسكو على عودة الحرب الباردة من البوابة السورية ومن خلال الحلف غير المعلن مع ايران، وذلك كي تثبت أنّها ما زالت قوة عظمى...

هناك ميخائيل غورباتشوف الذي يستحقّ لقب رجل القرن العشرين. فهم هذا الرجل العالم جيّدا في ثمانينات القرن الماضي. فهم خصوصا ماذا يعني خوض حروب في افغانستان بالنسبة إلى بلد يمتلك اقتصادا ضعيفا مثل الاتحاد السوفياتي. فهم أن جدار برلين كان جدار العار وأن المانيا لا يمكن ان تبقى مقسّمة. لذلك، كانت قبلته الأخيرة للزعيم الألماني اريش هونيكر في برلين اشبه بقبلة الموت اكثر من أيّ شيء آخر.

فهم غورباتشوف، في الثمانينات، أن بولندا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا وبلغاريا لا يمكن ان تظلّ مستعمرات سوفياتية.

ولكن، هناك الآن ميخائيل غورباتشوف الذي يريد من المواطن الروسي ان ينسى ماضيه السوفياتي. انها عقدة الروسي العادي، كما عقدة المقيم في الكرملين الذي اسمه فلاديمير بوتين. تقوم هذه العقدة على رفض الاعتراف بأنّ الاقتصاد الروسي المرتكز على السعر المرتفع للنفط لا يبني قوة عظمى ولا يسمح بتجدد الحرب الباردة. الحرب الباردة جزء من الماضي. هناك حروب من نوع جديد لا تبدو روسيا قادرة على استيعاب مدى خطورتها. على رأس هذه الحروب النزاعات ذات الطابع المذهبي في الشرق الأوسط التي تستثمر فيها ايران وتغذيها روسيا بالسلاح وبالفيتو الذي تمتلكه في مجلس الأمن...

كان غورباتشوف في الثمانينات وتسعينات القرن الماضي رجلا لمّاعا على علم تام بما يدور في العالم وبأنّ للتاريخ منطقه وأنّ هذا المنطق لا يمكن إلّا ان يقود إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.

هذا قانون الطبيعة الذي فرض انهيار النظام السوري الذي كان، إلى جانب كوريا الشمالية، آخر نظام ستاليني في العالم في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

لن تعود الحرب الباردة. ستكون في العالم حروب كثيرة بعضها ساخن وبعضها بارد. الأكيد أن روسيا لن تعود قوّة عظمى، كما عاد يحلم غورباتشوف بعدما صار في الثالثة والثمانين من العمر.

اذا كان من درس بعد ربع قرن على انهيار جدار برلين، فإنّ هذا لدرس يتلخّص بأنّ الاقتصاد أهمّ من السياسة. ارتكب بوش الإبن كل الأخطاء التي يمكن ارتكابها، خصوصا في افغانستان والعراق. وجاء باراك اوباما ليزيد من حجم الأخطاء الأميركية. لكنّ اميركا بقيت اميركا، لا لشيء سوى بسبب اقتصادها الذي يتطور يوميا، في حين لا تزال دولتان مثل روسيا وايران في اسر النفط والغاز وعائداتهما.

يستطيع البلدان ممارسة لعبة الإبتزاز، تستطيع ايران الإدعاء ان بيروت مستعمرة ايرانية على البحر المتوسط وأنها باتت تسيطر على جزء من اليمن عبر «انصار الله». وتستطيع روسيا القول بالأفعال وليس بمجرد الكلام إنّها استعادت شبه جزيرة القرم من اوكرانيا وأنّها ستقسّم هذا البلد. ولكن لا امل لأي من البلدين في ان يصبح قوة عظمى يوما لأسباب اقتصادية أوّلاً، وربّما أخيراً.

انهار جدار برلين...انهار الاتحاد السوفياتي. انهار حلف وارصو. انهارت منظومة عالمية. انهارت الإمبراطورية التي كان لديها موطئ قدم في اليمن الجنوبي وفي القرن الإفريقي. هل هذا ما يريد ميخائيل غورباتشوف ان ينساه عبر تحذيره من عودة الحرب الباردة؟