السادات و«الأفنديات»

12:39

2014-11-10

محمود خليل

ربما يتذكر من عاش حقبة السبعينات أن الرئيس «السادات» رحمه الله دأب على إطلاق وصف «الأفندية» على المثقفين الذين كانوا يمطرونه بوابل من النقد. أقول هذا بمناسبة ما تداولته الصحف أخيراً من حديث عن حرب أكتوبر واحتوت على رؤى لامت السادات -إن لم تكن قد خطأته- فى أسلوب إدارته لحرب 6 أكتوبر 1973. من يتحدثون اليوم عن السادات لا يفترقون كثيراً عن الوصف الذى خلعه عليهم، وصف «الأفنديات»، فهم يحللون مشهد حرب أكتوبر فى العام 2014 بعد أن زالت دول وتفككت أمم واختلفت ظروف وتباينت سياقات ويحكمون على الرجل مهدرين السياق الذى حكم مصر والإقليم العربى والعالم ككل عام 1973. والأعجب من ذلك أنك تجد أنهم يطرحون رؤاهم الألمعية فى أن «السادات» استهدف من حرب أكتوبر تحريك الموقف ليتخذ من ذلك متكأً للدخول فى عملية سلام مع إسرائيل، ولو أنك سألت أياً منهم اليوم عن موقفه من التمسك أو إلغاء معاهدة 1979 فسوف يقول لك مباشرة: مؤكد أننى أتمسك بها!

مشكلة «السادات» كانت ولا زالت مع النخبة المثقفة، أو مجموعة «الأفنديات» الذين سلقوه، وما زالوا، بألسنة حداد. وقد كان الرئيس الراحل دائب الشكوى منهم، ويستوعب أن علتهم الانتماء إلى فكر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وليس من العيب بالطبع أن يرى هؤلاء فى عبدالناصر زعيماً ورئيساً أضاف إلى هذا البلد، لكن مشكلتهم أن حبهم له أعمى بصائرهم عن النظر إلى الإنجازات التى حققها السادات، خصوصاً إنجازه الأهم بالانتصار فى حرب أكتوبر المجيدة التى أعادت الثقة إلى الجندى المصرى بعد هزيمة صعبة نلناها عام 1967. كان «السادات» يشتكى من صعود النخبة الناصرية واليسارية فى الإعلام والفن والثقافة والجامعات، وهو الأمر الذى ألجأه إلى الإسلاميين، فمنحهم فرصة عمرهم للوجود السياسى والشعبى فى مواقع عديدة كان أبرزها الجامعات، لكن هؤلاء لم يحفظوا الجميل للرجل فانقلبوا عليه، وخططوا لاغتياله وقد فعلوا، وكان لسان حاله «الكل خانوك يا ريتشارد»!

أفراد النخبة من اليمين واليسار تنكرت -فى الأغلب- للرئيس السادات، ونابذته العداء، وحتى بعد أن أثبتت التجربة المعيشة عظمة الرجل، فإن سهام النقد، وأحياناً التجريح، ما زالت توجه إليه، رغم أن «السادات» أخرج الكثيرين من أفراد هذه النخبة وكذلك من الجماعات الإسلامية من سجون عبدالناصر. نعم، كانت للسادات أخطاء، لكنها لا ترقى إلى مستوى الخطايا، وفى كل الأحوال كان الرجل مثل جميع البشر يخطئ ويصيب، ويبدو أن هذا الأمر لا يستوعبه هؤلاء «الأفنديات» من أفراد النخبة التى تكيل الهجوم للسادات.

الأمر المطمئن الذى يجعلك تثق فى مستقبل هذا البلد هو الشعب. سل أى مواطن يسير فى الشارع بالصدفة عن رأيه فى الرئيس الراحل أنور السادات والإنجازات التى حققها، وسوف تسمع منه -فى الأغلب- ما يجعلك تقتنع أن الفارق شاسع بين «أفنديات» النخبة، والمواطن «الفصيح» الذى يفهمها وهى «طايرة»، لأنه يختلف عن «الأفنديات» ممن ينتظرون الفكرة كى تحط فوق طرابيشهم حتى يفهموا!